بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
تضج الصحف الإلكترونية والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي ،خلال الأيام الماضية، بالعديد من المقالات والتحليلات المتخصصة وغير المتخصصة التي تناولت التصديق الذي منحه بنك السودان لشركة العسجد للحلول الرقمية والذكية المحدودة لتشغيل محول المعاملات المصرفية (Switch)،ثم القرار اللاحق بإلغاء ذلك التصديق.
كما اطلعت على البيان التوضيحي الذي أصدرته الشركة، والمنشور بتاريخ 2 يوليو 2026 على منصة 5Ws-News، إلى جانب عدد من المقالات الاقتصادية التي تناولت الموضوع من زوايا قانونية وفنية واقتصادية، وقدمت مادة ثرية تستحق التقدير، حتى وإن اختلفت بعض وجهات النظر.
ولعل أكثر ما استوقفني، بعيداً عن الجدل الدائر، هو الاسم الذي اختارته الشركة لنفسها: العسجد. وهو اسم عربي أصيل يُطلق في الأصل على الذهب الخالص، ويُقصد به الذهب النفيس اللامع، ثم توسع الأدباء والشعراء في استعماله ليصبح رمزاً لكل ما هو ثمين ونفيس وجميل.
وقد قيل في الشعر العربي:
كأنها لآلئ نُظمت في عسجد
أي: لآلئ مرصعة في الذهب، وهو تصوير بديع يجمع بين الجمال والقيمة. ولعل اختيار هذا الاسم يعكس طموح الشركة في تقديم قيمة مضافة في مجال الحلول الرقمية والمالية.
وبعيداً عن تفاصيل التصديق وإلغائه، فإن القضية – في تقديري – تتجاوز شركة بعينها؛ لأنها تتعلق ببنية النظام المصرفي السوداني ومستقبل التحول الرقمي في البلاد. فمحول المعاملات المصرفية ليس مجرد رخصة تشغيل، وإنما يمثل أحد أهم مكونات البنية التحتية للقطاع المصرفي، ويؤثر بصورة مباشرة في البنوك والمؤسسات المالية والعملاء.
لقد فرضت الثورة الرقمية واقعاً جديداً، حتى افتقدنا متعة عد النقود الورقية، أو ما يعرف شعبياً بـ”الضحاكات”، التي كان كثيرون يستمتعون بعدِّها في الأسواق مستخدمين أطراف الأصابع، بل وحتى لعاب اللسان لتسهيل العد، رغم ما في ذلك من أضرار صحية. واليوم أصبحت المعاملات الإلكترونية هي الخيار الأسرع والأكثر أماناً وكفاءة، وأصبح تطوير البنية الرقمية للقطاع المصرفي ضرورة لا خياراً.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الفرصة ما زالت سانحة لتبني مشروع وطني يقوم على تأسيس شركة مساهمة عامة تشارك في تأسيسها البنوك والمصارف السودانية مجتمعة، مع فتح الباب أمام الشركات الوطنية المؤهلة والراغبة في الاستثمار في هذا المجال، ومنها شركة العسجد وغيرها من الشركات التي تمتلك الكفاءة والخبرة.
ومن شأن هذا النموذج أن يعزز ملكية البنية الرقمية للقطاع المصرفي،ويوفر مورداً استثمارياً إضافياً للمصارف، ويسهم في تخفيض تكاليف التشغيل، كما يتيح للمواطنين ومؤسسات القطاع الخاص فرصة المساهمة والاكتتاب في مشروع وطني يمكن إدراج أسهمه وتداولها مستقبلاً في سوق الأوراق المالية، بما يعزز الشفافية، ويوسع قاعدة الملكية، ويجعل عوائد هذا المشروع تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني.
ولعل المثل الشعبي القائل: “جحا أولى بلحم ثوره” يلخص هذه الفكرة؛ فحين تتوحد الجهود وتتشارك المؤسسات الوطنية في مشروع استراتيجي بهذا الحجم، فإن المكاسب تعود على الجميع، ويصبح التحول الرقمي رافعةً حقيقية للاقتصاد الوطني، لا مجالاً للتنافس المنفرد فحسب.
وأخيراً، فإن هذه الرؤية لا تنطلق من تأييد أو معارضة لقرار بنك السودان بمنح التصديق أو بإلغائه، ولا تهدف إلى تقييم مشروعية أيٍّ من القرارين، فذلك شأن تحكمه الأطر القانونية والتنظيمية المختصة. وإنما هي محاولة لطرح رؤية اقتصادية تدعو إلى التفكير في مستقبل البنية التحتية الرقمية للقطاع المصرفي السوداني، انطلاقاً من مبدأ الشراكة الوطنية، وتعزيز الاستثمار المؤسسي، بما يحقق المصلحة العامة، ويدعم مسيرة التحول الرقمي والتنمية الاقتصادية في البلاد.
ولعل الأزمات، مهما بلغت حدتها، تفتح أحياناً باباً لإعادة التفكير في بناء مؤسسات وطنية أكثر قوة واستدامة. وما قضية المحول المصرفي إلا فرصة للنظر إلى المستقبل بعقلية الشراكة والتكامل، حتى يكون التحول الرقمي مشروعاً وطنياً جامعاً، تسهم في إنجازه الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص، ويجني ثماره الاقتصاد السوداني والمواطن على حد سواء.
aminoo.1961@gmail.com
