لا أفق سياسي يلوح في سماء السودان لإيقاف الحرب قريباً، ولا إرادة توقف هذا الانهيار. الأرض مشتعلة بالريبة والانتظار، وكل الأدلة تشير إلى حشد متواصل للسلاح والمقاتلين، استعداداً لجولة جديدة من معارك كسر العظم في كردفان بعد أن يرحل فصل الخريف، تاركاً وراءه الأرض محروقة، والآمال متناثرة بين أطلال المدن والقرى.
وفي قلب هذا الصراع، انفجرت خطوة جديدة: إعلان حكومة انتقالية موازية بقيادة حميدتي، عاصمتها نيالا. خطوة تقلب موازين القوى، وتضيف بعداً جديداً لتشابك الحرب، حيث يصبح كل يوم امتحاناً لشعبٍ ضائع بين النيران وأمواج السيول، بين الانقسام والتمزق، وبين شعاع خافت يحاول أن يجد موضعه وسط الحطام.
تقسيم البلاد لم يعد تهديداً متخيلاً، بل صار واقعاً يصرخ في وجوهنا: استمروا في الحرب، أداتكم الأكثر فاعلية لتفتيت الدولة وإغراقها في هاوية التشظي والفوضى.
ومن مختلف المنابر صدحت أصوات المطالبة بلجنة تحقيق دولية مستقلة، لتوثيق جرائم الحرب، الإبادة الجماعية، استخدام الأسلحة المحرمة، وكل جرائم انتهاك الإنسانية. هذه الدعوات ليست رفاهية، بل اختبار أخلاقي: لا يرفضها إلا من يتهيب مواجهة الحقيقة، أو من يغطّي على جرائمه، ويخشى أن يسطع الضوء على قبحها.
المحققون الأمميون أكدوا، في بيانهم الأخير، أن كلا الطرفين مسؤول عن ارتكاب جرائم حرب منذ اندلاع النزاع في أبريل 2023. المدنيون، الذين صاروا مجرد أرقام على لوحة الهلاك، كانوا الهدف المباشر: عمليات الإعدام التعسفي، التعذيب، الاعتقالات، الحرمان من الغذاء والرعاية الطبية. ليست مآسي عرضية، بل استراتيجيات مدروسة، ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية، وتضع العالم أمام سؤال وجودي: كيف يمكن السماح بحدوث هذا دون مساءلة؟
المساءلة ليست خياراً، بل واجب قانوني وأخلاقي. إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب يعني استمرار المأساة، واتساعها بلا حدود، وجعل الفوضى مشهداً عبثياً دائم الحضور.
على الأرض، كل تحرك له ثمن. الاستعدادات تتصاعد، وتحشيد القوات يوحي بمعارك فاصلة قادمة. المدن والقرى والطريق الرئيسية في كردفان، كلها مسرح لتجربة الترويع والدم. كل شبر فيها اختبار للبقاء، وكل خطوة فيها صدى لرصاص ينسج خيوط الدمار.
نائب القائد العام للجيش، شمس الدين كباشي، أعلن من الأُبيّض: «لن نتوقف عن الحرب إلا باستسلام الخونة المارقين». المدينة الاستراتيجية صارت محطة لقطع الطريق على أي سلام، ومحطة لتوجيه قوات الجيش و”المشتركة” نحو الميدان، حيث ينتظرها صراع مباشر مع «مليشيا الدعم السريع»، التي تحاصر الفاشر منذ مايو 2024، وتنفذ جرائم وحشية ببرود ممنهج: القتل، التعذيب، الاغتصاب، التجويع، والتهجير القسري.
المليشيا تحذّر مما تسميه “مخطط إرهابي” للجيش، وتؤكد أنها في يقظة دائمة، مستعدة للزحف والدفاع عن مناطق سيطرتها. الجيش بدوره يوسع نطاق عملياته، ويعزز خطوطه في كردفان ودارفور، استعداداً لفك الحصار عن الفاشر واستعادة المناطق المحاصرة.
السودان اليوم مرآة للحرب في أقسى صورها. مرآة للبشرية في أفظع ما يمكن أن تصل إليه. كل صمت دولي، كل إفلات من المحاسبة، كل تأجيل للعدالة، هو لحظة أخرى تقرب البلاد من الانهيار الكامل. الصراع هنا لعبة وحشية، لا تعرف الرحمة ولا الإنسانية. لعبة تتفجر فيها الكلمات، بينما يظل الدم يتحدث بصوت أعلى من أي بيان، أعلى من أي وعد. هنا، في السودان، كل لحظةٍ امتحان، وكل يومٍ مواجهة بين البقاء والانكسار. وعلى الأمل، مهما كان هشاً، أن يجد له مكاناً وسط الرماد والفوضى.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم