بسم الله الرحمن الرحيم
د.احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
قد شغلت قضية العلمانية منذ ثورة ديسمبر الساحة السودانية،فجعل بعض المثقفين منها قضية الفترة،ودعا بعض الناشطين الى اعلان قضية علمانية الدولة،وتقديمها على القضايا الاساسية التي اشعلت الثورة وثار الناس من اجلها كرفع المعاناة الاقتصادية عن الشعب ،وتحقيق شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة الى غير ذلك من القضايا التي كان ينبغي انجازها في الفترة الانتقالية، وخلال الفترة الانتقالية تواصل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، انذاك مع حركتي الحلو وعبد الواحد نور للانضمام الى مركب السلام،فوضعا شرط علمانية الدولة لاستجابتهما لنداء الثوورة . ويبدو ان كثيرا من العلمانيين ،ومن بينهم كاتب المقال-لا يعرفون العلمانية ،ويجهلون الدين الاسلامي ،ويخلطون بينه وبين الديانات الاخرى.
فكلمة علمانية ترجمة غير دقيقة ولكنها شائعة لكلمةSecularism،في الانجليزية،أو Secularite او Laique بالفرنسية،وهي كلمة لا صلة لها بالعلم ومشتقاته على الاطلاق، كما يتوهم أو يحاول البعض إيهام الآخرين ،والترجمة الصحيحة للكلمة هي ” اللادينية”،أو ” الدنيوية”،لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب،بل بمعنى أخص،وهو ما لاصلة له بالدين،أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد..
ويفهم من تعريف دائرة المعارف البريطانية لكلمة علمانية،انها تعني فصل الدين عن الدولة ،أو عن الحياة ،والسعي إلى اقامة المجتمع على أسس دنيوية متمثلة في المصلحة التي يقرها العرف ويضع لها العقل اعتباراً. تقول الموسوعة عن كلمة secularism:” هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس عن الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بالحياة الدنيا وحدها… ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر. وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت العلمانية تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية ،حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية،وبامكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة،وظل هذا الاتجاه إلى العلمانية يتطور باستمرار خلال التاريخ الحديث كله باعتباره حركة مضادة للدين ومضادة للمسيحية. Ency. Britannica Vol.Ixp (19) secularism.
فالعلمانية بهذه الصورة قد ظهرت في أوروبا منذ بداية القرن السابع عشر،واتخذت عدة مظاهر،ففي القرن السابع والثامن عشر اتخذت شعار :” فصل الدين عن الدولة”،ثم تحول في القرن التاسع عشر إلى :” إبعاد الدين عن الدولة” ، وتعود جذورها الفكرية إلى الحضارة اليونانية والحضارة الرومانية التي ورثتها،ففي هاتين الحضارتين غلبت النزعة المادية والغلو في تقدير الحياة،والاستخفاف بالدين وفصل الدين عن الحياة.
و من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور العلمانية الصراع الذي دار بين الكنيسة والإنسان في المجتمعات الأوربية.ذلك أنَّ الكنيسة مارست ألواناً من الطغيان الروحي والعقلي والفكري والعلمي على الناس ،الأمر الذي لا يتفق مع مضامين الرسالات الإلهية لبني البشر. ولم يقف طغيان الكنيسة الفكري والعقلي عند حدود حجب العقل البشري من التفكير وفهم الدين،بل امتد ذلك الطغيان ليشمل أمور الكون المادي،فمنعت الكنيسة العقل من التفكير في مسائل الكون والحياة وفقاً لما يقتضيه العلم من الملاحظة والمشاهدة والتجارب العلمية،بل ألزمت الناس بالتفسيرات الكنسية لما جاء من اشارات في التوراة عن شكل الأرض وعمر الإنسان،ولو خالفت هذه التفسيرات كل حقائق العلم النظرية والعملية على السواء .ذلك أنَّ الكنيسة تبنت بعض آراء أرسطو وبطليموس اليونانيين ،في الطبيعة والفلك،واعتمدتها كتفسير صحيح لنصوص التوراة ،واعتبرت ما عداها من آراء مخالفة للدين. وحاربت كل من تبنى نظرية أو مقولة تخالف ما تبنته من نظريات يونانية علمية، ووصمته بالكفر والمروق،وعاقبته بالسجن والتعذيب ،كما فعلت بجاليليو وكوبرنيكس، فتولد نتيجة ذلك ما يعرف في تاريخ البشرية بالفصام والعداء بين العلم والدين وهو في حقيقته عداء بين العلم وبين الكنيسة.. كما مارست الكنيسة ألواناً من الطغيان المادي،بما فرضته من ضرائب وإتاوات على الأراضي والناس،وكانت عوناً للاقطاعيين والمستغلين في ابتزاز أموال الناس وأكلها بالباطل،.كما مارست الكنيسة طغياناً سياسياً اذ احتكرت تتويج الملوك،وتوقف ذلك على غضب ورضا البابا نفسه،مما دفع الملوك في نهاية الأمر إلى التمرد على سلطة البابا.
ولم يقف طغيان الكنيسة الفكري والعقلي عند حدود حجب العقل البشري من التفكير وفهم الدين،بل امتد ذلك الطغيان ليشمل أمور الكون المادي،وقد استغل هذه الأجواء،لاحقاً، بعض العلماء الذين سعوا إلى القضاء على ما تبقى من قيم عن طريق ترويج النظريات العلمية الزائفة التي تحارب الدين والأخلاق ، كنظرية التطور،ونظرية فرويد في علم النفس ،والوجودية والشيوعية،وكلها نظريات تدعو إلى الالحاد وتمرد الإنسان على كل القيم الإنسانية وربطه بمظاهر السلوك الحيواني .وكان نتيجة ذلك كله، أن ترك الناس في أوروبا الدين،الذي يحجبهم عن العلم، ويحجر عليهم التفكير وطلب المعرفة،ويفرض عليهم الذل والخضوع لرجال الاقطاع ورجال الدين.وسار الناس وراء العلم، وصحب ذلك كراهية للدين الذي تمثله الكنيسة ،والنفور منه، ومحاولة ابعاده من جميع مجالات الحياة،والاستعاضة عنه بنظريات علمية، ونظم فلسفية يعالج بها الإنسان شؤون حياته المختلفة،وانفصل بذلك الدين عن الحياة والسياسة ،الأمر الذي أدى إلى انتشار العلمانية في أوروبا وسيادتها مختلف نواحي الحياة:السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والأخلاقية والفنية والقانونية.
العلمانيون والاديان : اما موقف العلمانيين من الدين فينقسمون الى قسمين: علمانية محايدة ،وعلمانية معاندة او متوحشة.والاولى هي العلمانية الليبرالية التي تتبناها دول اوروبا الغربية وأمريكا والعالم الحر،ويفترض فيها ان تتنبنى الحريات وحقوق الانسان بصفة عامة ومنها: الحرية الدينية ،وحق الانسان في الالتزام بدينه.ورغم ان فرنسا تنتمي نظريا الى هذا العالم الحر ،فإن العلمانية فيها علمانية متوحشة تتخذ موقفا معاديا للدين لا سيما الاسلام،فتمنع الحجاب وكل مظاهر الشعارات الدينية ،وتسن القوانين التي تحارب تلك المظاهر.اما العلمانية الاخرى وهي العلمانية الماركسية التي تبنتها روسيا الشيوعية ( الاتحاد السوفيتي السابق)، ومن دار في فلكه ،فهذه تعاند الدين وتطارده ،ولا تسمح له بالبقاء ولو داخل جدران المسجد او الكنيسة ،لانها تعد الدين عدوا لها،ونقيضا لفكرتها،فلذا لا تكتفي بعزل الدين عن الدولة وعن الحياة،بل تريد القضاء عليه نهائياً.وتعرف بالعلمانية الاصولية ويعرفها قاموس «اربن» بأنها: «التمسك بأيديولوجية معادية للدين، تسخر، وتزدري وتهجو فكرة وجود إله أو آلهة، أو الدين، ولا تهتم بمشاعر التزمت والتعصب والكراهية والاضطهاد التي يشعر بها الأتباع نتيجة ذلك»..
الإسلام والعلمانية:إنَّ مبررات ظهور العلمانية وأسباب نشأتها في الغرب لا تتوفر بالنسبة للإسلام، لما تضمنه الإسلام من شمول لكافة شئون الحياة،ولعدم وجود صراع بين الاسلام والعلم،ولعدم وجود طبقة كهنوتية تحكم باسم الدين أو تصادر حق الآخرين في معرفته وفهمه،كما حدث في الغرب. ولكن رغم ذلك ظهر بين ظهراني المسلمين من حمل لواء الدعوة للعلمانية، بل ظهرت أنظمة( تركيا)، تبنت العلمانية منهجا ونظاما في الحياة،ومنعت أن يكون للدين أثر في حياة الناس.
بيد أنَّ العلمانية في جوهرها مناهضة للإسلام و لا يمكن أن يكون هناك لقاء بينهما وذلك لما يأتي:
1-إنَّ الإسلام في جوهره عقيدة وشريعة،وضع الأصول لحياة الإنسان من المهد إلى اللحد: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل:89)،وشمل التشريع الإسلامي الحلال والحرام في حياة الفرد،كما تضمن الحقوق والواجبات في دائرة الأسرة،ونظم شئون العبادات والمعاملات في المجتمع،بين الناس بعضهم وبعض،كما عني بشئون الإدارة والمال والسياسة،وكل ما يتعلق بحقوق الراعي والرعية،وكذلك بالعلاقات الدولية بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم مسالمين ومحاربين.
2-إنَّ أول ما فعله الرسول في المدينة حين هجرته إليها،ان أنشأ مجتمعاً ووضع قواعد لتنظيم دولة ،لها دستورها ( صحيفة المدينة)،ولها قائدها الذي يرجع إليه،ولها تعاليمها في السياسة والاجتماع ،في المال والعمل، والسلم والحرب.
ويذهب كثير من المسلمين المعاصرين الى ان الدولة الاسلامية كما جاء بها الاسلام دولة مدنية ،تقوم السلطة فيها على البيعة والاختيار والشورى ،والحاكم فيها وكيل عند الامة او اجير لها،ومن حق الامة ممثلة في اهل الحل والعقد فيها( اعضاء مجلسها النيابي) ان تحاسبه وتراقبه،وتامره وتنهاه ،وتقومه ان اعوج والا عزلته ،ومن حق كل مسلم ،بل كل مواطن ان ينكر على رئيس الدولة نفسه اذا رآه اقترف منكرا ،او ضيع معروفاً،بل على كل الشعب ان يعلن الثورة عليه اذا رأى كفرا بواحا عنده فيه من الله برهان،فليس في الاسلام دولة دينية( ثيوقراطية) المعروفة عند الغرب في العصور الوسطى والتي يحكمها رجال الدين،الذين يتحكمون في رقاب الناس -وضمائرهم ايضا-ياسم الحق الالهي .. فهي مرفوضة في الإسلام .
فليس في الأسلام سلطة كهنوتية،تحتكر الدين،بل إنَّ النظام الإسلامي كما ذكرنا من قبل ليس نظاماً ثيوقراطياً ،وليس هناك رجال دين لهم مكانة خاصة فيه.صحيح أن هناك علماء في الدين،تخصصوا في دراسة علومه المختلفة،إلا أنَّ هذه الطبقة ليست لها قداسة كتلك التي لرجال الدين المسيحي،وليست لها امتيازاتهم،و لا يملكون من شؤون العباد شيئاًّ،والفرد المسلم يتصل بربه مباشرة، عن طريق صلاته اليومية وعباداته،وإذا ارتكب ذنباً فإنًّه يستطيع أن يتوب إلى ربه دون واسطة كهنوتية. وبالتالي فليس لرجال الدين او الفقهاء اي سلطة كهنوتية وليس لهم حق الوساطة بين الله والناس،فالاسلام حرر الانسان من كل سلطة سوى الايمان بالله وحرر البشرمن عبادة البشر.
إنَّ الإسلام لم يحارب العلم ،كما فعلت الكنيسة بل إن َّالعلم في الإسلام -كما سيق أن اشرنا- نشأ في ظلال الدين. وبتوجيه من القرآن الكريم. ومن ثم فإن الدعوة للعلمانية والقول بان اوروبا نهضت حينما ابعدت الدين عن حياتها، فهذا جهل بالعلمانية وتجاهل للظروف التي ثارت فيها اوروبا ضد الدين وقادت اورويا الى النهضة .فاوروبا ثارت ضد الدين( الكنسي) الذي باسم الدين حارب العلم واصطف مع الاقطاع ،وظلم نظامه الكهنوتي الإنسان وحرمه حقوقه في حرية التفكير والاعتقاد. بينما الدين الإسلامي الذي يمثله غالبية الشعب السوداني ،هو دين حفظ للانسان حقوقه،وسعي لاقامة العدل الاجتماعي في كسب المال وانفاقة، كما ليس فيه نظام كهنوتي يعطي القداسة لأحد،و انه لم يعرف طبقة رجال الدين ( الكهنوت )،الذين لهم قداسة يتميزون بها عن الناس ،ومن ثم ليس من العدل ولا من الحكمة اطلاق القول بأن العلمانية ضد الدين او انها تحارب الدين جملة، بل ينبغي تقييد الامر بظروفه التاريخية ، كما لا ينبغي اسقاط تجربة الاسلاميين الفاشلة،على الاسلام ،واستغلالها في الدعوة الى صرف الناس عن قيمهم ومقومات حياتهم الاجتماعية. فلاسلام دين نظم العديد من شؤون الحياة، فوضع مبادئ العدالة الإجتماعية والتكافل والعدل وتفتيت الثروة حتى لا تكون دولة بين الأغنياء،،ووضع حدود الزواج والطلاق والميراث والانفاق وإدارة مال السفيه وكرم بني آدم وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا ولا تفاضل بينهم إلا بالتقوى..وشرع الحريات في العقيدة والحكم، والشورى في الولاية دون الزام بصيغة أو شكل للحكم لإدارة وسياسة الشأن الدنيوي. فعلى العلمانيين ان لايضللوا الناس وينشروا بينهم الجهالة ،ويبعدوهم عن دينهم.
تعلل بعض العلمانيين بالتجارب الفاشلة لبعض المسلمين في رفضهم الدين: قد يتعلل البعض لرفضهم للدولة الدينية الاسلامية،بما مورس باسم الاسلام من تجارب فاشلة ونماذج مشوهة لتطبيق الاسلام ، فما وقع تحت تلك التجارب منسوبا للإسلام، او بعض المسلمين من أخطاء وانحرافات،لا ينبغي ان تنسب للاسلام ،بل تنسب لمن صدرت منه ؛ فالأشخاص يخطئون، وقد ينحرفون، وقد يقصر فهمهم أو يقل علمهم، بل قد يسوء قصدهم. فهم بشر، وكل ذلك قد يحدث من المسلمين او من غيرهم افرادا وجماعات ودول،ومن ثم لا يجوز أن يُنسب شيء من ذلك إلى الإسلام، بل تكون النسبة إلى الأشخاص او الدول او المجتمعات او الجماعات المعينة وليس إلى الدين، وأحسب أن هذا ظاهر،والا لو عممت مثل هذه الاحكام لما سلم منها اي نظام، ولكن كثيرا ممن يعادون الاسلام و المسلمين يتعامون عن هذه الحقيقة، ويطعنون في التجارب الاسلامية، ويحملون اخطاء من قاموا بها للاسلام .. وقد تولى هؤلاء العلمانيون إدارة كثير من الدول بعد خروج الاستعمار، وكتبوا دساتيرهم بعيداً عن قيم الاسلام،وتعاليمه ، وأقاموا أنموذجهم الاجتماعي على غرار ما فهموه من الحضارة الغربية، ولم يفلحوا، بل كيفوا مجتمعاتهم ونخبهم على أساس فصل الدين عن الدولة، فماذا أنتجوا؟ خراب في العراق وفي سوريا وفي مصر وفي لبنان وفي السودان أيضاً، وفي كل بقعة من الوطن العربي. ومن ثم فإن أي مسعى لحظر حركات اسلامية وفصل لقيم الدين عن الدولة-لاشك هو مسعى يعبر عن قصور في فهم الواقع السوداني والاسلامي والعالمي،وجهل او تجاهل بان الإسلام ثروة نابضة بكل قيم الخير والعدل والسلام، ونصرة الضعفاء واغاثة المحتاجين ..
