المجْدُ للعقْل لا للبندقية

المجْدُ للبندقية عبارة أطلقها قائد الجيش، أثارت وما تزال تثير خواطر وتعليقات الكثيرين، وبعضهم من أصحاب الأسماء المعروفة في الساحتين السياسية والثقافية. لذلك، وقبل الحديث عن لمنْ أو لأيِّ شيء يُنسب المجْد، يجدر بنا أوّلاً أن نبدأ بالمجْد ذاته ونتفق على ماهيته.
يتضمن معنى المجْد في معاجم اللغة العربية صفات العِزَّة والرِّفعة والشرف وسمو الأخلاق، والنُبْل والمُروءَة والسخاء، والمكانة العالية والمنزلة المرموقة التي يتمتّع بها الشخص أو الشيء. والماجد من أسماء الله الحسنى، ومعناه التّامّ الكامل والمتناهي في الشَّرف والسَّخيّ المِفْضال والواسع الكريم والمنيع المحمود. ويتضمن معنى المجْد في معاجم اللغة الإنجليزية، صفة السُّمعة الرفيعة أو الشرف الذي يحظى به الشخص لإنجازاته المرموقة. وتنطوي الإشارة المُتكرِّرة إلى الشرف في سياق المجْد في كلا اللغتين، على معنى علو المكانة وسمو الأخلاق الذي ينعكس في النزاهة والصدق والكرامة واحترام الذات والآخرين. وتضيف معاجم اللغة الإنجليزية معنى آخر للمجْد هو الروعة والعظمة والجمال الطاغي.
يتضح مما تقدّم، أنّ عبارة المجْد للبندقية التي صُوِّبت باتجاهنا لا دخل لها بجوهر المعاني السابقة، وهي تعكس استسهالاً قديماً، وعشوائية في استخدام اللغة والمُصطلحات، وضبابية في المفاهيم رائجة عندنا. ولقد زاد مع الأسف تفشّي هذه الظواهر في سنوات الكَرْب العظيم الأخيرة التي أصابت بلادنا.
لكلِّ ذلك، لا ينبغي ولا يُمكِن أن يكون المجْد للبندقية أو لمنْ يستخدمها في الفتْك بالناس. لا يصِحُّ أن يكون المجْد لأدوات القتل وللقتلة، وإلا لكان الأجدر أن يكون المجْد للموت لأنّه يقضي على كلِّ شيء حيّ، وأن يكون المجْد للأعاصير والزلازل وللأفاعي ولأنياب الضواري المُضرّجة بالدماء.
المجْدُ للبندقية هو نشيد الطُغاة عبر التاريخ عندما تُسكِرهم نشوة القُوّة والمكْر والانتصارات المُؤقّتة. ولكِنّ كلَّ ُطغاة الماضي قد اِنهزموا، أو اِنهزم مشروعهم في نهاية المطاف. والطُغاة المعاصرون، سيتلقون الهزيمة أيضاً ولو بعد حين، وسيُقبر مشروعهم.
ما يستحقّ المجْد والتمجيد في عالم البشر هو العقْل رغم أيّ قصور قد يعتريه في لحظة ما، لأنّه وحده ما يُشرِّف الإنسان ويُميّز الإنسان، ويجعل لحياته قيمة ومعنى. فالعقْل هو المِفتاح للحُرِّيّة والعدالة والكرامة واحترام النفس واحترام حقوق البشر الآخرين. ما يحدُث في بلادنا الآن، في أحد أكبر المستويات دلالة، هو النتيجة الحتميّة لنزعتنا المشهودة في تهميش دور العقل في إدارة شؤننا ومطامعنا وخلافاتنا المُحزِنة.
محمد الحاج
melhaj@gmail.com

عن محمد حامد الحاج

محمد حامد الحاج

شاهد أيضاً

السياسة والأخلاق

هل السياسة شأنٌ منفصل عن الأخلاق، والتي هي بتعريف مُبسَّط: المعايير الهادية إلى تحديد الصواب …