د.صلاح احمد الحبو
اعتادت الأدبيات الاقتصادية أن تقيس ثروة الدول بما تمتلكه من موارد طبيعية، وبنية تحتية، ورأس مال مالي وبشري. غير أن التحولات التي شهدها علم الاقتصاد المؤسسي خلال العقود الأخيرة أعادت تعريف مصادر الثروة، فلم تعد قيمة الدولة تُقاس بما تملكه من أصول مادية فحسب، بل بما تمتلكه من أصول غير مادية؛ كجودة المؤسسات، وسيادة القانون، والثقة العامة، والحوكمة الرشيدة، واستقرار قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية(1).
ومن هذا المنطلق، أطرح – في حدود ما اطلعت عليه – مقاربة جديدة تقوم على تصنيف المبادئ فوق الدستورية بوصفها أصلاً غير مادي سيادياً (Sovereign Intangible Asset)، يمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدولة الحديثة. ولا أقصد بذلك مفهوماً قانونياً مجرداً، بل أصلاً مؤسسياً يولّد الثقة، ويخفض المخاطر، ويعزز القدرة على التنمية والاستقرار.
إن قيمة هذا الطرح تنبع من الانتقال بالمبادئ فوق الدستورية من حقل الفقه الدستوري إلى فضاء الاقتصاد المؤسسي، حيث تصبح هذه المبادئ قابلة للفهم بوصفها رصيداً سيادياً يراكم القيمة الوطنية بمرور الزمن، تماماً كما تراكم العلامة التجارية أو السمعة المؤسسية القيمة الاقتصادية للشركات.
لقد أثبتت تجارب التنمية أن المستثمر لا يستثمر في النصوص القانونية وحدها، بل في استقرار المؤسسات. فهو يبحث عن بيئة يمكن التنبؤ بها، وعن قضاء مستقل، وعقود محترمة، وسياسات عامة لا تتبدل جذرياً مع كل تغير سياسي. ولذلك يؤكد الاقتصادي المؤسسي الحائز على جائزة نوبل Douglass C. North أن المؤسسات هي «قواعد اللعبة» التي تشكل أداء الاقتصاد والمجتمع(2). وكلما كانت هذه القواعد أكثر استقراراً، انخفضت تكلفة المعاملات، وتراجعت المخاطر، وارتفعت كفاءة الاقتصاد.
ومن هنا، فإن المبادئ فوق الدستورية تؤدي وظيفة اقتصادية بقدر ما تؤدي وظيفة دستورية. فهي لا تنظم السلطات العامة فحسب، بل تنتج ما يمكن تسميته باليقين المؤسسي؛ وهو أحد أهم الشروط التي تقوم عليها قرارات الاستثمار والتنمية طويلة الأجل.
وفي عالم الأعمال، أصبحت الأصول غير الملموسة تمثل النسبة الأكبر من القيمة السوقية لكبرى الشركات العالمية. فالسمعة، والحوكمة، والابتكار، والعلامة التجارية، ورأس المال الفكري، أصبحت تفوق في قيمتها كثيراً قيمة المباني والمعدات. وإذا كان ذلك صحيحاً بالنسبة للشركات، فإنه يبدو أكثر أهمية بالنسبة للدول، لأن الدولة لا تبيع منتجات، وإنما تبيع الثقة في مستقبلها.
ومن هنا يمكن النظر إلى المبادئ فوق الدستورية باعتبارها العلامة المؤسسية للدولة، فهي التي تمنح المواطنين الثقة في العدالة، وتطمئن المستثمر إلى استقرار السياسات، وتؤكد للمجتمع الدولي أن الدولة تحكمها قواعد مستقرة لا أهواء سياسية متغيرة.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة في الحالة السودانية.
فالسودان لم يعانِ من ندرة الدساتير، وإنما من هشاشة الأسس التي قامت عليها. فمنذ الاستقلال تعاقبت الدساتير المؤقتة والوثائق الانتقالية، بينما ظل التوافق الوطني حول المبادئ المؤسسة للدولة غائباً أو ضعيفاً. وكانت النتيجة أن أصبح كل انتقال سياسي بداية لجدل جديد حول هوية الدولة وشكل الحكم وتقاسم السلطة، بدلاً من أن تكون هذه القضايا قد حُسمت سلفاً بإجماع وطني.
لقد كشفت الحرب الراهنة أن إعادة بناء السودان لن تبدأ بإعادة إعمار المدن وحدها، وإنما بإعادة بناء الثقة المؤسسية. فالجسور والطرق يمكن تشييدها في سنوات، أما الثقة فتحتاج إلى عقود من الالتزام بالمبادئ واحترام المؤسسات.
ومن هنا، فإن إعادة الإعمار ينبغي أن تشمل بناء أصل سيادي غير مادي لا يقل أهمية عن إعادة بناء البنية التحتية، ويتمثل في الاتفاق على مجموعة من المبادئ فوق الدستورية التي لا تصبح محلاً للتفاوض مع كل مرحلة انتقالية، ولا تتغير بتغير الحكومات أو موازين القوى.
ومن منظور الاقتصاد المؤسسي، فإن هذه المبادئ تمثل رأس مال طويل الأجل. فهي تخفض درجة عدم اليقين، وتقلل علاوة المخاطر السيادية، وتحسن التصنيف الائتماني غير المباشر للدولة، وتزيد قدرتها على جذب الاستثمار، لأنها تمنح الفاعلين الاقتصاديين الثقة في استقرار البيئة المؤسسية(3).
ولا يقتصر أثرها على الاقتصاد، بل يمتد إلى بناء السلم الاجتماعي، وتعزيز شرعية الدولة، وترسيخ حياد المؤسسات، وتحويل التنافس السياسي من صراع على الدولة إلى تنافس داخل الدولة.
إن الدساتير بطبيعتها قابلة للتعديل، أما المبادئ المؤسسة للدولة فينبغي أن تتمتع بدرجة أعلى من الثبات، لأنها تمثل الهوية المؤسسية للدولة، والإطار المرجعي الذي يحمي الدستور نفسه من تقلبات السياسة.
ولذلك فإنني أرى أن الوقت قد حان لإدخال مفهوم الأصول السيادية غير المادية إلى أدبيات بناء الدولة في السودان. فكما تقاس ثروة الدول باحتياطياتها من الذهب والنفط والموارد الطبيعية، ينبغي أن تُقاس أيضاً برصيدها من الثقة العامة، وجودة مؤسساتها، وسيادة القانون، واستقرار مبادئها المؤسسة.
وأزعم – في حدود ما اطلعت عليه من الأدبيات القانونية والاقتصادية – أن طرح المبادئ فوق الدستورية بوصفها أصلاً غير مادي سيادياً (Sovereign Intangible Asset) يمثل مقاربة جديدة تستحق البحث والنقاش. وليس الهدف إضافة مصطلح جديد إلى القاموس الأكاديمي، وإنما فتح نافذة مختلفة للنظر إلى بناء الدولة، من خلال الجمع بين الاقتصاد المؤسسي، وفقه الدستور، وإدارة المخاطر، ونظريات الحوكمة.
فالدول، كما الشركات، لا تُبنى على الأصول المادية وحدها، بل على الأصول التي لا تُرى بالعين، ولكنها تُترجم إلى ثقة، واستقرار، واستثمار، وتنمية. ولعل أهم هذه الأصول جميعاً هو اتفاق المجتمع على المبادئ التي تسبق الدستور، وتحميه، وتمنح الدولة القدرة على الاستمرار مهما تبدلت الحكومات وتعاقبت الأجيال.
المراجع
Joseph E. Stiglitz، The Price of Inequality، وكتابات حول دور المؤسسات في التنمية.
Douglass C. North، Institutions, Institutional Change and Economic Performance، 1990.
World Bank، Worldwide Governance Indicators، وتقارير الحوكمة والتنمية.
Organisation for Economic Co-operation and Development، تقارير الحوكمة العامة وجودة المؤسسات.
International Monetary Fund، دراسات الاستقرار المؤسسي والمخاطر السيادية
habobsalah@gmail.com
