المشهد السوداني في حاجة ماسة الي من يتولى زمام الحكمة

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
المشهد السوداني تداخلت وتشابكت أحداثه بصورة يصعب تلخيصها أو التنبؤ بشكل المخرج، لكن هذه الحرب المؤلمة، بإذن الله، إلى نهاية حتمية. وسيسجل التاريخ أن سياسيي وعسكر السودان، بسبب السلطة، دخلوا في حرب تُسمى “الحرب الخائبة”، كان حصادها أن دمّروا بلدهم، وشرّدوا ونهبوا وقتلوا شعبهم.
لقد هبطت “الحرب الخائبة” بالسودان إلى القاع، لكن لعلها كانت ضرورية للمزيد من الوعي الجمعي، ولتأكيد أن ثورة ديسمبر باقية، وأن إرادة الشعب في الحرية والعدالة والوحدة والسلام ستظل هي الغالبة.
لا أكتب نكاية في الجراح، ولا نيلاً من أحد، فالمشهد لا يحتمل المزيد، لكنني أمارس حقي في الرأي، متفاعلاً مع قضايا الوطن وخطورة المرحلة، ومحاولاً إيقاظ ضمائر أطراف هذا المشهد المأزوم، بتذكيرهم بخزيهم وفشلهم المتراكم، ولتأكيد أنه لا خيار، ولا نجاة لأحد، إلا باعتراف الجميع بالفشل، وقبولهم ببعضهم البعض، والدخول في حوار جاد يقود إلى المخرج الآمن.
أهل الإنقاذ:
حمايةً لنظامهم، ارتكبوا الجرائم، وسيّسوا وسيطروا على كل مرافق الدولة، وفصلوا الجنوب بعد “جهادهم” الكاذب، وكانت جرائم دارفور، والاستعانة بالدعم السريع للقضاء على الحركات المسلحة. لكن، رغم كل ذلك، أسقطتهم ثورة ديسمبر العظيمة.
صحيح أنهم عادوا بانقلاب أكتوبر، لكنهم عادوا متحالفين مع الحركات المسلحة، أعداء الأمس، ومختفين خلف الجنرال المغامر البرهان، الذي لا يُؤمن له جانب، لكنهم لا يستطيعون التخلي عنه، فالشعب رفضهم، والخارج لا يطيقهم. لذلك ظلوا في حالة إنكار لعلاقتهم بالانقلاب، ففقدوا متعة السلطة، لينتهي الأمر إلى ما أسموه “حرب الكرامة”، وليغتنموها فرصة لمحاولة العودة للحكم علنًا كمنتصرين لـ”كرامة” الشعب، فتمسكوا باستمرارها، وكثّفوا إعلامهم للنيل من كل من يتحدث باسم الثورة، وقاموا بقطع الرؤوس أمام الشاشات تخويفًا للناس.
وأخيرًا، تعبوا من حرب بلا نهاية وبلا منتصر، وبدأ الخارج يندد بممارساتهم، والدولة تترنح تحت أقدامهم، فخططوا لتشكيل حكومة “كفاءات مستقلة” يلتمسون منها الشرعية، ولتحميهم من السقوط، وليتخلصوا من عبء مشاركة حركات دارفور، خاصة أن هناك أصواتًا بدأت تطالب بفصل دارفور، ومحاولات خفية للتقارب مع حميدتي.
وبطبيعة المصائب، فإنها تجمع المصابين، لكنها أيضًا تفرّقهم؛ فقد وقفت الحركات في طريق خطة “الكفاءات المستقلة”، وحرمت الإنقاذيين من الانفراد بسلطة شاركوهم نهبها من الشعب. وإذا كان “المجد للبندقية”، فهم أيضًا يحملونها، فجاء تشكيل الحكومة مخيبًا لما خُطط له.
لقد وصلت الأمور لمرحلة تستوجب من قادة المؤتمر الوطني أن يتحسسوا عقولهم، لا بنادقهم. قد تستكثرون علينا النصح، لكننا نتمسك بحقنا في الرأي والتذكير. انظروا حولكم، فقد جربتم كل السبل للرجوع، وانسدت أمامكم. أنتم في حاجة ماسة إلى مراجعات عميقة وصادقة، والاعتراف بالجرم في حق الوطن. السياسة في السودان لم تعد تُدار بالتحايل ولا بتخويف الناس. لقد تغيّر زمن مؤامرات الظلام، فالحرب أصابت الناس بصدمات مؤلمة في النفس والعِرض والمال، فأزالت جدار الخوف تمامًا، وخلقت واقعًا جديدًا يتشكل من حولكم.
تحالف “تأسيس”:
عليه أن يكون مدركا لخطورة المشهد وصادقًا في سعيه للسلام وللتأسيس لوطن جديد، جامع وعادل، وأن يكون جادًا وفاعلًا في الوقوف ضد الحرب، وفي إنهائها، وفي بناء السلام. وأن يمد جسور الثقة للتواصل مع كل الأطراف للخروج من الأزمة، وأن يكون انفتاحه على الخارج لدعم حل وطني خالص، يتمسك بوحدة الوطن، وخيار الشعب في الديمقراطية، وحقه في خضوع الجميع لمبدأ المحاسبة.
الجنرال البرهان:
أتى إلى السلطة يحمل بعضًا من أوزار الإنقاذ في دارفور، وأضاع فرصته في غسلها، ولو جزئيًا، بالانتصار للثورة. عُرف كجنرال مغامر لا يهتم بمصداقيته. قاد انقلاب مجزرة القيادة، ثم عاد ووقّع على الوثيقة شريكًا في الفترة الانتقالية، لكنه عمل على تعويقها، ثم وأدها بانقلاب أكتوبر الذي فشل في تسييره. ساهم في الاتفاق الإطاري، لكنه مارس مراوغاته وتردده في التوقيع، إلى أن نشبت الحرب. وهو المسؤول الأول عن استمرارها، وما يلحق بالناس، وما يعمّ البلد من فوضى وفساد ونهب الموارد للخارج.
بحكم موقعه في السلطة، لا تزال أمامه فرصة للإمساك بزمام الأمور، والتصرف كقائد مسؤول يدرك خطورة المشهد ومآلات … عليه أن يبادر فورًا بما يؤدي إلى جمع الصف وإنهاء الحرب، وحفظ ما تبقى من الوطن.
تحالف قوى الحرية والتغيير (ق. ح. ت):
عانت “قحت” من ضعف الانسجام الداخلي نتيجة التباين الأيديولوجي، واختلاف الأجندات بين مكوناتها. انسحبت الكثير من الكيانات احتجاجًا على طريقة الإدارة، وعدم المصداقية في الاضطلاع بالمهام. واجهت انتقادات بالإقصاء، وضعف التواصل مع الشارع، ورفعها شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان بشكل انتقائي، ولجوء بعض مكوناتها إلى الخطاب الشعبوي، بتكرار الحديث عن جرائم النظام السابق دون تقديم رؤية أو حلول واقعية للتحديات.
كرّرت ذات ممارسات النظام البائد في الإقصاء، والمحاصصات الحزبية، وعدم الشفافية في ممارسة المهام، مما أدى إلى تراجع شعبيتها، وتخبط التجربة الانتقالية، التي كانت محاطة بالتربص والتحديات الجسيمة.
بعد الحرب، تحولت “قحت” إلى “تقدّم”، ثم “صمود”. انشق البعض، وانضم آخرون. بقيت “صمود” الجسم السياسي الوحيد الفاعل الذي يتحدث باسم الثورة. لكن لا زال قادتها دون تحديات المرحلة. عليهم التواضع وقبول النقد، ومراجعة بعض المواقف وطريقة الأداء، للاضطلاع بدورهم المنتظر.
الحركات المسلحة:
وقّعت اتفاقية جوبا، وحصلت على السلطة والمال والامتيازات، ودخلت العاصمة بجيوشها بحجة تنفيذ الترتيبات الأمنية، التي لم يُفتح ملفها حتى نشوب الحرب. عند اندلاع الحرب تريّثت، ومع انتقال المعارك إلى دارفور، وقفت إلى جانب الجيش.
بوجودهم داخل النظام، تأكد لقادة الحركات أن الجيش والدولة يُداران من خارجهما، بأجندة المؤتمر الوطني التي تشكّل خطورة على وحدة وسلام الوطن. فأجهضوا خطة “الكفاءات المستقلة”.
ردًا على تسريبات رفض مرشح وزارة المعادن، قال مناوي متحديًا: “ما عندنا مرشح يترفض”. وقبله، عند حل الحكومة التي كان يتقلد فيها منصب وزارة المالية، قال د. جبريل محذرًا: “انضمامنا إلى الجيش في هذه الحرب من أجل مصالحنا. الجيش هو الطرف الذي وقّعنا معه اتفاقية سلام، وهو الطرف الذي يمكن أن يضمن لنا حقوقنا، لكن للأسف، الجيش يُدار من خارج المؤسسة العسكرية”.
هذه التصريحات تكشف عدم ثقة قادة الحركات فيمن يتولون الحكم ظاهرًا، أو من يديرونه من خلف الكواليس. ولعلهم أدركوا من هي الجهة التي تقف في طريق ملف الترتيبات الأمنية! ولماذا!، وما يدور عن فصل دارفور، والسعي سرًا للتصالح مع حميدتي، بما يشكل عليهم خطورة بالغة. فتعمدوا هذه التصريحات التي تشكل حرجًا كبيرًا لجنرالات الجيش وقادة المؤتمر الوطني، وتضع الجميع أمام أسئلة بالغة التعقيد:
أمام الحركات: إلى أي مدى سيستمر تحالفهم مع من يخططون ضدهم في السر؟
وأمام قادة المؤتمر الوطني: كيف يمضون في تنفيذ خططهم بعيدًا عن قادة الحركات؟
وأمام جنرالات الجيش: إلى متى يقبلون بهذا الوضع الذي لا يشرفهم، ولا يشرف القوات المسلحة؟
للخروج من هذا المشهد المخيف، المنتظر أن يتصرف قادة الحركات عكس التوقعات التي تقول بأنهم سيستغلون هذا الواقع للابتزاز الخاص، ويتصرفوا بحكمة وكرجال دولة، ليس فقط لأنهم يدركون أن التماهي مع هذا الواقع يشكل خطورة عليهم، وإنما أيضًا لإنقاذ الوطن من التقسيم، ومن كل مآلات خطورة مشروع المؤتمر الوطني على البلد.
المنتظر منهم أن يتعاملوا بحكمة يسجلها التاريخ، بالاجتماع بقادة الجيش، لتنبيههم إلى خطورة صمتهم على ما يهدد مستقبل البلد ووحدته وسلامته، وأن يكون ذلك مدخلًا للتصدي لإنهاء الحرب، ومواجهة الأزمة الوطنية.
لا خلاص للسودان إلا بتحرر أبنائه من الكبرياء الزائف، والنفوس المثقلة بالإنكار، والاعتراف الجماعي بالفشل، والتخلي عن المصالح الضيقة، ومنطق الغلبة والسلاح وادعاء الرجولة وحب الزعامة، والانحياز لإرادة هذا الشعب العظيم، الذي يستحق كل خير.
اللهم احفظ السودان وجميع اهله.
aabdoaadvo2019@gmail.com

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …