المحافظة رقم 28 .. هل ضمت القاهرة السودان إلى خريطتها الإدارية عبر خطوطها الحمراء؟

عبدالغني بريش فيوف
bresh2@msn.com

في عالم السياسة، تتلفع الدول عادة بعبارات الدبلوماسية الناعمة، وتختار مفرداتها بعناية جراح ماهر يخشى أن يخدش كبرياء السيادة لدى جيرانها، إلا في الحالة السودانية المصرية الراهنة، حيث يبدو أن البروتوكول قد سقط سهوا في مطار القاهرة، أو ربما دُفن تحت عجلات الطائرة الرئاسية التي حملت الفريق عبد الفتاح البرهان في رحلته الخمسين أو لعلها الواحدة والخمسين، فقد توقفنا عن عد رحلات الجنرال إلى الشقيقة الكبرى وأُم بلادي كما يقال.
يأتي الخبر كالصاعقة الباردة في صيف الخرطوم اللاهب، وهو أن الرئاسة المصرية تعلن خطوطاً حمراء، ليس عن محافظة سيناء، ولا عن محافظة أسوان، بل عن دولة السودان، وهنا يبرز السؤال الذي يرقص على ألسنة الجميع بمرارة ساخرة، وهو، هل استيقظنا فجأة لنجد أن السودان قد أُعيد تصنيفه إداريا ليصبح المحافظة رقم 28 لجمهورية مصر العربية، أم أن مفهوم السيادة الوطنية في القاموس السياسي السوداني الحالي قد أصبح مرادفا للتبعية الطوعية لمن يملك مفاتيح الحل والعقد؟
عزيزي السوداني..
لنتحدث بوضوح جارح، وهو أن زيارة الجنرال البرهان إلى القاهرة لم تعد حدثا سياسيا، بل تحولت إلى روتين يومي يشبه ذهاب الموظف لتوقيع دفتر الحضور ومن ثم الانصراف.
خمسون زيارة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، فهل يملك الجنرال بطاقة عميل مميز لدى خطوط الطيران؟
هذا الرقم المهول، يعكس حقيقة واحدة لا تقبل التأويل، وهو أن مركز ثقل القرار السوداني لم يعد يقيم في بورتسودان، بل تم تعهيده لقصر الإتحادية في مصر. بالكامل
عندما يزور رئيس دولة ما دولة أخرى بهذا التواتر المثير للشفقة، فهو لا يذهب للتباحث، بل يذهب ليتلقى، يتلقى التعليمات، أو التطمينات، أو ربما مجرد التربيت على الكتف لضمان بقائه في المشهد.
هذه الزيارات المتكررة تُسقط ورقة التوت الأخيرة عن عورة السيادة التي يتشدق بها قادة الجيش في خطاباتهم الحماسية أمام الجنود، بينما في الغرف المغلقة، يتحول الأسد الهصور إلى تلميذ نجيب ينتظر توجيهات الناظر.
الخطوط الحمراء: وصاية أم حماية؟
البيان المصري لم يكن مجرد تصريح صحفي، بل كان فرمانا سلطانيا، لأن عندما تقول القاهرة إن الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية وعدم السماح بانفصال أي جزء هو خط أحمر مصري، فهي عمليا تقول: نحن من نحدد شكل الدولة في السودان، ونحن من نقرر من يبقى ومن يرحل.
قد يخرج علينا المدافعون عن وحدة المصير، ليقولوا إن الأمن القومي المصري مرتبط بالسودان، وهذا ان كان صحيح نظريا، لكنه لا يبرر الوصاية الفجة، ذلك اننا لم نسمع يوما، فرنسا تعلن خطوطا حمراء في بلجيكا لأن أمنهما مترابط، أو ان تعلن واشنطن خطوطا حمراء في كندا.
الدول المحترمة تدير مصالحها عبر التحالفات، وليس عبر الإملاءات العلنية التي تهين كرامة الشريك المفترض.
لكن المأساة، ليست في الغطرسة المصرية بقدر ما هي في الخنوع السوداني، وإن الصمت المطبق من مجلس السيادة السوداني تجاه هذه اللغة الاستعلائية، هو الإقرار الضمني بأن السودان حالياً ليس سوى حديقة خلفية للأمن القومي المصري.
الخطوط الحمراء المصرية في السودان هي إعلان وفاة للقرار الوطني السوداني المستقل، وتأكيد على أن النخبة العسكرية والسياسية الحاكمة، مستعدة لبيع السيادة مقابل كرسي السلطة ولو كان مهتزا ومحترقا.
إن المشهد السياسي السوداني اليوم أشبه بمسرحية هزلية، لأن السودان لديه قيادة تتحدث ليل نهار عن معركة الكرامة، بينما كرامة القرار الوطني تُداس تحت أقدام التحالفات الإقليمية، حيث البرهان يذهب للرياض ثم يهرول للقاهرة، وكأنه ساعي بريد ينقل الرسائل بين القوى الإقليمية، ناسيا أنه رأس الدولة (أو ما تبقى منها).
الضعف الذي يعتري القيادة السياسية في السودان ليس وليد اللحظة، ولكنه وصل في عهد البرهان إلى مستويات غير مسبوقة.
لقد تحول القائد العام للجيش إلى وسيط بين شعبه وبين القوى الخارجية، وهو في الواقع لا يملك رؤية للحل، ولا يملك شجاعة الحسم، ولا يملك حتى حرية قول “لا”، هو مجرد واجهة لتوازنات دولية وإقليمية ترى في السودان مجرد رقعة جغرافية يجب ضبطها لكي لا تصدر الفوضى، وليست دولة ذات حضارة وتاريخ تستحق الاحترام.
عندما تتحدث مصر عن حقها الكامل في اتخاذ التدابير، وتستند إلى اتفاقية الدفاع المشترك، فهي تلوح بالعصا الغليظة، ولكن لمن، هل لقوات الدعم السريع فقط، أم لكل من يفكر في صياغة مستقبل للسودان بعيدا عن الرؤية المصرية؟
هنا يكمن الخطر، فمصر لا تريد سودانا قويا وديمقراطيا، بل تريد سودانا مستقرا وتابعا، تريد نسخة مكررة من نظامها السياسي، حيث المؤسسة العسكرية هي الحاكم الفعلي والوحيد، وأي حديث عن مدنية الدولة أو التعددية يعتبر تهديدا للأمن القومي وعبثا بالمقدرات.
الفاشر.. ذريعة للتدخل أم دموع تماسيح؟
البيان المصري ذرف الدموع على المذابح المروعة في الفاشر، وهذذا كلام جميل ومؤثر، ولكن أين كانت هذه الخطوط الحمراء عندما كانت الخرطوم تحترق، وأين كانت عندما اغتُصبت الحرائر في الجنينة ونيالا؟
يبدو أن الدم السوداني، يصبح أحمر بما يكفي لاستدعاء التدخل فقط عندما تقترب النار من المصالح الاستراتيجية، أو عندما يلوح في الأفق شبح التقسيم الذي يهدد حصة مصر من مياه النيل، وليس خوفا على المواطن السوداني المغلوب على أمره.
إن استخدام الورقة الإنسانية لتمرير أجندة سياسية وعسكرية، هو قمة الانتهازية، إذ الفاشر تحترق، نعم، ولكنها تحترق بنيران سودانية وبتمويل خارجي وبصمت دولي، وعندما تأتي القاهرة لترسم خطا أحمر هناك، فهي لا تفعل ذلك حبا في أهل دارفور، بل خوفا من قيام كيان موازي قد يهدد نفوذها التقليدي في وادي النيل.
وهم الشقيقة الكبرى..
لقد آن الأوان لكسر صنم العلاقات الأزلية والنظر للأمور بواقعية باردة، وهي ان العلاقة بين النظامين في مصر والسودان حاليا، هي علاقة التابع والمتبوع، حيث ان مصر السيسي ترى في برهان السودان الرجل الضرورة ليس لكفاءته، بل لضعفه وحاجته المستمرة للدعم، فالقائد الضعيف في الجوار هو أفضل ضمانة لعدم مشاغبة الدولة الكبيرة.
عزيزي القارئ..
السخرية المرة، تكمن في أن النخبة السياسية السودانية، بشقيها العسكري والمدني، لا تزال تركض نحو القاهرة عند كل منعطف، طالبة الحلول، وكأن القاهرة تملك عصا موسى السحرية، متناسية أن فاقد الشيء لا يعطيه، وأن من لا يستطيع حل أزماته الاقتصادية الداخلية لا يمكنه أن يبني دولا أخرى.
في الختام، وعوداً على بدء، فإن قراءة المشهد السوداني الماثل أمامنا بعين فاحصة، تتجاوز مجرد رصد زيارات مكوكية لجنرال مأزوم، أو تحليل بيانات دبلوماسية ناعمة تصدر من قصر الاتحادية، إننا أمام لحظة تاريخية فارقة ومخيفة، تُعاد فيها هندسة الجيوسياسية السودانية، ليس بأيدي أبنائها، بل بمبضع الجراح الخارجي الذي لا يرى في الجسد السوداني سوى مصدّ أمني أو خزان مياه أو حديقة خلفية، يجب تشذيب أشجارها لتلائم الرؤية المصرية، لا الرغبة السودانية.
إن خطورة ما يحدث اليوم، والتي تتجسد في هذا الصمت المريب للنخبة الحاكمة تجاه الخطوط الحمراء المستوردة، لا تكمن في ضعف الإمكانيات العسكرية أو الاقتصادية للسودان، فالدول قد تمر بانتكاسات وتنهض، ولكن الكارثة الحقيقية تقع حينما تسقط الروح المعنوية للسيادة، وحينما يقتنع الحاكم بأن بقاءه مرهون برضا الخارج لا بشرعية الداخل.
إن تحول القيادة العسكرية من حامي حمى الأرض والعرض إلى مجرد منسق أمني ينفذ أجندات دول الجوار، هو الطعنة النجلاء في خاصرة الكرامة الوطنية، وهو الإعلان الرسمي عن تدشين المحافظة رقم 28 التي لا تملك من أمرها رشداً، ولا تملك حق الفيتو حتى على مصير مواطنيها المحترقين بنيران الحرب.
علينا أن ندرك بوضوح لا لبس فيه، أن السيادة الوطنية ليست ترفا فكريا، ولا شعارا يُرفع في المناسبات ليتم دوسه في الغرف المغلقة، إنها الخط الأحمر الوحيد والمقدس الذي لا يجوز لأي كائن كان أن يتجاوزه، مصريا كان أم غير ذلك.
إن القبول بمنطق الوصاية بدعوى حماية الأمن القومي المشترك أو وحدة المصير، هو استدعاء لنوع جديد من الانتداب المقنع، حيث تصبح الخرطوم (أو بورتسودان)، مجرد صدى لصوت القاهرة، وحيث يتحول القرار السيادي السوداني إلى ورقة مساومة رخيصة على طاولات المخابرات الإقليمية، تُستخدم لترتيب أوراق المنطقة بمعزل عن مصالح الشعب السوداني المكلوم.
إن التاريخ، ذلك القاضي الذي لا يرحم، لن يغفر لهؤلاء الذين شرعوا الأبواب للتدخلات الخارجية، وحولوا الوطن إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منطقة نفوذ تابعة، وسيكتب هذا التاريخ أن في السودان جنرالات استبدلوا نياشين الشرف العسكري بأختام القبول الإقليمي، وأنهم في سعيهم المحموم للحفاظ على كراسيهم المتهاوية، باعوا استقلالية القرار الوطني بثمن بخس، متناسين أن من يفرط في سيادته مرة، يعش أبد الدهر تابعا لا شريكا، وذيلا لا رأسا.
لذلك، فإن الرسالة الأخيرة التي يجب أن تقرع الآذان الصماء هي، إن الحل للأزمة السودانية لن يهبط بالمظلات من سماء القاهرة، ولا من أي عاصمة أخرى، بل الحل يكمن في استعادة الوعي بالذات السودانية، وفي إيمان السودانيين بأن دولة ذات عمق حضاري وتاريخي، وليست ملحقا إداريا فائضا عن حاجة الجيران.
السيادة ليست شعاراً يرفع في الأعياد الوطنية، بل هي ممارسة يومية للرفض والقبول بناءا على المصلحة الوطنية العليا، لا مصلحة الكراسي المهترئة.

عن عبدالغني بريش فيوف

شاهد أيضاً

عفو لا يملكه عن جرم لا يسقط .. تفكيك مغالطات خطاب البرهان بولاية الجزيرة!

bresh2@msn.comعبدالغني بريش فيوففي غمرة الدخان المتصاعد من ركام الفاشر ومدن السودان الأخرى، وبينما لا تزال …