محمد عبد المنعم صالح
المشاعر لا تعيش في طريقٍ ذي اتجاهٍ واحد..عندما تُحبّ أكثر مما يحبّونك، تمضي سنواتٍ من عمرك تحاول إرضاءهم…
تسهر لتطمئن عليهم، وتتذكّر تفاصيلهم الصغيرة، وتُخفي وجعك كي لا تُثقل عليهم، وتبتسم وفي قلبك ألف عتاب لم يُقل..
وكلما أعطيتَ أكثر، أخذوا أكثر..وكلما تنازلتَ أكثر، تعالَوا أكثر..
حتى يصبح عطاؤك في أعينهم واجبًا لا فضلًا، ويصبح حضورك أمرًا مضمونًا لا يستحق الالتفات، وتصبح مشاعرك تُداس بلا اكتراث، وكأنها لا تستحق حتى أن تُرى..
وعندها… تقف على الحقيقة.في ليلةٍ هادئة، تُحصي ما قدّمت فتجده كثيرًا، وتُحصي ما وصلك فلا تجد إلا القليل..
تسأل نفسك: متى سألوا عني كما أسأل عنهم؟ متى افتقدوني كما أفتقدهم؟ متى خافوا على قلبي كما خفتُ على قلوبهم؟
فيأتيك الصمت جوابًا أبلغ من كل الكلام..هنا تدرك أن المشكلة لم تكن في قلّة حبّك،بل في أنك أحببتَ وحدك..
فالمشاعر ليست صدقةً تُلقى في يدٍ لا تُعيد شيئًا،
بل هي جسرٌ لا يقوم إلا على ضفّتين.
ومن يمشِ عليه من طرفٍ واحد، يسقط مهما طال صبره.
وهذا ميزانٌ أقرّه الله في كتابه:
﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60]
بل علّمنا أن نردّ حتى التحيّة بمثلها أو بأحسن منها:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]
فإن كانت التحيّة العابرة تستحق ردًّا، فكيف بقلبٍ وهبك عمره؟
وصوّر النبي ﷺ العلاقة الصادقة تصويرًا بديعًا فقال:
«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه مسلم]
تأمّل الألفاظ: «توادّهم، تراحمهم، تعاطفهم»… كلها على وزن التفاعل، أي أنها تُعطى وتُؤخذ، تذهب وتعود. لا مودّة من طرفٍ واحد، ولا رحمة تسير في اتجاهٍ واحد.
وقال ﷺ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» [رواه البخاري في الأدب المفرد]
فالمحبة تُبنى بالتبادل، لا بالعطاء المنفرد.
وقال ﷺ: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» [متفق عليه]
فلا تُرهق روحك في محاولة الائتلاف مع روحٍ لم تتعرّف إليك أصلًا.
ولا يعني هذا أن تتوقف عن العطاء، أو أن تُغلق قلبك، أو أن تُحاسب الناس بالميزان في كل صغيرة..
بل يعني أن تُعطي بوعي، وأن تحفظ لنفسك حقّها، فقد أقرّ النبي ﷺ قول سلمان رضي الله عنه:
«وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا… فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ» [رواه البخاري]
فقلبك ليس بئرًا بلا قاع،ومشاعرك ليست مجّانية لمن لا يُقدّرها، وأنت لستَ خيارًا احتياطيًا في حياة أحد.ضع قلبك حيث يُحتضن، لا حيث يُستنزف.
وأحبب من يراك، لا من يرى فقط ما تقدّمه.
وتذكّر أن الله لا يُضيّع ما بذلتَ بصدق، حتى وإن ضيّعه الناس:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: 120]
اللهم يا من لا يخيب عنده رجاء، اجبر قلوبًا أحبّت بصدق فلم تجد إلا الجفاء، وأعطت بسخاء فلم تلقَ إلا النكران.
اللهم ارزقنا من يحبّنا كما نحبّه، ويخاف علينا كما نخاف عليه، ويرانا حين لا يرانا أحد.
اللهم اجعل لنا في قلوب الصادقين ودًّا، وأبعد عنا من يأخذ ولا يعطي، ومن يجرح ولا يداوي.
اللهم املأ فراغ قلوبنا بحبّك، فإن حبّك لا يخذل، وعطاءك لا ينقطع، وبابك لا يُغلق..
