لا تواجه إنجامينا تهديداً أمنياً خارجياً قابلاً للاحتواء بقرارات تقنية بل تحدياً وجودياً يمس تماسك نسيجها الاجتماعي ووحدة قرارها السياسي وسلامة مؤسساتها الأمنية
أماني الطويل كاتبة وباحثة
ملخص
إن المشهد الراهن في منطقة الحدود التشادية – السودانية – الليبية يشير إلى أن تشاد لا تواجه تهديداً أمنياً خارجياً قابلاً للاحتواء بقرارات تقنية، بل تواجه تحدياً وجودياً يمس تماسك نسيجها الاجتماعي، ووحدة قرارها السياسي، وسلامة مؤسساتها الأمنية. إن فخ حرب السودان هو في جوهره تعبير عن مأزق حقيقي لتشاد التي لا تستطيع وقف تدفق اللاجئين، لأنها لا تستطيع تجاهل روابطها القبلية مع دارفور، لأن ذلك يفجر توترات داخلية، ولا تستطيع خوض حرب مع أي طرف سوداني، وهي تدير في الوقت ذاته مواجهة مع بوكو حرام في غرب البلاد.
ثمة قاعدة راسخة في علم الصراعات المعاصرة تقول إن الحروب الأهلية نادراً ما تموت داخل حدودها. إنها تصدر الفوضى كما تصدر النفط بصمت، عبر أنابيب غير مرئية، حتى تفاجئ الجوار بالحريق وهو ينبثق من تحت الأقدام. وهذا تحديداً ما يحدث على الحدود التشادية – السودانية اليوم.
لقد أدت تشاد دوراً مزدوجاً متناقضاً منذ بدء الحرب السودانية، حيث كانت ملاذاً إنسانياً لأكثر من مليون ونصف مليون لاجئ سوداني، وفي الوقت ذاته ممر يسلكه الوقود والسلاح والمقاتلون، والمعادلة هنا كلما زادت الحرب السودانية ضراوة في دارفور ضاق الهامش التشادي للحياد، وارتفع ثمن الصمت الجيوسياسي الذي تدفعه نجامينا.
منذ الأيام الأولى للحرب السودانية، حرص الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي على تأسيس موقف رسمي يقوم على الحياد المعلن وعدم التدخل المباشر. وقد أملت هذا الموقف جملة من الحسابات الدقيقة: الروابط التاريخية مع الجيش السوداني من جهة، وشبكة العلاقات القبلية التي تربط القيادة التشادية بمجتمعات الزغاوة الممتدة عبر الحدود من جهة أخرى، فضلاً عن الاعتبارات الاقتصادية المتعلقة بعلاقات التجارة والترانزيت.
في عهد ديبي الابن تجاوزت الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، في منطقة الطينة الحدودية، حيث سقط خمسة جنود تشاديين وثلاثة مدنيين في الأسبوع الثالث من فبراير (شباط) الماضي. وكانت الحادثة إعلاناً ضمنياً بأن آليات التهدئة غير الرسمية بين نجامينا وأطراف الصراع السوداني باتت متهالكة.
وقد سبقت هذه الحادثة سلسلة من الاستفزازات المتصاعدة: استخدام طائرات مسيرة لاستهداف مواقع تشادية في أواخر 2024، وإن ظلت المسؤولية موضع جدل، ثم وقوع ضربة بطائرة مسيرة في ديسمبر (كانون الثاني) 2025 أودت بجـنديين تشاديين.
في منطقة وادي فيرا. وقد ردت نجامينا بإغلاق حدودها الشرقية إغلاقاً رسمياً أعلنته وزارة الخارجية، مستندة إلى الحق في الدفاع عن النفس وفق المادة الـ51 من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يشير إلى أن الإطار القانوني للرد العسكري لم يعد مجرد تلويح دبلوماسي.
والأشد خطورة من الحادثة ذاتها هو ما تكشف عنه من تحول في طبيعة الانتهاكات: من رصاص طائش يعكس تداخل ميادين المعارك، إلى إسقاط متعمد للقوة داخل أراض ذات سيادة، وهو تمييز يحمل تداعيات بالغة في القانون الدولي وفي حسابات التصعيد الإقليمي.
أما أنماط الاقتصاد الحدودي بين تشاد والسودان عن منظومة بالغة التعقيد، لا تقتصر على تهريب البضائع التقليدي، بل تمتد لتشمل ما يمكن تسميته “اقتصاد حق المرور”، الشريان الأساسي فيه ليس ما ينقل، بل حق نقله، والثمن المدفوع ليس ضريبة جمركية، وتديره شبكة منظمة تدار بواسطة شبكات هجينة من الوسطاء المسلحين والمجتمعات القبلية والقوات الإقليمية.
تشمل هذه الشبكات ثلاثة مستويات متداخلة: في المستوى الأول، وسطاء مسلحون مستقلون يديرون نقاط التفتيش ويحصلون رسوم العبور، وفي المستوى الثاني، عناصر عسكرية إقليمية مرتبطة بأطراف الصراع السوداني، تحولت إلى “رواد أعمال أمنيين” يقدمون خدمات حماية القوافل بأسعار السوق، وفي المستوى الثالث، نخب قبلية وسياسية تجد نفسها في موقف التوازن المؤلم بين إغراءات المكسب المالي المرتبط باقتصاد الحرب ومتطلبات الولاء القبلي والسياسي.
في ما يخص تجارة الوقود، أُعيد تأهيل قاعدة “معطن السارة” جنوب غربي ليبيا عام 2024 لتصبح مركزاً لوجيستياً رئيساً لتخزين الوقود والسلاح المتجه نحو دارفور. وبحلول منتصف 2024، استهدف الجيش السوداني تلك السلاسل اللوجيستية بكمائن في مناطق بئر مزة وكلبس وسياه. وفي المقابل، استجابت شبكات الإمداد لقوات “الدعم السريع” بتوزيع نقاط العبور وتفكيكها، في نمط يكشف عن قدرة على التكيف تحت الضغط العسكري.
وربما لا يمكن فهم اقتصاد الحرب السودانية من دون الإمساك بخيط الذهب، الذي يشد خيوطها المتشابكة، حيث تشير التقديرات إلى أن نحو 10 أطنان من الذهب تستخرج سنوياً من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات “الدعم السريع”، بقيمة متصاعدة تقترب من المليار دولار تؤكد أن هذه القوة العسكرية تشكل إمبراطورية اقتصادية بامتداد الحدود.
وتقع مناطق التعدين الكبرى في شمال دارفور، لا سيما منطقة جبل عامر وهاشابة والمثلث الحدودي الليبي، السوداني – المصري في مركز الثقل الاستراتيجي لهذه الحرب. ومن اللافت أن حاشابة تقع تقليدياً على الأرض القبلية للزغاوة، مما يضفي على الاقتصاد الذهبي طابعاً قبلياً يغذي التوترات الاجتماعية الأعمق. وتسعى مسارات تهريب الذهب إلى الوصول عبر المطارات الموقتة التي أنشأتها قوات “الدعم السريع” على امتداد مناطق سيطرتها، وهي مطارات صُممت للطيران الخفيف وتقع قرب مواقع التعدين، وتؤدي وظيفة مزدوجة: شحن الذهب إلى الخارج وجلب السلاح من الداخل.
ثمة قنبلة داخلية موقوتة تختزنها البنية الاجتماعية – السياسية التشادية ذلك أن معظم نخبة الحكم في نجامينا تنتمي إلى قبيلة الزغاوة، وهي في الوقت ذاته القبيلة التي يعاني أبناؤها في الجانب السوداني من دارفور من وطأة اعتداءات قوات “الدعم السريع” واتهامات الاستهداف العرقي الممنهج.
وطبقاً لتقارير دولية فإن الوضع الأمني في شرق تشاد يكشف أن بعض الوحدات العسكرية باتت تمارس نشاطاً موازياً يشبه اقتصاد الحماية في مناطق الصراع، إذ تؤدي خدمات تأمين القوافل وجباية رسوم العبور مقابل عائد مادي مباشر. وهذا التحول في وظيفة الجهاز العسكري، من حام للحدود إلى شريك في اقتصادها السري، يمثل أحد أخطر مؤشرات تفكك سلطة الدولة المركزية على أطرافها.
وتتعاظم صعوبة المشهد، حين ندرك أن إغلاق الحدود الرسمي، الذي أقدمت عليه نجامينا، لا يلغي الواقع الميداني بل يعيد تشكيله فقط، إذ يرفع ثمن التهريب فيزيد من عائد شبكاته، ويعمق استقلاليتها عن القرار المركزي، فيخلق ثغرة يصعب إلغاؤها بالقرارات السياسية فقط.
وقد خلف غلق الحدود الرسمي تداعيات إنسانية واقتصادية فادحة على السكان المحليين في المناطق الحدودية الشرقية. ذلك أن أسعار المواد الغذائية الأساسية والوقود في بعض هذه المناطق ارتفعت بنسب تتراوح بين 70 في المئة و300 في المئة، في حين نشأت سوق موازية يُتداول فيها ما نُهب من السودان: مركبات ووقود وذخائر. وهذا التوليف بين الأزمة الإنسانية وتمدد الاقتصاد الموازي يُشكل أرضاً خصبة للتجنيد المسلح والعنف.
لا يمكن قراءة الأزمة التشادية – السودانية بمعزل عن المشهد الليبي المتشعب. فليبيا بالتحديد منطقتها الجنوبية الواسعة الشاسعة والخارجة عن السيطرة المركزية باتت ترتكز في قلب منظومة الإمداد العسكري. والتقاطع الليبي – السوداني ليس حديثاً، لكنه أُعيد إنتاجه وتعميقه في سياق الحرب الراهنة، فما كان أحياناً تعاوناً قبلياً ومصلحياً هشاً أصبح اليوم شراكة عملياتية راسخة تدار بدقة اقتصادية وعسكرية.
هذه الديناميكيات مجتمعة تشكل حزاماً من عدم الاستقرار المترابط يمتد من مالي غرباً إلى البحر الأحمر شرقاً مروراً ببوركينا فاسو والنيجر وتشاد والسودان. في هذه الخريطة يصبح انزلاق تشاد إلى دوامة الصراع بمثابة إقفال الفراغ الوحيد المتبقي الذي يمنع اندماج صراعات الساحل مع حريق دارفور ومقتضيات الجغرافيا السودانية المتصدعة.
في هذا السياق فإن أمام تشاد ثلاثة خيارات استراتيجية: الخيار الأول هو الانخراط الحذر بالتفاوض مع أطراف الصراع السوداني على ترتيبات تنظم الحدود وتضمن مصالح تشاد، مقابل تقديم قدر من التسهيلات اللوجيستية تحت غطاء التجارة المشروعة. غير أن هذا المسار يعرض نجامينا لاتهامات التواطؤ ويعمق نفوذ الشبكات غير الرسمية في منظومتها الأمنية.
أما الخيار الثاني، فهو التصعيد الرادع بتوظيف الأُطر القانونية الدولية والمادة الـ51 لشرعنة الرد العسكري على الانتهاكات الحدودية. لكن هذا المسار ينطوي على أخطار الانزلاق نحو مواجهة لا تريدها ولا تملك الموارد للخروج منها بأقل خسارة.
والخيار الثالث هو طلب تدويل الأزمة بتحويل الملف إلى مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي وطلب تدخل دولي ينزع فتيل الفوضى الحدودية. وهو مسار واعد نظرياً لكنه يتعثر أمام التناقضات الكبرى بين القوى الدولية التي تمسك بمقاليد الملف السوداني.
وهكذا، فإن المشهد الراهن في منطقة الحدود التشادية – السودانية – الليبية يشير إلى أن تشاد لا تواجه تهديداً أمنياً خارجياً قابلاً للاحتواء بقرارات تقنية، بل تواجه تحدياً وجودياً يمس تماسك نسيجها الاجتماعي، ووحدة قرارها السياسي، وسلامة مؤسساتها الأمنية. إن فخ حرب السودان هو في جوهره تعبير عن مأزق حقيقي لتشاد التي لا تستطيع وقف تدفق اللاجئين، لأنها لا تستطيع تجاهل روابطها القبلية مع دارفور، لأن ذلك يفجر توترات داخلية، ولا تستطيع خوض حرب مع أي طرف سوداني، وهي تدير في الوقت ذاته مواجهة مع بوكو حرام في غرب البلاد.
المخرج من هذه الورطة لا يمكن أن يكون تشادياً خالصاً. فالأزمة بلغت من التشابك الإقليمي والدولي مستوى يجعل معالجتها مشروطة بإرادة إفريقية جماعية لم تتشكل بعد. والأسئلة الجوهرية التي تطرح اليوم ليست عن نجامينا وحدها، بل عن المنظومة الإقليمية الأفريقية في مجملها: هل تملك الأُطر المؤسسية القائمة القدرة على منع اندماج الصراعات وإنقاذ الدول العازلة بين السودان وغرب أفريقيا قبل أن تصبح هي ذاتها وقوداً للحريق؟
الجواب عن هذا السؤال ليس محدوداً بمستقبل تشاد وحدها، بل يحدد مسار منطقة شاسعة تسكنها مئات الملايين من البشر، ويقرر ما إذا كانت أفريقيا في مطلع عقدها الثالث من الألفية الثالثة قادرة على إنتاج استقرارها الذاتي، أم إنها تسير نحو عقود من الفوضى المدولة.
نقلا عن اندبندنت عربية
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم