المدارس
السودان بلا جرس مدرسة
نزار عثمان السمندل
تخيّل بلداً يستيقظ وصباحه بلا مدرسة. التعليم في السودان صار فجوة مفتوحة في الزمن، تتسع كل يوم، وتبتلع أعماراً كاملة قبل أن تكمل مماشيها على الأرض.
الأزمة التعليمية قديمة. تعمّقت خلال حكم البشير واستفحلت عند اندلاع الحرب.
منذ انطلاق الرصاصة الأولى، يعيش الأطفال هناح خارج الإيقاع الطبيعي للحياة، أعمارهم تمضي بلا صفوف، بلا دفاتر، بلا ذلك الانتظام الصغير الذي كان يمنح الأيام معنى قابلاً للتعايش والاستمرار.
ثمانية ملايين طفل خارج النظام التعليمي. رقم يضغط على الوعي أكثر مما يطرق الذاكرة. نصف جيل تقريباً انقطع عن التعليم، بسبب حرب طويلة قررت أن تجعل المعرفة من أوائل ضحاياها. 484 يوماً من إغلاق المدارس شكّلت زمناً كافياً لتآكل العلاقة بين الطفل والدرس، وبين الأسرة وفكرة المستقبل، وبين الدولة ومسؤوليتها الأعمق.
المشهد اليومي للمدرسة تبدّل جذرياً. مبانٍ مثقوبة بالقذائف، ساحات تحوّلت إلى مخيمات نزوح، فصول أُفرغت من أصواتها وامتلأت بحكايات الفقد. السبورة التي كانت تستقبل الأسئلة صارت شاهداً صامتاً على العابرين. المدرسة التي كانت مركزاً اجتماعياً فقدت موقعها في حياة الناس، ومعها فقد التعليم مكانته كأداة خلاص جماعي.
دارفور تقف في قلب هذه المأساة. إقليم واسع تلاشى فيه التعليم من المشهد العام. نسبة ضئيلة جداً من المدارس ما زالت تعمل، محاولات خجولة للحفاظ على ما تبقى من انتظام الحياة. مدن كاملة بلا صباحات مدرسية، بلا حقائب معلّقة على الأكتاف، بلا طوابير تصنع الإحساس بالاستمرار.
السيطرة العسكرية أعادت تشكيل الجغرافيا، ودفعت التعليم إلى الهامش الأقصى. ومع انتقال القتال إلى كردفان، تمدّد هذا الخراب، وتقلّصت المساحات التي ما زالت تحاول الصمود.
المعلمون، ومشاكلهم قديمة ومتجذرة؛ وجدوا أنفسهم في قلب العاصفة. رواتب متوقفة، مهنة تُستنزف، ورسالة نبوية تُترك وحيدة. مئات الآلاف غادروا الفصول، بعضهم إلى أعمال مؤقتة، بعضهم إلى النزوح، وبعضهم إلى بلدان الجوار.
التعليم من دون معلم يتحوّل إلى فكرة معلّقة، ومع استمرار هذا النزف يصبح ترميمه مهمة شاقة حتى بعد توقف القتال.
القصص الفردية تكشف عمق الجرح. طالبة كانت ترى الجامعة امتداداً طبيعياً لحياتها، صارت تحصي الأيام، عاطلةً عن الحياة، في مدينة نزحت إليها قسراً. حلم شخصي تراجع أمام واقع يفرض أولويات البقاء. أب يشعر بأن دوره تآكل، وأن قدرته على حماية مستقبل أبنائه تقلّصت إلى الانتظار. أطفال عبروا الحدود إلى مدارس في دول أخرى، يتعلّمون مناهج جديدة، ويتكيّفون مع لغات مختلفة. بعضهم بدأ يبني علاقة جديدة مع مكان قد لا يغادره قريباً.
المنظمات الدولية ترصد المشهد بلغة التحذير الثقيلة. “يونيسيف” و”أنقذوا الأطفال” تصفان ما يجري بأنه إحدى أخطر أزمات التعليم في العالم، وتتحدثان عن أكبر موجة نزوح للأطفال عالمياً. نسبة كبيرة من ضحايا العنف أطفال، وملايين يواجهون الجوع وسوء التغذية. الخسارة هنا تتجاوز الأرقام الاقتصادية، وتمتد إلى تفكك النسيج الاجتماعي على المدى الطويل.
السودان يخسر اليوم طبقة كاملة من ذاكرته المستقبلية. التعليم، الذي كان الطريق الأكثر أماناً للخروج من الفقر والعنف، تراجع إلى الهامش في خضم حرب مفتوحة. أجيال تكبر خارج المدرسة، حاملة فراغاً عميقاً في الوعي والتجربة. هذا الفراغ لا يبقى محايداً، إنما يتحوّل مع الوقت إلى أرض خصبة لدورات جديدة من الاضطراب.
ما يجري الآن يتجاوز كونه أزمة تعليمية، ويمسّ جوهر القدرة على تخيّل سودان قادر على النهوض من هذا الركام.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم