المخيمات… هل صارت هوية الجنوبي أم محطة عابرة؟

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
منذ أكثر من عقد من الزمن أصبحت المخيمات رمزاً مأساوياً لتاريخ جنوب السودان الحديث. فبعد أن نال الجنوبيون استقلالهم، كانوا يأملون في بناء دولة آمنة وموحدة تُنهي معاناتهم الطويلة، غير أن صراعات السلطة والحرب الأهلية والانقسامات الإثنية والسياسية أعادتهم مرة أخرى إلى خيام النزوح واللجوء. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو هل صارت المخيمات هوية الجنوبي الجديد أم أنها محطة عابرة على طريق الاستقرار والعودة إلى الديار. حين تزور أحد المخيمات الكبرى في جوبا أو بانتيو أو ملكال، تلاحظ أن الخيام والبيوت المؤقتة ليست مجرد ملاجئ، بل أصبحت تجمعات بشرية ضخمة شبيهة بالمدن. هناك أسواق صغيرة، بائعات خضار، مدارس بدائية تحت الأشجار وحتى ملاعب لكرة القدم من التراب، وكل ذلك يعكس قدرة الإنسان الجنوبي على التكيّف وصنع الحياة من رحم القسوة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن مأساة وطن لم يتمكن من احتضان أبنائه في بيئة آمنة ومستقرة. الأطفال الذين وُلدوا داخل هذه المخيمات قد لا يعرفون قراهم الأصلية، وكثير منهم لا يمتلك سوى روايات الأهل عن «البلد» البعيد. ومع مرور الوقت تتحول المخيمات إلى نقطة المرجع في الهوية والانتماء؛ فالطفل يعرف نفسه بأنه من مخيم بانتيو أو مخيم ملكال أكثر من معرفته بأنه من ولاية الوحدة أو أعالي النيل، وهذه الظاهرة تعني أنّ هوية المخيم بدأت تحل محل هوية القرية أو المدينة الأصلية. الهوية تتشكل من المكان واللغة والعادات والتجربة اليومية، وحين يعيش إنسان سنوات في مكان ما يتشرب عاداته ويكوّن روابطه الاجتماعية. هذا ما يحدث في المخيمات؛ فهناك ثقافة مخيمية نشأت أغانٍ جديدة وقصص معاناة مشتركة ولغات هجينة وأساليب عيش خاصة، وبمرور الوقت يصبح المخيم إطاراً اجتماعياً له قيمه وقوانينه الخاصة فيخلق هوية جديدة أشبه بهوية المدن العشوائية الكبرى في العالم. لكن الخطر يكمن في أن هذه الهوية المخيمية غالباً ما تُبنى على الإقصاء والحرمان، فالإنسان في المخيم يعتاد على صفوف طويلة للحصول على الماء أو الغذاء ويعتمد على المنظمات الإنسانية بدلاً من مؤسسات الدولة، وهذا النمط من الحياة يكرس ثقافة الانتظار والتلقي ويضعف روح المبادرة والمواطنة الفاعلة، وهكذا يتحول المؤقت إلى دائم والطارئ إلى قدر. من الناحية الاجتماعية المخيمات بيئات مكتظة يختلط فيها الناس من خلفيات إثنية وثقافية مختلفة. هذا الاختلاط قد يكون فرصة لبناء جسور تفاهم جديدة بين المجموعات المتنازعة، لكنه قد يكون أيضاً بيئة خصبة لتجدد التوترات والصراعات خاصة عندما تتنافس المجموعات على موارد محدودة مثل الغذاء والماء والخدمات الصحية. أما اقتصادياً فيعيش معظم سكان المخيمات في بطالة شبه كاملة أو يعملون في أنشطة هامشية ضعيفة الإنتاجية، وهناك القليل من فرص الاستثمار أو النمو إذ إن المخيم غير مصمم ليكون مركزاً اقتصادياً مستداماً. ومع ذلك نشأت أسواق صغيرة وقطاعات خدمية داخل المخيمات تدل على رغبة الناس في خلق حياة اقتصادية حتى في الظروف القاسية وتشكل هذه الأسواق نواة مهمة يمكن البناء عليها في برامج الإعمار مستقبلاً. تأثير المخيمات لا يتوقف عند البعد المادي بل يمتد إلى البعد النفسي. الدراسات في مناطق النزاعات تشير إلى أن الحياة في المخيمات لفترات طويلة تزيد من معدلات الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة خاصة لدى الأطفال والنساء، وفي جنوب السودان حيث تتكرر موجات العنف والنزوح يصبح التعافي النفسي عملية معقدة وطويلة. رغم ذلك نجد مبادرات شبابية كثيرة تحاول خلق أمل جديد: مدارس غير رسمية وأنشطة ثقافية ومساحات للأطفال وبرامج تدريب مهني تؤكد أن الإنسان الجنوبي رغم المعاناة ما زال قادراً على إنتاج الأمل ورفض الاستسلام لفكرة أن المخيم هو النهاية. مسألة المخيمات ليست شأناً إنسانياً فحسب بل هي قضية سياسية من الدرجة الأولى، فاستمرار النزاعات وغياب الدولة القادرة على فرض الأمن وتقديم الخدمات وغياب خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار كلها عوامل تجعل المخيمات تبدو خياراً دائماً. المجتمع الدولي بدوره يتحمل جزءاً من المسؤولية، فبرامج المساعدات غالباً ما تركز على الإغاثة العاجلة دون معالجة الأسباب الجذرية للنزوح. إن تحويل المخيمات إلى محطات عابرة يتطلب إرادة سياسية محلية وإقليمية ودولية، وعلى الحكومة أن تطلق مشاريع واسعة لإعادة الإعمار وخلق وظائف حقيقية وأن تضع سياسات لدمج النازحين في مجتمعاتهم الأصلية أو في أماكن جديدة آمنة، كما يجب أن تتحول المساعدات الدولية من نمط الإغاثة إلى نمط التنمية وبناء القدرات. إذا استمرت الظروف الحالية دون تغيير فإن المخيمات ستتحول أكثر فأكثر إلى مدن دائمة، وسيكبر جيل كامل داخلها وسيفقد تدريجياً أي ارتباط بالقرى والمدن الأصلية وستتكرس ثقافة الاعتماد على المساعدات. لكن في المقابل إذا حدثت تسوية سياسية شاملة وتحققت إصلاحات اقتصادية وانطلقت مشاريع إعادة إعمار واسعة يمكن أن تتحول هذه المخيمات إلى محطات عابرة وذكرى مريرة يتجاوزها الناس. كثير من الجنوبيين الذين نزحوا في التسعينيات عادوا بعد اتفاقية السلام الشامل عام 2005 وشاركوا في إعادة بناء مناطقهم وهذا يوضح أن العودة ممكنة إذا توفرت الظروف الملائمة، فالمهم هو الإرادة السياسية والأمل الشعبي والدعم الدولي الذكي. أخطر ما في المخيمات أنها قد تعيد تشكيل وعي الناس بذواتهم وبوطنهم. إذا اقتنع الإنسان أن المخيم قدره الأبدي سيصبح أسيراً له، أما إذا نظر إليه كمحطة عبور سيبقى الأمل حياً وسيبحث عن طرق الخروج منه. المعركة إذن هي معركة وعي بقدر ما هي معركة موارد. المدرسون المتطوعون والشباب الذين ينظمون أنشطة رياضية وثقافية والنساء اللواتي ينشطن في مبادرات تمكين اقتصادي داخل المخيمات يمثلون الكتلة الحرجة التي يمكن أن تقود تحول المخيم من هوية دائمة إلى مرحلة مؤقتة، وهم الذين يحافظون على الذاكرة الحيّة للقرى والمدن الأصلية وينقلونها للأطفال حتى لا تضيع. ينبغي أن تتشكل رؤية وطنية تقول بوضوح إن المخيم ليس هوية بل حالة طوارئ. هذه الرؤية يجب أن تشمل تعليم الأجيال الجديدة داخل المخيمات بشكل يحافظ على ارتباطهم بهويتهم الأصلية، وبرامج تدريب مهني لإعداد الشباب للعودة إلى العمل والإنتاج، وخطط إعادة إعمار تدريجية تستند إلى أولويات المجتمعات المتضررة، وحملات توعية لتثبيت فكرة أن العودة ممكنة وأن المستقبل خارج المخيم. بهذه الطريقة يمكن أن يتحول المخيم من رمز للهشاشة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الهوية الوطنية. المخيم ليس قدراً ولا هوية بل انعكاس لمرحلة مأساوية من تاريخ جنوب السودان. كلما طال أمد النزوح اقترب المخيم من أن يصبح وطناً بديلاً لكن كلما تجدد الأمل والسياسات الحكيمة اقترب من أن يصبح محطة عبور. الجنوبي يستحق بيتاً آمناً لا خيمةً ممزقة، يستحق وطناً حقيقياً لا بطاقات إغاثة، يستحق هويةً تصنعها الأرض لا الأسلاك الشائكة. إن الإجابة عن السؤال «هل صارت المخيمات هوية الجنوبي أم محطة عابرة؟» ليست في المقالات والخطب وحدها بل في السياسات الفعلية وفي إرادة الناس أنفسهم، والخيار ما زال بأيدينا: أن نترك الخيمة تعرّفنا أو نعرّف أنفسنا بوطنٍ نبنيه من جديد.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …