اللاجئون السودانيون في مصر.. عودة قسرية على قطارات الخوف

منتدى الإعلام السوداني: القاهرة، 2 فبراير 2026 (سودان تربيون)- القطار المتجه جنوباً، يحمل حقائب معبأة بالعجز والقلق، يجر خلفه أسئلة النجاة والمصير، دوي صافرته يعلن عن موعد الوصول إلى حافة المجهول. وينذر بعودة قسرية إلى تداعيات حرب لم تهدأ بعد منذ أن بدأت بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وكذلك، إلى بلاد لم تفتح ذراعيها للعائدين.
على قضبانه تتقاطع السياسة مع الخوف، ويدفع البشر نحو المجهول تحت لافتة «العودة الطوعية».
في الساعات الأولى من صباح 31 ديسمبر 2025، جلست (م)، لاجئة سودانية تقيم بالقاهرة، على مقعد خشبي داخل عربة مكتظة في محطة رمسيس، هي في منتصف الثلاثينيات، تُمسك بيد طفلها وتحتضن الآخر، تحسست حقيبتها بحثاً عن بطاقة تسجيل صادرة عن (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، لم تجدها ضمن اغراضها المسترجعة من قسم الشرطة. هناك لم يسألها أحد إن كانت تريد العودة فعلاً أم لا، قبل ساعات قليلة، كانت محتجزة داخل أحد أقسام شرطة مدينة القاهرة، دون محضر، دون محامي، ودون أن يبلغها أحد بسبب توقيفها.
بعد أيام قليلة، كانت على الجانب الآخر من الحدود، بمدينة دنقلا، أقصى شمال السودان، وجدت نفسها في بلد لا يزال يشهد حرباً مفتوحة وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين.
وما تصفه السلطات المصرية بـ«العودة الطوعية» كان بالنسبة لها، نهاية رحلة بدأت بالخوف، وانتهت بإعادتها إلى نفس الخطر والخوف الذي فرت منه طلباً للأمن والحماية.
قصة (م) تمثل مدخلاً لكشف نمط ممنهج تتبعه السلطات المصرية في الترحيل القسري للاجئين السودانيين، كما يوثق هذا التحقيق.

من الشارع إلى قطار الخوف
تبدأ الإعادة القسرية في لحظة تبدو عادية جداً في حياة أي لاجئ سوداني بمصر، شارع مزدحم، محطة مواصلات، أو مكان عمل غير رسمي.
وفق شهادات متعددة وثقها التحقيق، تبدأ القصة غالباً بتوقيف مفاجئ في أحياء القاهرة، الهرم، فيصل، أو المهندسين، من قبل قوات أمنية مصرية، دون إبراز أمر قضائي، ودون إبلاغ واضح بأسباب التوقيف، وفي كثير من الحالات، يرتبط الاشتباه بالمظهر أو اللهجة أو حمل أوراق تعريف غير مصرية، ما يجعل اللاجئين السودانيين عرضة للاستهداف في الفضاء العام.
عقب التوقيف، يُنقل اللاجئون إلى أقسام شرطة أو أماكن احتجاز غير معلومة بمدينة القاهرة، حيث يُحتجزون لفترات تتراوح بين ساعات أو حتى أيام، وأحياناً أطول، دون تحرير محاضر رسمية تُثبت واقعة القبض أو تُحدد وضعهم القانوني.
وخلال هذه المرحلة، يُحرم المحتجزون من التواصل مع محامين أو ذويهم، ولا يُبلغون بحقوقهم أو بإمكانية طلب الحماية الدولية، ما يضعهم في عزلة قانونية كاملة.
داخل أماكن الاحتجاز، تبدأ مرحلة الضغط. شهادات اللاجئين تشير إلى تهديدات صريحة بالترحيل أو إطالة أمد الاحتجاز، إذا لم يوافقوا على “العودة”.
وفي بعض الحالات، يُقدَّم خيار العودة إلى السودان باعتباره السبيل الوحيد للخروج من الاحتجاز، دون شرح حقيقي لمعنى هذه العودة أو للمخاطر المحتملة في بلد الإعادة.

رغم أن بعض المحتجزين يحملون وثائق صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، إلا أن هذه الوثائق لا تشكّل ضمانة فعّالة، وفي الغالب تُصادر أو يتم تجاهلها من قبل السلطات، ما يحرم اللاجئين من الحماية التي يفترض أن توفرها منظومة اللجوء الدولية.

المرحلة الأخيرة هي النقل الجماعي، قطارات أو حافلات، حيث تُنفّذ ما تصفه الجهات الحكومية بـ(رحلات العودة الطوعية).
شهادات اللاجئين تكشف أن هذه الرحلات بدأت منذ يوليو ٢٠٢٥، وتضم أشخاصاً خرجوا لتوهم من الاحتجاز، ولم يُمنحوا فرصة حقيقية للاختيار أو طلب الحماية، فبالنسبة لهم، القطار امتداداً لمسار الإكراه.

شهادات من قلب رحلة العودة القسرية
«م»: بطاقة المفوضية لا تحمي من الترحيل
تقول (م)، وهي لاجئة سودانية وأم لطفلين: «يوم ٣٠ ديسمبر الفات، وقفوني أنا وعيالي، في الهرم، سألوني من الجواز، قلت ليهم أنا لاجئة وعندي كرت صادر من المفوضية، واحد منهم قال لي: لا يا ست، الكرت ما ينفعش هنا».
احتُجزت اللاجئة (م) لأكثر من 24 ساعة دون تحرير محضر، وحُرمَت من التواصل مع محامي أو معارفها.
قالوا لي: “لو مش عايزة تفضلي هنا، في رجوع للسودان”. قلت ليهم: “لكن في حرب! وعندي أولاد”. ردوا علي: “دي مش مشكلتنا”.
نُقلت (م) بعدها إلى أسوان ضمن «رحلة العودة»، دون أن تعرض على أي جهة قضائية، أو تقييم لمخاطر الأطفال.

«ع»: الاحتجاز وسيلة للضغط
شاب سوداني في أواخر العشرينيات: “ما قالوا لينا ليه اتقبضنا. بس جمعونا وركبونا في عربية”.
احتُجز (ع) لأربعة أيام، دون أن يتمكن من الاتصال بأسرته، أو محامي، ولم يُعرض حتى على النيابة.
“عندما تكون محتجزا، تعبان، وخائف. لما يقولوا ليك ترجع بلدك، بتحس إنو ما عندك خيار غير توافق”.
وبعد الإفراج عن (ع)، نُقل مباشرة يوم 29 أكتوبر، إلى محطة القطار، دون استعادة متعلقاته الشخصية.

(س): أسرة كاملة في مسار واحد
ربّة أسرة سودانية: “لما وصلنا، قالوا لينا كلنا نمشي مع بعض”، والأطفال كانوا مرعوبين، ولم يسأل أحد عن المدرسة أو وضعهم، رغم أننا مسجلون لدى المفوضية.
نمط واحد.. روايات متعددة، برغم اختلاف التفاصيل، تكشف هذه الشهادات عن عناصر مشتركة، توقيف دون أسباب قانونية واضحة، احتجاز دون رقابة قضائية، وحرمان من التواصل مع محامين أو جهات دعم، تجاهل أو مصادرة وثائق اللجوء، موافقة تُنتزع في سياق الخوف وسلب الحرية.
هذا التطابق يعزّز فرضية أن ما يحدث يمثل مساراً ممنهج لإعادة اللاجئين السودانيين إلى نفس الخطر الذي فروا منه.

بين القانون والممارسة: تفريغ حماية اللاجئين

*ينص القانون الدولي على حظر إعادة أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها لخطر الاضطهاد أو التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، بما يُعرف بمبدأ عدم الإعادة القسرية. مصر طرف في اتفاقية اللاجئين 1951 وبروتوكول 1967، وكذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حقوق الطفل. الالتزام يشمل جميع الأشخاص الفارين من نزاع مسلح، بمن فيهم الأطفال، النساء، والمرضى. *
الشهادات والوقائع تُظهر نمطاً واحداً، احتجاز دون قرار قضائي، مصادرة وثائق المفوضية، وعدم تقييم فردي للمخاطر، وغياب حق الطعن أو الرقابة القضائية.
المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تملك أدوات تسجيل وحماية، لكنها تواجه قيوداً على تدخلها المباشر، ولا يمكنها إجبار السلطات على احترام وضع اللاجئ، ما يجعل التوثيق وحده غير كافٍ لمنع الترحيل القسري.
وبحسب إفادة خبير القانون الدولي والمتخصص في حقوق الإنسان، إسماعيل التاج، فإن إعادة اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين قسراً من مصر إلى السودان، في ظل الحرب المستمرة منذ 15 أبريل/نيسان 2023، تمثل انتهاكاً مباشراً لمبدأ عدم الإعادة القسرية (Non-refoulement) المنصوص عليه في المادة (33) من اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، ويُعد هذا المبدأ من القواعد الأساسية في القانون الدولي، ويحظر على الدول إعادة أي شخص إلى إقليم أو دولة قد يتعرض فيها لخطر حقيقي يهدد حياته أو حريته أو سلامته الجسدية.
ويشير التاج إلى أن أسباب الاضطهاد القائمة في السودان، بما في ذلك الاستهداف على أساس العرق أو الانتماء الاجتماعي أو الرأي السياسي، تقع في صميم الأسباب التي تحميها اتفاقية اللاجئين، كما أن التقارير الحقوقية توثق حالات قتل خارج نطاق القانون، وملاحقات أمنية وقضائية تمييزية بحق فئات اجتماعية ومجموعات مناهضة للحرب، وذلك يعكس بيئة عامة من انعدام الأمن واستمرار الاضطهاد.
ويضيف التاج، بالنظر إلى أن مصر دولة طرف في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وبروتوكولها لعام 1967، إضافة إلى اتفاقية منظمة الوحدة الإفريقية لعام 1969، فإنها تظل ملزمة قانوناً بحماية اللاجئين وطالبي اللجوء الموجودين على أراضيها، وعدم اتخاذ أي إجراءات أحادية تُفضي إلى إعادتهم قسراً قبل توافر شروط العودة الآمنة والطوعية.

تحذير أممي موثّق: عندما يصبح القلق الدولي أرقاماً
لا تقتصر الوقائع التي يوثقها هذا التحقيق على شهادات فردية أو تقارير محلية، فالشهادات تتقاطع مع تحذيرات رسمية صادرة عن منظومة الأمم المتحدة نفسها.
في يناير 2026، وجّه أربعة من خبراء مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة مذكرة رسمية إلى الحكومة المصرية، عبّروا فيها عن «قلق بالغ» إزاء التصاعد الواسع في أنماط الاعتقال التعسفي والترحيل القسري للاجئين وطالبي اللجوء، لا سيما الفارين من النزاع المسلح في السودان.
واستندت المذكرة إلى تقرير مشترك قدمته المبادرة المصرية للحقوق الشخصية ومنصة اللاجئين في مصر، تضمّن التقرير إحصائيات صادمة، من بينها ارتفاع حالات اعتقال اللاجئين المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بنسبة 121% بين عامي 2024 و2025، مع تقديرات بترحيل ما بين 10 آلاف و22 ألف سوداني قسراً خلال عام 2024 وحده.
كما وثّقت المذكرة أنماطاً ممنهجة من التوقيف العشوائي القائم على التمييز العرقي، ومصادرة أوراق التسجيل الصادرة عن المفوضية لتسهيل الترحيل، محذّرة من أن هذه الممارسات تشكّل «انتهاكاً مباشراً وخطيراً لمبدأ عدم الإعادة القسرية».

اللافت في الأمر، أن نشر المذكرة جاء بعد انقضاء مهلة الستين يوماً الممنوحة للحكومة المصرية للرد دون إعلان أي إجراءات تصحيحية، ما يعزّز، وفق خبراء وحقوقيين، فرضية أن ما يجري ليس تجاوزات فردية، وإنما سياسة تُدار من منظور أمني صرف، تتجاهل السياق الإنساني للحرب في السودان، وتُعرّض الأطفال والنساء وطالبي الحماية الدولية لمخاطر جسيمة، رغم الالتزامات القانونية الدولية الملزمة لمصر.

«عودة طوعية» أم عملية أمنية؟
تصوّر السلطات المصرية رحلات نقل السودانيين على أنها «طوعية»، مركّزة على الأرقام والتنظيم اللوجستي، إلا أن شرط الرضا الحر والمستنير، -وهو أساس أي عودة طوعية وفق القانون الدولي- غائب تماماً، فالقرار غالباً يُتخذ تحت الاحتجاز أو التهديد، ولا توجد بدائل قانونية حقيقية، كما يُحرم اللاجئون من أي معلومات حول المخاطر المحتملة في بلد العودة.
كما يتم تجاهل صفة اللاجئ وتحويله إلى «مواطن سوداني»، ما يسمح بتجاوز نظام الحماية الدولي،
التركيز على الأرقام والتنظيم اللوجستي، مقابل تغييب الضمانات القانونية والإنسانية، يحوّل «العودة الطوعية» إلى إجراء إداري يُقاس بعدد الرحلات لا بسلامة الأفراد.
وفي هذا السياق يرى الخبير القانوني، إسماعيل التاج، أن ما يجري من إعادة قسرية للاجئين السودانيين من مصر لا يمكن فهمه في إطاره القانوني فقط، بل يجب قراءته في سياق توظيف سياسي لملف إنساني شديد الحساسية، فبحسب تحليله، تُستخدم عودة اللاجئين قسراً كأداة لدعم سردية سياسية تمثل الجانب الذي يسعى إلى إظهار أن الأوضاع في السودان تتجه نحو الاستقرار و«عودة الحياة إلى طبيعتها»، وذلك برغم استمرار الحرب وانعدام شروط الأمن والعودة الآمنة.
ويشير التاج إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الدعم السياسي الذي تقدمه القاهرة إلى بورتسودان، حيث تُقدَّم الإعادة القسرية على أنها عودة أو «عودة طوعية»، بما يخدم مصالح سياسية متبادلة بين الطرفين، على حساب حقوق وحماية آلاف اللاجئين السودانيين، ووفق هذا المنطق، تتحول معاناة اللاجئين إلى ورقة ضغط وتكامل سياسي، بدلاً من التعامل معها كقضية حماية إنسانية تخضع للقانون الدولي.
ويخلص التاج إلى أن هذا النمط من التعاطي يعكس مأزقاً أخلاقياً وسياسياً مزدوجاً، فهو من جهة يكرّس هشاشة أوضاع اللاجئين ويعرّضهم لمخاطر حقيقية عند إعادتهم، ومن جهة أخرى يكشف استعداد أطراف إقليمية لتجاوز الاعتبارات الإنسانية والقانونية متى ما تعارضت مع حسابات النفوذ والتحالفات السياسية.
وفي سياق ردود الفعل المجتمعية، وجهت الجالية السودانية في مصر رسالة إلى السلطات المصرية في ٢٠ يناير الحالي، أكدت فيها احترامها الكامل لسيادة الدولة المصرية وحقها في ترحيل أي شخص يثبت تورطه في مخالفات قانونية أو يشكّل تهديداً للأمن العام، مع التشديد في الوقت ذاته على أن حاملي بطاقات التسجيل الصادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سلكوا المسار القانوني، ويقعون بالتالي تحت مظلة الحماية القانونية للدولة المصرية.
وحذّرت الجالية من التداعيات الإنسانية لترحيل رب الأسرة، وما يترتب عليه من تشريد النساء والأطفال وتركهم دون سند أو مأوى، داعيةً السلطات المصرية إلى توضيح رسمي يضع حداً لحالة القلق المتصاعدة.
كما وجّهت الجالية عتاباً إلى السفارة السودانية بالقاهرة، مطالبةً إياها بلعب دور أكثر فاعلية في توضيح الموقف وحماية رعاياها ودرء حالة الذعر والشائعات.

العودة «الطوعية» بالأرقام
منذ انطلاق برنامج “العودة الطوعية” للاجئين والمقيمين السودانيين في مصر في يوليو 2025، شاركت الهيئة القومية لسكك حديد مصر ووسائل إعلام محلية ومصادر حكومية في رصد تسيير سلسلة من القطارات المخصّصة لهذا الغرض.

فقد أُطلقت أولى الرحلات من محطة القاهرة (رمسيس) في 21 يوليو 2025، حيث غادر نحو 800 سوداني في رحلة إلى أسوان تمهيداً لعبورهم إلى السودان، في مبادرة وصفتها الجهات الرسمية بأنها تسهّل العودة الطوعية للراغبين في العودة إلى ديارهم.
وتواصلت هذه الجهود على مدار الأشهر التالية، مع تشغيل القطار الثالث في 3 أغسطس 2025، والقطار السادس في 20 أغسطس 2025، وقطارات لاحقة في شهور سبتمبر وأكتوبر، بما في ذلك الرحلة الـ18 في 20 سبتمبر التي وصلت أعداد المسافرين إلى نحو 17,013 راكباً، والرحلة الـ22 في 3 أكتوبر التي رفعت العدد الإجمالي ما يقرب من 20,944 راكب.
بحلول 7 أكتوبر 2025، أعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر أن إجمالي السودانيين الذين تم نقلهم عبر برنامج العودة الطوعية وصل إلى حوالي 22,824 راكباً، وفي 29 أكتوبر وصلت الرحلة رقم 29 ضمن المبادرة. وفي 20 ديسمبر 2025 و31 ديسمبر 2025 أُسدل الستار مؤقتاً على الرحلتين الـ40 والـ44 ضمن البرنامج، بنقل ما يزيد على 42,944 سوداني عبر شبكة السكك الحديدية المصرية نحو أسوان تمهيداً لعودتهم إلى السودان.
هذه الأرقام الرسمية، التي تُنسب إلى الهيئة القومية لسكك حديد مصر والجهات الإعلامية الحكومية، تقدم مؤشراً على حجم المشاركة والجهد المؤسسي في تيسير ما يُوصف بـ«العودة الطوعية»، في وقت تستمر فيه التساؤلات الحقوقية حول مدى تطابق الممارسة مع معايير الطوعية والضمانات القانونية الدولية.

حملة حقوقية: في مواجهة الإعادة القسرية
وفي هذا السياق، أطلقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات (منظمة غير حكومية) حملة «لا للترحيل القسري» في ١٤ يناير ٢٠٢٥، استجابةً للتصاعد المقلق في وقائع إعادة اللاجئين وطالبي اللجوء السودانيين من مصر، في تجاهل واضح لاستمرار النزاع المسلح والانتهاكات الجسيمة في السودان.
وتهدف الحملة إلى توثيق هذه الانتهاكات، ورفع الوعي القانوني والحقوقي بمبدأ عدم الإعادة القسرية بوصفه حجر الزاوية في حماية اللاجئين، والضغط من أجل وقف كافة أشكال الترحيل القسري أو ما يُسمّى بالعودة الطوعية غير المستندة إلى ضمانات حقيقية.
كما تسعى الحملة إلى حشد التضامن المحلي والدولي لمساءلة السلطات المعنية، والدفع نحو سياسات هجرة تحترم التزامات مصر الدولية والدستورية، وتكفل الحماية القانونية للاجئين، لا سيما الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، بما يمنع تعريضهم لمخاطر تهدد حياتهم وسلامتهم.
وتؤكد المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن التزام الدول بحماية اللاجئين لا يُقاس بالتصريحات الرسمية، وإنما بمدى احترام سيادة القانون، وتطبيق الضمانات القانونية، ومنع تعريض الأفراد لخطر الإعادة إلى أوضاع تهدد حياتهم أو سلامتهم.
وتُشدد على ضرورة التزام السلطات المصرية التزاماً كاملاً بتعهداتها الدولية والدستورية، وضمان ألا تتحول سياسات الهجرة أو التدابير الأمنية إلى أدوات لانتهاك الحقوق الأساسية لمن يلتمسون الحماية.
تواصلنا عبر تطبيق واتساب، باستخدام بيانات الاتصال المنشورة على الموقع الإلكتروني للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، للاستفسار حول حملة «لا للترحيل القسري» التي أطلقتها المفوضية، وطلبنا إجراء مقابلة موجزة مع أحد المسؤولين لتوضيح أهداف الحملة والوقائع التي تستند إليها. وحتى وقت نشر هذا التقرير، لم نتلقَّ أي رد.
وفي سياق السعي للحصول على موقف رسمي، تواصل فريق التحقيق مع السفير السوداني بالقاهرة، عماد عدوي، بطلب تعليق حول ما يُثار بشأن أوضاع اللاجئين السودانيين في مصر، ودور السفارة في متابعة ملف «العودة الطوعية» وحماية حقوق المواطنين. غير أنّه، وحتى لحظة إعداد هذا التقرير للنشر، لم نتلقَّ أي رد أو إفادة رسمية من السفارة السودانية بالقاهرة.

تضيق المساحات، بين التحليل والموقف الرسمي
في قراءة تحليلية لملف السودانيين في مصر، كشفت الباحثة المصرية د. أماني الطويل المختصة في الشأن السوداني، عن وجود طلب غير معلن من الحكومة السودانية إلى القاهرة لتضييق المساحات المتاحة للسودانيين.
محذّرة من أن أطرافاً ولجاناً إلكترونية من جهات ثالثة تعمل على تضخيم الأداء الأمني المصري، حتى في الحالات ذات الدوافع القانونية.
وفي الوقت ذاته، أكدت الطويل أن الحديث عن “عودة آمنة” يفتقر إلى الواقعية في ظل غياب الحد الأدنى من الأمن الإنساني في السودان، لا سيما في الخرطوم.
واعتبرت الطويل أن كلفة أي استجابة للتضييق على السودانيين ستنعكس سلباً على مصر نفسها، بما يهدد رصيداً تاريخياً من العلاقات بين البلدين، في لحظة تصفها بأنها “النصف الميل الأخير” من استضافة السودانيين.
كما طالبت بإشراف دقيق من وزارة الداخلية المصرية على أقسام الشرطة في مناطق الكثافة السودانية، وتوضيح أسباب التوقيف لمنع تضليل الرأي العام وتحويل الإجراءات الأمنية إلى حالة احتقان أو ظلم جماعي.
لكن السفير السوداني بالقاهرة، عماد عدوي، نفى في مؤتمر صحفي عقد بالقاهرة في 30 يناير 2026، صحة ما يُتداول عن وجود طلب من الحكومة السودانية لتضييق المساحات المتاحة للسودانيين في مصر، واصفاً هذه المزاعم بأنها “أوهام”.
وقلل السفير عدوي من الأرقام المتداولة في الوسائط، ودعا الصحفيين للتحقق من تلك الأرقام ومن يقوم بنشرها، مشيراً إلى أن الهدف هو الإساءة للعلاقات السودانية المصرية.
مؤكداً على أن الإجراءات الأمنية المتخذة في مصر لا تستهدف السودانيين بشكل خاص، وإنما تشمل جميع الأجانب، موضحاً أن عدد السودانيين في مصر يُقدّر بنحو ستة ملايين شخص.
كما أوضح السفير السوداني أن دور السفارة في ملف «العودة الطوعية» يقتصر على تنسيق مبادرات السودانيين الراغبين في العودة، بالاضافة لاستخراج وثائق السفر للمرحلين الذي لا يملكون وثائق، نافياً أي دور للحكومة في دفع السودانيين للعودة.
وأشار إلى أن عدد الذين تم استخراج وثائق سفر لهم خلال العام 2025، بلغ 1765 شخص، مضيفاً، أن عدد الذين تم ترحيلهم خلال نفس العام بلغ عددهم 2974 سوداني.

وعقد السفير عدوي مقارنة بين عدد الوثائق المستخرجة في يناير 2025 والبالغ عددها 318 وثيقة سفر، بينما بلغ عددها في يناير للعام الحالي 128 وثيقة، بينما كان عددها 111 وثيقة سفر في ديسمبر الماضي.

وأضاف أن المرحلين في ديسمبر الماضي بلغ عددهم 207، بينما كان العدد 371 في يناير للعام الحالي، مشيراً إلى أن تلك الأرقام قليلة مقارنة بالوجود الكبير للسودانيين في مصر.

وأعلن أن السفارة نسّقت مع الجانب المصري لإطلاق سراح عدد من السودانيين المحتجزين عبر سداد الغرامات المترتبة عليهم وإعادتهم إلى السودان، موضحاً أن عدد السجناء السودانيين في مصر لا يتجاوز 400 شخص.

ما بعد القطار: غياب المسؤولية والمساءلة

التحقيق يكشف منظومة كاملة خارج الرقابة القضائية، حيث لا حدود بين «العودة الطوعية» و«الإعادة القسرية». غياب الشفافية، التجاهل القانوني، وحرمان الأفراد من حق الطعن كلها مؤشرات على سياسة تُمارس بعيداً عن المحاسبة.

المجتمع الدولي صامت، رغم التقارير الأممية عن الانتهاكات في السودان، ما يمنح هذه السياسات غطاءً سياسياً غير معلن.

في ظل حرب مستمرة، وغياب نظام حماية دولي فعال، يبقى اللاجئون السودانيون عالقين بين حدود لا تحميهم وقطارات لا تعيدهم إلى الأمان، فكم قطاراً آخر يحتاجه العالم قبل أن يعترف بأن ما يجري ليس عودة طوعية، بل إعادة قسرية إلى الخطر؟

في ختام هذا التحقيق، لم تعد القضية مسألة توصيف إداري أو جدل قانوني تقني، فقد أضحت اختباراً أخلاقياً وسياسياً صريحاً، فكيف يمكن لدولة طرف في اتفاقيات حماية اللاجئين، وتقرّ علناً بخطورة الحرب في السودان، أن تُعيد الفارّين من هذه الحرب إلى الخطر نفسه تحت مسمى «العودة الطوعية»؟

وما بين قطارات تنطلق دون رضا حر ومستنير، وحدود تُغلق بلا ضمانات حماية، وصمت دولي يتسع رغم التحذيرات الأممية، يجد اللاجئون السودانيون أنفسهم عالقين بين نظام حماية عاجز عن فرض التزاماته، وسلطة تتعامل مع اللجوء بوصفه ملفاً أمنياً لا قضية إنسانية.

ومع كل رحلة تتجه جنوباً، تتآكل الحدود الفاصلة بين «الطوعية» و«الإكراه»، وتبقى المسؤولية معلّقة بلا مساءلة. فكم لاجئاً آخر يجب أن يُعاد إلى الحرب، وكم طفلاً آخر يجب أن يفقد حقه في الأمان، قبل أن يُطرح السؤال الذي لا يمكن تأجيله: من سيُحاسَب على الإعادة القسرية إلى خطر الحرب؟
ينشر منتدى الإعلام السوداني والمؤسسات الأعضاء فيه هذه المادة من إعداد (سودان تربيون)، لتعكس الواقع المزري للاجئين السودانيين في جمهورية مصر العربية. تشير المادة إلى التلاعب بالحقوق الأساسية لأعداد مهولة من السودانيين الذين تسعى السلطات المصرية إلى ترحيلهم قسرا إلى السودان بمزاعم (العودة الطوعية)، وتحت هذه المزاعم يحرم اللاجئي السودان من أي حقوق قانونية أو إنسانية، بما في ذلك حرمانه من الاتصال بذويه أثناء توقيفه من قبل السلطات المصرية. هذه الإجراءات خلفت مصيرا مجهولا ومعاناة كبيرة يعيشها الأطفال والأسر بين مصر والسودان.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

معلمو السودان ضحايا الحرب والفقر

منتدى الإعلام السوداني: الخرطوم، 17  يناير 2026 (مداميك، شبكة إعلاميات)-  كشفت لجنة المعلمين السودانيين عن …