باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 23 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

المسبعات، مملكة الإخوة الأعداء

اخر تحديث: 21 يوليو, 2026 5:30 مساءً
شارك

المسبعات، مملكة الإخوة الأعداء
سيرة سلطنة وُلدت من خصومة قصر، وعاشت على ظهر جمل، وماتت في بارا أكثر من مرة

د. الرشيد خليفة

مملكة من باب الخلاف
الممالك تولد عادة من فكرة كبيرة: رسالة سماوية، أو حلم إمبراطوري، أو في أسوأ الأحوال مجاعة تدفع الناس إلى التنظيم. أما مملكة المسبعات فقد ولدت من أقدم مؤسسة سياسية عرفها البشر وأغزرها إنتاجاً للدول: الخلاف العائلي. عرش واحد في جبل مرة وأبناء كثر، والعرش كما هو معلوم قطعة أثاث لا تقبل القسمة ولا الشيوع. فخرج فرع من البيت الكيراوي الحاكم في دارفور مغاضباً نحو الشرق، يحمل نسبه الملكي وقليلاً من الخيل وكثيراً من الطموح، ليقيم في سهول كردفان كياناً ظل نحو قرن ونصف قرن يذكّر أبناء العمومة في الغرب بحقيقة بسيطة: القصر الذي يضيق بأهله يفرّخ ممالك في الجوار.
وهذه سيرة مملكة لم تبنِ هرماً ولم تنصب مسلّة ولم تترك للسياح ما يصورونه، لكنها خلّفت ما هو أبقى من الحجر: عقدة جغرافية اسمها كردفان، ما زال المتحاربون حتى ساعة كتابة هذه السطور يتقاتلون عليها بالطائرات المسيّرة بدل الخيل، وعلى المدن نفسها التي تقاتل عليها الأجداد بالسيوف، وكأن التاريخ في هذه البلاد موظف حكومي يعيد تدوير الملف نفسه كل قرنين.

النشأة، حين لا يتسع القصر لكل الأبناء
يتفق المؤرخون على أن المسبعات والكيرا فرعان من أرومة واحدة، وأن المسبعات هم الطرف الذي خسر جولة القصر في دارفور فآثر أن يربح الجغرافيا شرقاً، فتحولوا من أمراء بلا عرش إلى ملوك بلا وطن ثابت، وهي صيغة سياسية عبقرية عاشوا عليها طويلاً [1]. أما الاسم فقد تنافست عليه الروايات كما تنافس أصحابه على الحكم: قيل نسبة إلى جدّ يدعى مسبّع، وقيل بل هم أحفاد سبعة إخوة خرجوا معاً، وكلا الروايتين تخدم الغرض نفسه: أن يكون في أول الحكاية عدد وفير من الورثة، فلا تنقطع سيرة الشقاق التي قامت عليها المملكة أصلاً [2].
ومنذ القرن السابع عشر تذكر الأخبار زعماء مسبعاتيين ينازعون سلطنة الفونج السيادة على كردفان، وأشهرهم في الروايات المبكرة زعيم يدعى جنقل، انتهت مناوشاته كما تنتهي مناوشات الصغار مع الكبار في ذلك الزمان: هزيمة، ثم تبعية اسمية لسنار، من ذلك النوع الذي يُدفع فيه الولاء بالكلام والجزية بالمماطلة [1]. غير أن القرن الثامن عشر كان زمن المسبعات الذهبي: بنى عيسى ود جامع سلطة فعلية في السهول كلما انحسر عنها مدّ سنار، ثم ورثها ابنه هاشم، وهو الرجل الذي اختصر المشروع المسبعاتي كله في شخصه: طموح لا يعرف الجغرافيا، وجيش لا يعرف الاستقرار، ويقين راسخ بأن كردفان ليست وطناً نهائياً بل غرفة انتظار على باب عرش دارفور.

الجغرافيا والبيئة، مملكة فوق رمل متحرك
قامت المملكة في سهول كردفان الشمالية والوسطى، بلاد القيزان الرملية التي تمتد بين النيل ودارفور كصالة عبور هائلة: لا نهر فيها يُسقى منه الشرف السياسي كما في ممالك النيل، ولا جبل يُحتمى به كما عند جيرانهم في تقلي، بل رمال وآبار وأشجار هشاب تنضح صمغاً، وحزام تماس بين الصحراء في الشمال والسافنا في الجنوب [3]. وكانت بارا، مدينة الآبار والبساتين الواقعة شمال شرقي الأبيض الحالية، درة هذا الملك وعاصمته الفعلية: واحة نخيل وخضرة وسط القيزان، وملتقى دروب القوافل، وقد قُدّر لها كما سنرى أن تكون أيضاً مقبرة كل من طمع فيها.

وحدود المملكة كانت أصدق تعبير عن طبيعتها: مطاطة، تتمدد مع خيل السلطان إذا انتصر، وتنكمش إلى محيط بارا إذا انكسر، حتى ليصح القول إن المسبعات لم تكن دولة ذات جيش بقدر ما كانت جيشاً ذا دولة، يحمل حدوده معه على ظهور الخيل ويعيد رسم الخريطة في كل موسم.

القبائل والمجتمع والثقافة والدين، ملوك طارئون فوق شعوب مقيمة
كان البيت الحاكم أقلية وافدة تطفو فوق بحر من السكان الأقدم: نوبة الجبال الشمالية في كاجا وكتول وأبو حديد، والغديات في الوسط، ثم القبائل العربية التي استوطنت السهول: الجوامعة والبديرية ودار حامد، والكبابيش رعاة الإبل في الشمال، والبقارة في التخوم الجنوبية الغربية، إضافة إلى الجلابة الوافدين من النيل، دناقلة وجعليين، الذين احتلوا الأسواق كما تحتل الجيوش المدن، ولكن بأرباح أفضل وخسائر أقل [3]. ولم يطلب المسبعات من هذا الخليط وحدة قومية ولا عقداً اجتماعياً، بل طلبوا منه ما تطلبه كل سلطة خفيفة الظل ثقيلة اليد: الجباية والمقاتلة عند الحاجة، والصمت فيما عدا ذلك.

أما الدين فكان إسلام الفقرا والخلاوى، ينتشر على أيدي رجال يعلّمون القرآن ويكتبون الحجبات ويتوسطون في النزاعات، بلا مؤسسة دينية مركزية كتلك التي رعتها سنار وقرّبتها دارفور. فالمسبعات كانوا أشغل بالحرب من أن يبنوا للعلم بيوتاً، وأقصر عمراً من أن ينشئوا تقليداً؛ وقد تُرك هذا الفراغ لمن جاء بعدهم: فما إن استقرت كردفان قليلاً في القرن التاسع عشر حتى صارت أرضاً خصبة للطرق الصوفية، ثم مهداً تفجرت منه المهدية نفسها، وكأن الأرض التي أهملها ملوكها دينياً قررت أن تعوّض ما فاتها دفعة واحدة [4].

الاقتصاد والتجارة والزراعة والعمران، دكان كبير على قارعة درب القوافل
اقتصادياً، كانت المسبعات أقرب إلى شركة جباية مسلحة منها إلى دولة عمرانية. فموقع كردفان بين النيل ودارفور جعلها وسيطاً إجبارياً في تجارة الإقليم كله: الصمغ العربي من أحزمة الهشاب، وهو الذهب اللزج الذي طلبته أسواق مصر وأوروبا قبل أن يعرف العالم النفط؛ والإبل والماشية من مراعي الشمال؛ والرقيق المجلوب من الجبال والجنوب عبوراً إلى أسواق النيل ومصر؛ وريش النعام والملح وما جادت به السافنا [4]. وكان دور الدولة في هذا كله محدداً بدقة: تؤمّن الدرب لمن دفع، وتقطعه على من لم يدفع، وتغزو الجبال إذا شحّت البضاعة، وهي وظائف أدّتها بكفاءة تحسدها عليها دول معاصرة كثيرة [5].
أما الزراعة فكانت زراعة الدخن والسمسم في القيزان، معاش الناس لا مشروع الدولة، وأما العمران فحدّث عن قلته ولا حرج: بارا ببساتينها وآبارها، وحواضر صغيرة من الطين والقش، ولا قصور ولا أسوار تُذكر. فالمملكة التي تعلم أن حدودها تتحرك كل موسم لا تستثمر في الحجر؛ ومن أراد أن يفهم فلسفة المسبعات العمرانية فليتأمل: لماذا يبني قصراً من يعرف أن ابن عمه قادم من جبل مرة لحرقه في الجولة القادمة؟

العلاقة مع الجيران، جيرة سوء بإجماع الجهات الأربع
في الغرب دارفور، الأهل الأعداء، وهي العلاقة المؤسِّسة للمملكة والقاضية عليها معاً. فالمسبعات في نظر سلاطين الفور لم يكونوا دولة أجنبية تُجاور وتُهادن، بل قضية عائلية معلقة وملفاً وراثياً لم يُغلق، وكان هاشم يرد التحية بأحسن منها: فهو لم يرَ نفسه ملكاً على كردفان، بل وريثاً شرعياً لعرش الفاشر اغتُصب حقه، وتدخّل في أزمات دارفور كلما اشتمّ رائحة خلافة شاغرة [5]. وهكذا ظل البيتان قرناً كاملاً يتبادلان الغزوات كما تتبادل العائلات الكريمة الزيارات في الأعياد.
وفي الشرق سلطنة الفونج، السيد الاسمي الذي كان يتذكر كردفان كلما فرغ من مشاكله، وقلّما فرغ. غير أن أخطر ما فعله الفونج بالمسبعات كان أيضاً أخطر ما فعله الفونج بأنفسهم: ففي منتصف القرن الثامن عشر جرّد بادي الرابع الشيخ محمد أبو لكيلك على رأس جيش لانتزاع كردفان من المسبعات، فانتزعها وأقام فيها والياً سنين [6]. ثم اكتشف أبو لكيلك وهو في كردفان ما يكتشفه كل قائد عسكري ناجح أُبعد عن العاصمة: أن الجيش الذي يطيعك في الأطراف يطيعك في المركز أيضاً، فعاد بجيشه إلى سنار وخلع السلطان وأسس وصاية الهمج التي حكمت الفونج باسمهم حتى النهاية [7]. وهكذا يمكن للمسبعات أن يفاخروا بأنهم صنعوا، من حيث لا يريدون، أعظم انقلاب في تاريخ سنار: كانوا التمرين العملي الذي تخرّج فيه حاكم السودان النيلي الجديد.
وفي الجنوب مملكة تقلي فوق جبالها، الجار الذي اشتهت السهول جباله قروناً ولم تنله. غزا المسبعات أطرافها طلباً للرقيق والحديد، فكان الجبل يبتلع الحملات كما يبتلع الرمل المطر، وتعلّم الطرفان مع الزمن قسمة عادلة: للمسبعات السهل وصمغه، ولتقلي الجبل ومناعته، ولكل منهما احتقار هادئ للآخر [4]. أما الشمال فكان مجال الكبابيش ودار حامد، رعاة يقيسون الولاء بميزان الموسم: مع السلطان إذا قوي، ومع أنفسهم إذا ضعف، وهم في الحالين مع إبلهم.

السقوط، ثلاث جنازات في بارا
في ثمانينيات القرن الثامن عشر بلغ طموح هاشم مداه: تمدد شرقاً حتى تخوم النيل الأبيض يقضم أطراف سلطة الهمج، وظل يلوّح بحقه في عرش الفاشر، حتى قرر السلطان محمد تيراب أن يستأصل الشجرة من جذرها. فخرج نحو سنة 1785 في حملة هي الأضخم في تاريخ دارفور، وتذكر الروايات أنه ساق معه أمراء البيت وأركان الدولة جميعاً، لحكمة سلطانية بالغة: من يصحب منافسيه في الغزو لا يجد عرشه مسروقاً عند العودة [8]. أما هاشم فطبّق المذهب العسكري المسبعاتي العريق: الانسحاب المنظم بوصفه فناً قتالياً قائماً بذاته، فانزلق شرقاً كلما تقدم تيراب، وجرّ خلفه أثقل جيوش العصر عبر القيزان حتى شارف النيل.
وانتهت الحملة الظافرة نهاية سودانية خالصة: احتل تيراب كل شيء ولم يمسك شيئاً، وعاد إلى بارا لينزل بها، فماتت الحملة في قائدها قبل أن تموت في هدفها. تجمع الروايات أنه قضى في بارا سنة 1786، وتضيف أكثرها أن السم كان أسرع إليه من المرض، بتدبير من حرم وأمراء أنهكتهم حملة لا يبدو أن صاحبها ينوي إنهاءها أو العودة منها [9]. وفي بارا نفسها، وعلى مرمى حجر من جثمان السلطان، اجتمع الأمراء يتنازعون الخلافة، فكانت المدينة التي لم تسقط في يد هاشم قد أسقطت خصمه، وسجلت أول جنازاتها الملكية الكبرى.
انتهز هاشم فوضى الخلافة فعاد إلى كردفان، لكن عودته كانت من ذلك النوع الذي يعرفه التاريخ جيداً: عودة الممثل إلى مسرح تغيّر جمهوره. فقد أخرجه رجال السلطان الجديد عبد الرحمن الرشيد، وصارت كردفان ولاية دارفورية يحكمها مقدوم، وتحول هاشم إلى شبح سياسي يكرّ ويفرّ من منفاه، وقد أدركه الرحالة براون في تسعينيات القرن وهو لا يزال يمارس هوايته المفضلة: تهديد كردفان من بعيد [10]. ثم غاب ذكره مطلع القرن التاسع عشر، فانطفأت المملكة كما تنطفئ نيران الرحّل: بلا إعلان، وبلا أثر يدل على مكانها بالضبط.
على أن بارا لم تكتفِ بجنازتين. ففي أغسطس 1821 وصلها الدفتردار (صاحب الدفاتر، وزير المالية) محمد بك خسرو بجيش محمد علي باشا ومدافعه، فكسر المقدوم مسلّم وقتله عندها، وطويت صفحة كردفان الدارفورية كلها في ضحوة واحدة [11]. المقدوم مسلّم: المصادر لا تحفظ له نسباً كاملاً مؤكداً، والشائع في المراجع ذكره باسم «المقدوم مسلّم» حافية. وتورد بعض الروايات المحلية اسمه «مسلّم ود كِرتِلّا» أو تصفه بأنه من رقيق البلاط الفوري المعتقين الذين ترقوا في خدمة السلطان — وهذا نفسه دال على طبيعة منصب المقدوم: رجل يصنعه السلطان صنعاً ويرفعه بالولاء لا بالنسب، فلا عشيرة له تنازع السلطان ولاءه. ولذا لا تستغرب غياب سلسلة نسبه من المصادر؛ فالرجل نسبه وظيفته. حكم كردفان نائباً عن السلطان محمد فضل، وواجه جيش إسماعيل باشا ثم قوة محمد بك الدفتردار عند بارا سنة 1821، وقُتل في المعركة أو في أعقابها بعد هزيمة جيشه — وبمقتله طُويت المقدومية الفورية في كردفان. ثلاث سياسات ماتت في بارا إذن: ملك المسبعات، وسلطان دارفور، ومقدوميته؛ ولو كانت المدن تُمنح ألقاباً لاستحقت بارا لقب مقبرة الطموحات الإقليمية، وهو لقب سنرى أنها ما زالت تدافع عنه بشراسة حتى يومنا هذا [12].

الحرب الحالية، التاريخ يعيد نفسه بطائرات مسيّرة
من يقرأ أخبار كردفان اليوم يحتاج جهداً حقيقياً ليتذكر أنه في القرن الحادي والعشرين لا الثامن عشر. فالحبكة هي هي: قوة فرسان قادمة من دارفور تتنازع سهول كردفان مع دولة النيل، والجائزة هي هي: بارا والأبيض ودروب القوافل، غير أن درب القوافل صار اسمه طريق الصادرات، والخيل صارت عربات قتالية ومسيّرات انتحارية، والسلاطين صاروا جنرالات لا يقلون عن أسلافهم شغفاً بالحسم العسكري ولا إخفاقاً في بلوغه.
وبارا، عاصمة المسبعات القديمة، تؤدي دورها التاريخي بإخلاص يثير الشفقة: سيطرت عليها قوات الدعم السريع ثم استعادها الجيش في سبتمبر 2025، ثم عادت للدعم السريع في أكتوبر وسط انتهاكات وصفتها منظمات حقوقية بجرائم الحرب وتهجير حوّل المدينة إلى ما يشبه مدينة الأشباح، ثم استعادها الجيش في مارس 2026، ثم عادت للدعم السريع بعد أحد عشر يوماً فقط [13]. مدينة تتقاذفها الأيدي خمس مرات في حرب واحدة؛ حتى في زمن تيراب وهاشم كان الإيقاع أرحم من هذا.

أما الأبيض، وريثة بارا في الصدارة منذ القرن التاسع عشر، فتعيش وضعاً يعرفه قراء هذا التاريخ جيداً: حاضرة محاصرة من محاورها، تُقصف بالمسيّرات وتتحصن بطريق وحيد يصلها بالنيل، بينما يحتشد الخصمان حولها لمعركة يقال إنها ستغير مسار الحرب، وهي عبارة قيلت عن معارك كثيرة في هذه البلاد ولم تغير المعارك شيئاً سوى عدد القبور [14]. والنتيجة الوحيدة المؤكدة حتى الآن: ملايين المدنيين نازحون، والقرى تُحرق، والخلاوى والمدارس تُستهدف، والصمغ العربي، سلعة المسبعات الأثيرة، ما زال يعبر خطوط النار ويدفع الإتاوة لمن بيده الطريق، وفياً لتقاليد ثلاثة قرون من الاقتصاد الكردفاني تحت الاحتكام للسلاح.
وتبقى المفارقة الكبرى التي تختصر القصة كلها: هاشم المسبعاوي أراد كردفان سلّماً يصعد به إلى عرش دارفور، وقادة اليوم القادمون من دارفور يريدونها سلّماً يصعدون به إلى عرش الخرطوم. انعكس اتجاه السلّم بعد قرنين ونصف، وبقيت كردفان في موضعها الأزلي: الدرجة التي يطؤها الجميع ولا يجلس عليها أحد.

في رثاء الأخ المطرود
عاشت المسبعات ومضة بين عملاقين، ومع ذلك تركوا درساً في السياسة لم يستوعبه أحد بعدهم: أن الشرعية في هذه البلاد بضاعة تُصنع بالسيف وتُسوَّق بالنسب، وأن من طُرد من قصر يستطيع دائماً أن يبني حوله بلاداً، وأن كردفان تحديداً أرض تمنح الجميع ممراً ولا تمنح أحداً مقاماً. مملكة الإخوة الأعداء ذهبت، لكن قصتها ما زالت تُعاد علينا كل جيل أو اثنين بممثلين جدد وديكور أفقر، ونحن جمهور مثالي: نصفق للفصل الأول في كل مرة، وننسى أننا شاهدنا النهاية من قبل. ما النهاية التي شاهدناها؟ شاهدناها سنة 1821: بعد قرن من اقتتال الإخوة على كردفان، لم يظفر بها أخ منهما — جاء طرف ثالث من خارج المسرحية كلها، الدفتردار وجيش الباشا، فمسح اللوح في معركة واحدة عند بارا: طويت المقدومية، ودُفنت أحلام المسبعات، وسقطت سنار بلا معركة. فعبرة النهاية التي يعرضها التاريخ أمامنا: حين يستنزف الإخوة بعضهم على الأرض المفتوحة، لا تكون الجائزة لأقواهما بل لمن ينتظر خارج الباب. والثابت الوحيد في العرضين، الفيلم القديم والجديد، فهو من يدفع أجر الممثلين جميعاً: أهل الأرض، ورثة رعايا تقلي، الذين حضروا كل العروض من موقع واحد لم يتغير منذ أربعة قرون: قاع الهرم، حيث تُدفع الضرائب لكل منتصر، والدم لكل معركة، والنزوح ثمنا لتذكرة عرضٍ لم يطلبوا مشاهدته أصلاً.

المراجع
[1] R. S. O’Fahey & J. L. Spaulding, Kingdoms of the Sudan, Methuen, London, 1974.
[2] H. A. MacMichael, A History of the Arabs in the Sudan, 2 vols., Cambridge University Press, Cambridge, 1922.
[3] H. A. MacMichael, The Tribes of Northern and Central Kordofán, Cambridge University Press, Cambridge, 1912.
[4] Janet J. Ewald, Soldiers, Traders, and Slaves: State Formation and Economic Transformation in the Greater Nile Valley, 1700–1885, University of Wisconsin Press, Madison, 1990.
[5] R. S. O’Fahey, The Darfur Sultanate: A History, Hurst & Company, London, 2008.
[6] كاتب الشونة (أحمد بن الحاج أبو علي)، مخطوطة كاتب الشونة في تاريخ السلطنة السنارية والإدارة المصرية، تحقيق الشاطر بصيلي عبد الجليل، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1961.
[7] Jay Spaulding, The Heroic Age in Sinnar, African Studies Center, Michigan State University, East Lansing, 1985.
[8] محمد بن عمر التونسي، تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان، تحقيق خليل محمود عساكر ومصطفى محمد مسعد، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، 1965.
[9] Gustav Nachtigal, Sahara and Sudan, Vol. IV: Wadai and Darfur, translated by A. G. B. Fisher & H. J. Fisher, C. Hurst, London, 1971.
[10] W. G. Browne, Travels in Africa, Egypt, and Syria, from the Year 1792 to 1798, T. Cadell and W. Davies, London, 1799.
[11] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، مطبعة المعارف، القاهرة، 1903.
[12] مكي شبيكة، السودان عبر القرون، دار الثقافة، بيروت، 1965.
[13] سودان تربيون، «الدعم السريع تسيطر على بارا بشمال كردفان وكرنوي بشمال دارفور»، 16 مارس 2026، https://sudantribune.net/article/311808
[14] الجزيرة نت، «الجيش السوداني يستعيد مدينة بارا شمال كردفان»، 5 مارس 2026، aljazeera.net

rkhalifa747@gmail.com

الكاتب
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الذكرى الاولي لمجزرة فض الاعتصام .. بقلم: تاج السر عثمان
الحكومة الموازية.. نعم.. ولا!! الجزء الثالث
الأخبار
دقلو يدعو للإسراع في تنفيذ بنود سلام جنوب السودان
منبر الرأي
يحاربون الجهل و نقدسه نحن!!!
منبر الرأي
توضيح عاجل: التأريخ الصحيح للعصيان القادم

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

تعثر جهود السلام في دارفور: ديمقراطية السلاح أم سلاح الديمقراطية؟ .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

د. عبد الوهاب الأفندي
منبر الرأي

أسئلة لا تحتمل الهروب! .. بقلم: د. منتصر أحمد ابنعوف/جامعة النيلين

طارق الجزولي
منبر الرأي

سراويل الصبر .. بقلم: عبدالماجد موسى/ لندن

طارق الجزولي
منبر الرأي

وفود مرافقة لزعماء غيرت مجرى التاريخ .. بقلم: بشرى أحمد علي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss