اللية غاب تومي

“الليلة غاب تومي”
نزار عثمان السمندل

رحل عبدالقادر سالم، وبقي صوته واقفاً على تخوم الذاكرة السودانية، مثل شجرة سدر تعرف طريقها إلى العطش والندى معاً. غاب الجسد بعد تسعة وسبعين عاماً من المكابدة الجميلة، وبقي الأثر يلمع في المسافة بين الإيقاع والإنسان، بين التراث حين يُستعاد، والحداثة حين تُروَّض على مهل.

كان صاحب «المريود» أكثر من مطرب يُجيد الإصغاء إلى الجمهور. مشروعه الفني حمل كردفان إلى الخرطوم، وحمل السودان إلى العالم، من دون أن يبدّد نبرته الأولى أو يفرّط في رائحة المكان.
في صوته شيء من الرمل وشيء من المطر، وفي اختياره للإيقاع وعي العارف بأن الموسيقى ذاكرة جماعية، وأن «المردوم» ليس مجرد رقصة، بل طقس شجاعة وكرم وفخر، يروي سيرة الأرض على قدمين.
عبدالقادر سالم حلّق بالأغنية الكردفانية في سماء التطريب والإبداع لما يقارب نصف قرن، مستلهماً من الطبيعة ومن طقوس كردفان، ومن تضاريسها المدهشة، ومحوّلاً كل لحظة موسيقية إلى لوحة تعبيرية تدمج بين الأرض والهوية. في أغانيه ينبعث صدى الناس وحياتهم اليومية:
“أسير غزال فوق القويز/ كلام غزل معسول لذيذ/ دمعات عتاب من زول عزيز/ سالت بحر سقّت القلب في كردفان”
منذ سبعينيات القرن الماضي، أخذ سالم موقعه في الصف الأول للأغنية السودانية، بصبر الباحث وشغف العاشق. غنّى ولحّن، وفتّش في المخزون الشعبي، فحوّل ما كان مهدداً بالنسيان إلى مادة حية، قابلة للحياة في الحاضر، وقادرة على العبور إلى الغد. اشتغل على التراث بوصفه كائناً حيّاً يحتاج إلى رعاية وفهم، لا إلى تحنيط أو استعراض.
المسيرة لم تُبنَ على الأداء وحده. عقل أكاديمي كان يحفر بالتوازي مع الحنجرة، فأخرج دراسات وندوات وأوراقاً علمية أضاءت مناطق ظلت بعيدة عن الضوء. من الدلنج (عروس الجبال) في جنوب كردفان، حيث وُلد عام 1946، إلى المعهد العالي للموسيقى والمسرح، ثم إلى قاعات البحث الجامعي، ظل أميناً لفكرة واحدة: الموسيقى معرفة، والمعرفة مسؤولية.
أعماله شكّلت أرشيفاً للوجدان الشعبي، وتحولت الأغنية لديه إلى مساحة بصرية ووجدانية:
“قدريشنا حلاتة قدريشنا/ في دلالا فينا بتمنى/ مالو بخاف الريد ../ وريدو والله كاتلنا”
“دى اللورى حل بي/ دلانى انا فى الودي/ حبيبي سيد الناس/ يبقى لي وناس”
وتمكن من إعادة إحياء الأغنيات الشعبية، وإدماج ألحان المردوم القديمة، مثل لحن بادية الحوازمة الذي أُعيد توظيفه في أغنية “الليلة غاب تومي” مع الشاعر عبد الله الكاظم، فتواصل الماضي مع الحاضر، وفتح مساحة حوار بين التقليدي والمعاصر:
“الليلة غاب تومي خلوني ياخلايق/ بعد نجوم الليل نار الغرام ضايق/ صبراً بجيب الخير لناره ماطايق/ حبل الصبر ممدود بالخير بجيب سايق”
تجارب مثل «ملوك المردوم يعزفون أغاني الحب» و«بلوز الخرطوم» كشفت شجاعة التجريب، من دون التفريط في الجذور. هناك التقت ضفة كردفان بإيقاعات العالم، فخرج صوت يعرف كيف يتحاور مع الآخر من موقع الندّية، لا من موقع التنازل.
الجوائز التي نالها، من وسام العلوم والآداب الفضي إلى جائزة الدولة التشجيعية، كانت إشارات تقدير، لا غاية الرحلة. القيمة الحقيقية تجلّت في تأثيره على أجيال جديدة رأت فيه نموذج الالتزام الفني والصدق الإنساني، وفي حضوره الدولي الذي مثّل السودان بكرامة الفن، لا بضجيج الشعارات.
برحيله، تخسر الموسيقى السودانية ركناً أساسياً، ويخسر التراث حارساً نبيلاً. غير أن صوته الذي عرف طريقه إلى القلب، يقيم فيه طويلاً.
مضى عبدالقادر سالم، لكن «المردوم» لا يزال ينبض بإيقاع الأرض، و«المريود» يمشي بين القلوب، والسودان ما زال يغنّي، وأغانيه ما زالت تروي الأرض، وتعيد سرد حكاية الإنسان مع وطنه، بكل شجاعة وكرم وفخر.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

أين صفوت؟ إن شاء الله المانع خير

نزار عثمان السمندل بحري تعرف أبناءها كما تعرف مجرى النيل. تحفظ أصواتهم في ذاكرة الماء، …