lualdengchol72@gmail.com
بقلم/ لوال كوال لوال
منذ استقلال جنوب السودان في يوليو 2011، كان يُنظر إلى منظمات المجتمع المدني باعتبارها الأمل الجديد لمجتمع أنهكته الحروب والنزاعات. فالمجتمع المدني يفترض به أن يكون صوت الناس العاديين، المعبّر عن قضاياهم اليومية، والرقابة الشعبية على أداء الحكومة، ووسيطًا لدفع مسار المصالحة الوطنية. لكن بعد أكثر من عقد من الاستقلال، يطرح سؤال جوهري نفسه بقوة: هل ما زال المجتمع المدني في جنوب السودان يمثل صوتًا بديلاً حقيقيًا، أم أصبح مجرد ظل للنخب السياسية وتقاطعاتها؟ برزت منظمات المجتمع المدني في جنوب السودان بدايةً كامتداد لخبرات سنوات الحرب الأهلية الطويلة؛ فالكثير منها تأسس لتقديم الخدمات الإنسانية والإغاثية في المناطق المتأثرة بالحرب، مثل التعليم الأساسي، والرعاية الصحية، والمياه، وتمكين المرأة. ومع تحوّل الدولة إلى كيان مستقل، كان يُنتظر من هذه المنظمات أن تلعب دورًا أكبر في بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ الديمقراطية، وإطلاق مشاريع التنمية. غير أن الواقع اليوم يكشف عن تباين حاد بين الطموحات والممارسة. • تعتمد غالبية المنظمات على التمويل الخارجي، ما يجعلها أحيانًا رهينة لأولويات المانحين، بدلًا من أن تعبّر عن أولويات المواطنين. • كثير من القيادات السياسية وجدت في المجتمع المدني منصة لتلميع صورتها؛ فأنشأت منظمات واجهة أو وضعت يدها على منظمات قائمة. • الانقسامات القبلية والإثنية انعكست هي الأخرى على المنظمات، فأضعفت من قدرتها على تبنّي خطاب وطني جامع. التحديات البنيوية للمجتمع المدني: 1. التمويل والاعتماد على المانحين: التمويل الخارجي قد يضمن استمرارية الأنشطة، لكنه في الوقت نفسه يضع المنظمات في حالة تبعية ويفرض أجندات لا تتماشى دائمًا مع الأولويات المحلية. 2. البيئة القانونية والسياسية المقيدة: القوانين الصارمة، والبيروقراطية، وتدخل الأجهزة الأمنية تجعل العمل المدني محفوفًا بالمخاطر وتدفع المنظمات إلى الرقابة الذاتية أو الصمت. 3. غياب الحوكمة والشفافية الداخلية: ضعف النظم الداخلية للمساءلة يفتح الباب أمام الفساد أو سوء الإدارة ويضعف ثقة الجمهور. 4. الاستقطاب الإثني والسياسي: الانقسامات العميقة في الدولة تنعكس على عمل المنظمات وتجعلها أسيرة الاصطفافات بدلًا من أن تكون أداة للوحدة الوطنية. 5. هشاشة البنية المؤسسية: كثير من المنظمات تعتمد على متطوعين أو موظفين بعقود قصيرة، ما يحول دون تراكم الخبرات ويضعف التأثير طويل المدى. رغم كل هذه التحديات، لا يزال بإمكان المجتمع المدني أن يستعيد دوره الريادي إذا تم اتخاذ خطوات عملية: • تنويع مصادر التمويل: إشراك القطاع الخاص الوطني، تنظيم حملات تمويل جماعي، أو رسوم عضوية رمزية لضمان الاستقلال. • بناء القدرات المؤسسية: الاستثمار في تدريب الكوادر، تطوير أنظمة مالية وإدارية شفافة، ووضع لوائح صارمة لتجنب تضارب المصالح. • توحيد الصفوف والتحالفات: إقامة شبكات بين المنظمات لمواجهة الضغوط السياسية وتبادل الخبرات. • التركيز على القضايا الوطنية الجامعة: مثل مكافحة الفقر، تحسين التعليم، الصحة، المصالحة الوطنية، وحماية البيئة، بدلًا من الانغماس في الصراعات السياسية الضيقة. • استخدام أدوات الضغط السلمي: حملات توعية، لوبيات، ومبادرات إعلامية لتعزيز الشفافية والمساءلة. • تمكين الشباب والنساء: إدماجهم في مواقع القيادة داخل المجتمع المدني ليكونوا قاطرة التغيير. على الجهات المانحة الدولية والمؤسسات الأممية أن تدرك أهمية بناء مجتمع مدني مستقل لا تابع. وهذا يتطلب منها تغيير نهج التمويل التقليدي القائم على مشروعات قصيرة الأمد إلى دعم طويل المدى لبناء القدرات المؤسسية، وتشجيع الحكم الرشيد والشفافية، وحماية المنظمات المدنية من الضغوط السياسية. يقف المجتمع المدني في جنوب السودان اليوم على مفترق طرق تاريخي: • إما أن يختار أن يكون صوتًا بديلاً حقيقيًا للناس، يعمل على مراقبة الحكومة، تعزيز المصالحة الوطنية، وبناء الدولة على أسس من العدالة والشفافية؛ • وإما أن يظل أداة بيد النخب السياسية يستهلكه الاستقطاب وتفقده الجماهير ثقتها. إن الخيار بيد قيادات المجتمع المدني نفسها، لكنه يحتاج أيضًا إلى بيئة قانونية داعمة وإرادة سياسية تحترم الحق في التنظيم والاختلاف. ندائي إلى منظمات المجتمع المدني: أعيدوا بناء استقلالكم الداخلي، صونوا مصداقيتكم أمام المواطنين، وكونوا قدوة في الشفافية والحوكمة الرشيدة. وندائي إلى الحكومة وصنّاع القرار: وسّعوا هامش الحرية، أزيلوا القيود البيروقراطية، وحموا منظمات المجتمع المدني من التدخلات السياسية. وندائي إلى المجتمع الدولي: قدّموا دعمًا طويل الأمد لبناء القدرات بدلًا من الاعتماد على تمويل قصير المدى، واحترموا أولويات المجتمعات المحلية بدلًا من فرض أجندات خارجية. إن مستقبل الديمقراطية والسلام في جنوب السودان مرتبط بقدرة المجتمع المدني على أن يكون سلطة ضمير حقيقية، لا مجرد صدى للنخب الحاكمة. وإذا ما نجح في ذلك، يمكنه أن يصبح حجر الزاوية في بناء دولة مستقرة، عادلة، ومزدهرة.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم