بسم الله الرحمن الرحيم
المؤتمر السوداني-السوداني: ضرورة مشاركة جميع الشعب السوداني، كل في مجالة، ورفض إرتهان حاضره ومستقبله لتقرره تكوينات سياسية مشوهة بنيويا وممارسة.
عادل الخضر أحمد بلة
أنا فردا من حوالي ٤٠ مليون مواطن سوداني. والراجح في تقديري :
وهب المولي جل وعلا السودان شعبا نبيلا وموارد دسمة. ومع ذلك فإن واقعه محزن للغاية، لماذا؟ الأسباب عديدة ولكن أهمها أن الشعب السوداني أوكل أموره لأهل السياسة وما عاد له دورا غير الإنتظار أملا في سراب. ولأن واقع أهل السياسة مشوها خلقيا وممارسة فما كان ممكنا للدولة السودانية النهوض المأمول. ما الحل؟ إستنهاض جميع الشعب لذاته، كل في مجاله داخل قطاعة، والأداء فعليا وكأن دولاب عمل الدولة سيتوقف إن هو شخصيا قصر، أيا كان هو.. الشاهد أن قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد والإحتماع والزراعة والصناعة والقوات المسلحة والإعلام والدبلوماسي والقانون (الجالس والواقف) وغيرها تشكّل معاً الأركان الأساسية لبناء الدول لضمان استقرارها وتطورها وتلبية احتياجات مواطنيها. وطبيعيا تتعاون هذه القطاعات معاً ومع قطاع السياسة الذي يدير شؤون الحكم ووضع القوانين وتنظيم العلاقات الداخلية والخارجية.. فالشعب السوداني جميعه، كل في قطاعه، يخطط وينفذ بكفاءة وشفافية وعدل وتتنافس القطاعات إيجابيا في عطائها للوطن (وهذا مفصل أكثر في المقالين ادناه).
أما واقع القطاع السياسي السوداني حاليا فبدلا عن أن يكون ركيزة أساسية لنهضة الدولة واستقرارها، هو واقعيا سبباً رئيسيا في تدهورها وتفككها بناءً على طبيعة بنيته المشوهة وممارساته. وأمثلة ذلك:
أولا: حاليا توجد أكثر من ٢٠٠ تكوين سياسي: الأحزاب القديمة تشظت لأكثر من ٢٠.. وهناك حوالي ١٠٠ تكوين سياسي (تسمي أحزابا) لا يعلم الشعب السوداني حتي أسماءها.. وهناك أكثر من ٨٠ فصيلا مسلحا لكل منها شق سياسي.
ثانيا: يتوهم أهل السياسة هؤلاء، إلا من رحم ربي، العلم والخبرة التامة في كل المجالات: صحة وتعليم واقتصاد وقوات مسلحة وقانون وغيرها حتي بات المرء يري، وفي كل القطاعات، فأين ما وجدت مشكلة هناك سياسي وراءها. إضافة إلي أنهم يظنون توهما بكمال الحكمة فيهم.
ثالثا: يتعامل أهل السياسة بالمحاصصات السياسية.. ولذلك أول ما يفعله من يجلسون علي كراسي الحكم هو إقصاء الآخرين ليثبتوا ذاتهم. وفي المقابل يضع الآخرون العراقيل في طريقهم حتي يعيقونهم ليجلسوا هم مكانهم، أيا كانت طريقة الجلوس والتغيير. والنتيجة الطبيعية هي السيولة السياسية والإقتصادية والأمنية والإجتماعية الحادثة في الواقع السياسي. ووصل الواقع حاليا للإستعانة بالخارج ضد بعضهم البعض، ضاربين عرض الحائط بسيادة الدولة وأمنها القومي وبلا حسيب.
رابعا: في الواقع هذا فمحاصصاتهم السياسية هذه هي عمليا: سمسرة سياسية وإسترزاق رخيص. ولذلك هي مصدرا رئيسيا للسيولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية الحادثة. إضافة إلي أنها مصدرا رئيسيا للظلم والفساد الإداري والمالي. وتجربة المحاصصة السياسية منذ ٢٠١٩م خير دليل علي تحويل آمال الشعب السوداني في الدولة المأمولة المدنية وحل الدعم السريع وجيش واحد إلي “نكبة” حقيقية تأذي ويتأذي منها الشعب السوداني حتي الآن. فحل الدعم السريع رغم أنه هدفا وشعارا رئيسيا للشعب في ثورته وبفضلها جلست قحت محاصصة علي كراسي الحكم فقد عملت عكسه تماما بموافقتها علي توقيع حميدتي معها علي وثيقتها الدستورية في أغسطس 2019م. ثم لضمان تنفيذه لوثيقتها الدستورية هذه كانت موافقتها ودعمها لحميدتي نائبا لرئيس مجلس السيادة ورئيسا لوفد الحكومة في مفاوضات جوبا ورئيسا للجنة الإقتصادية ود. حمدوك نائبا له. إضافة للدور الأماراتي الخارجي المدمر، وإتفاق بعضهم الإطاري، وأمثالها من قضايا يتناولها كل تكوين سياسي بما يدعم منفعته الخاصة لا علي أسس بناء الدولة المأمولة شعبيا والتي ثار الشعب لتحقيقها لا تحقيق طموحات هؤلاء المتحاصصين.
وبناء علي ذلك فالسؤال: في المؤتمر السوداني-السوداني: هل القوي السياسية السودانية بواقعها الحالي مؤهلة فعلا للتأسيس للدولة السودانية المأمولة؟ والإجابة عندي بلا أدني شك هي لا. ما هو البديل إذن؟: الراجح في تقديري:
أولا: ان يقفل الشعب السوداني الباب نهائيا أمام كل هذه التكوينات السياسية ومحاصصاتها. وأن يلزمها أولا أن تواجه ذاتها بواقعها المشوه الذي يستحيل أن تسير به الديمقراطية المأمولة. ويمكن ان يكون ذلك عبر جلوسها جميعها أولا مع بعضها للإتفاق علي: ما هو الحزب السياسي؟ وما هي الشروط الواجب توفرها في الحزب السياسي للسماح له بممارسه نشاطه السياسي؟، مثلا: الفروق الجوهرية في أسس الأحزاب، أن لا تقل عضوية الحزب عن نصف مليون مواطن، وأن تتوزع عضويته فيما لا يقل عن ثلثي ولايات السودان، وإن يكون ديمقراطيا في ذاتهم وأن يكون مصدر ميزانيته رسوم العضوية ونسبة متفق عليها تدفعها الدولة سنويا لكل الأحزاب المعتمدة وهذا حتي يضمن الشعب ولاء الأحزاب له فقط وتحاسب عليه. وتكون ممارساتها تحت إدارة السلطة القضائية ويضمن ذلك في الدستور. وبعد إتفاق القوي السياسية علي أحزاب حقيقية قليلة العدد ومتفق عليها يسمح لها بالدخول للإنتخابات التي تديرها السلطة القضائية بعد إجرائها للإحصاء السكاني لتدير السلطتين التنفيذية والتشريعية كما هو معمول به.
ثانيا: علي الشعب السودان الإعتماد علي ذاته بإعطاء الخبز لخبازه، وذلك بمشاركة جميع الشعب، كل في مجاله، كما أقترحته سابقا في مقالين بصحيفتي سودانيل والراكوبة:
مؤتمر أهل السودان ٣: لدولة مدنية ديمقراطية الحكم
وأيضا:
إعادة تعريف الجبهة الداخلية جغرافيا كأساس للتخطيط الإستراتيجي للأمن القومي.
وآخر قولي مثل ما قلت أولا، فأنا فقط فردا من حوالي ٤٠ مليون مواطن، وهذا ما أري صوابه راجيا عند الشعب السوداني أن يجد القبول كاملا أو جزئيا أو يؤتي بأمثل منه.
والله تعالي أجل وأعلم
وعلي الله..
يعدلا عليكم في الدارين