العلمانية لاتحقق الرفاهية والامن في المجتمع:القول بأن العلمانية تجلب لدعاتها ومن يبشرون بها الجنة الموعودة التي يحلمون بها،وتجلب لهم السلام والديمقراطية ،والحياة المستقرة .ما هي الا مجرد اوهام يكذبها البؤس الذي ولدته الانظمة العلمانية . فالفاشية ولدت في ظل العلمانية ،وبطش المعسكر الشيوعي كان يحمل لواء العلمانية والديمقراطية. والحربين العالميتين التي قتل فيهما ملايين البشر قادتهما دول علمانية. والانظمة العربية العسكرية والمدنية جلبت الفشل والتاخر، ومارست كل انواع البطش تحت شعار العلمانية. ودولة الكيان الصهيوني دولة علمانية،وما تمارسه من انتهاك لكل القيم الانسانية شاهد على ذلك. كما لم تمنع العلمانية الهند من ارتكاب ابشع انواع الجرائم ضد المسلمين، وتضرب اسوأ الامثلة في العنف الطائفي الهندوسي ضد الأقليات خاصة الإسلامية ،تحت ظل العلمانية والديمقراطية.ويكفي أن نشير إلى أحداث هدم المسجد البابري عام 1992م،والذي بلغ ضحايا العنف حوله حوالي ألفي مسلم ،وأحداث كجرات عام 2002م، التي راح ضحيتها الآلاف،بل أن العنف الطائفي في الهند، يحصد ما لا يقل عن ألف مسلم كل عام.وتقارير المنظمات العالمية لحقوق الإنسان أثبتت تورط بعض الجهات الرسمية الولائية الحزبية والأمنية،والقضائية في تلك الاحداث، بالتحريض، وغض الطرف عن تلك الأعمال،التي تصدر عن نظام علمانيٌّ حتى النخاع. والقائمة تطول ومخازي النظم العلمانية لاتحصى. فليصحو دعاة العلمانية من أحلامهم وليعلموا ان العلمانية لن تحقق الحرية والسلام ولن تاتي بالديمقراطية ،ولن تراعي حقوق الانسان.وما جرى ويجري في غزة خير دليل على بؤس العلمانية التي لم تعصم دعاتها ورافعي شعارها من ارتكاب جرائم ترقى الى ان تكون ابادة جماعية .
ومن ثم فإن العلمانية لا تتوافق مع الإسلام في أي صورة من صورها.والمسلم الذي يقبل العلمانية أو يدعو اليها-وإن لم يكن ملحداً،يجحد وجود الله وينكر الوحي،والدار الآخرة-قد تنتهي به علمانيته إلى الخروج من الدين،إذا أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة،مثل تحريم الربا،أو الزنا،أو شرب الخمر،أو فرضية الزكاة،أو إقامة الحدود،أو غير ذلك من القطعيات،التي ثبتت بالتواتر اليقيني الذي لا ريب فيه ،وأجمعت الأمة عليها.
وعلى مدعي الليبرالية والعلمانية ،مراجعة موقفهم من الاسلام وان ينظروا نظرة موضوعية الى تجارب المسلمين في تركيا ومليزيا ، حيث تبنت تلك الدول كثيرا من القيم الاسلامية من غير ان يطلقوا اسم الاسلام على تجاربهم، وان يستحضروا تجارب ثورات الربيع العربي،لا سيما في مصر وتونس ،حيث سعت الدولتان الى اقامة نظم تحمل بعض القيم الاسلامية على درجات متفاوتة ،وهدفت في المقام الاول لتحرير دولهم من التبعية الثقافية للغرب،ولكن قطع الطريق على تلك التجارب ،وتأمرت الدولة العميقة بمؤسساتها المختلفة ،مدعومة باذرع عربية – لافشال التجربة،واستغلوا بعض من يدعون الليبرالية ،ومنوهم بوراثة السلطة في تلك الدول ،ولكن كانت النتيجة ان قضي على ديمقراطية يعيش فيها الناس بحرية واستبدلت بنظم دكتاتورية،حاصرت شعوب تلك الدول واودعتهم المعتقلات واخضعتهم لانواع من التعذيب والتنكيل ،ولا وزال بعضهم الى يومنا هذا حبيسي السجون .فك الله اسرهم وفرج كروبهم. فعلى المثقفين السودانيين الاستفادة من تلك التجارب بدلا من بذل جهودهم لمحاربة التجارب الاسلامية،وشيطنة كل من يدعو الى الاسلام،وان بسعوا الى الاستفادة من قيم الاسلام ونظمه في الحكم والاقتصاد مع استصحاب التجارب الغربية المفيدة .
د.احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
*تعليقا على مقال: الدولة التي تتكلم باسم الله لماذا تنتهي بالخراب؟ “دولة الكيزان” نموذجاً من وعد “الإنقاذ” إلى واقع الدمار والدم. للصادق حمدين،المنشور بسودانايل على الرابط التالي:
https://sudanile.com/%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%8a-%d8%aa%d8%aa%d9%83%d9%84%d9%85-%d8%a8%d8%a7%d8%b3%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d9%87-%d9%84%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%aa%d9%86%d8%aa%d9%87/
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم