أولًا: أطراف المشهد
(1) حكومة بورتسودان:
نشأت في أكتوبر 2021، بانقلاب المكوّن العسكري، بالتحالف مع الإسلاميين والحركات المسلحة، على الحكومة الانتقالية (وثيقة 2019). عُدِّلت الوثيقة بتكريس كل السلطات في يد السيادي (البرهان). واجه الانقلاب مقاومة شعبية وعدم اعتراف الخارج، مما فاقم الأزمة وأدى إلى نشوب الحرب. رفع الانقلاب شعار “نعم للحرب” و”المجد للبندقية”.
لقرابة خمس سنوات، ظلّ الانقلاب بدون حكومة مدنية. وأخيرًا تم تعيين د. كامل إدريس لتشكيل ورئاسة حكومة مدنية، لكن الإسلاميين لم يتحمّلوا حتى فكرة أن يتولى غيرهم، ولو شكليًا، هذه المهمة، فقاموا بتعيين بعض الوزراء من صفوفهم، وقد علّق أحد منسوبيهم على ذلك: “لا داعي لدفن الرؤوس في الرمال”.
(2) حكومة نيالا:
قوامها قوات الدعم السريع التي انشقت عن الجيش عند اندلاع الحرب، وكونت “تحالف تأسيس” مع الحركة الشعبية وبعض الأحزاب وبعض حركات دارفور وشخصيات مستقلة. وقعت “تأسيس” ميثاقًا يتحدث عن حل جذري للأزمة بالتحول إلى الدولة المدنية العلمانية، والتداول السلمي للسلطة، والتنمية المتوازنة، وعدالة توزيع الثروة.
تم تكوين هيئة قيادة برئاسة الفريق حميدتي وعبد العزيز الحلو نائبًا له، وحتى الآن لم تُشكّل حكومة مدنية.
(3) حكومة د. كامل إدريس:
أدى الانقلاب، وعدم الاعتراف الدولي، ونشوب الحرب، وتفشي الفوضى والفساد المالي والإداري وسط مكونات حكومة بورتسودان، إلى فراغ سياسي يهدد بالانهيار، فضلًا عن تدهور الخدمات وخطورة الأوضاع الأمنية في العاصمة. كل ذلك خلق حاجة ماسة لحكومة مدنية قوية تفرض هيبة الدولة، وتجمع السلاح، وتستعيد الأمن، وتخطط لاستعادة الخدمات من صحة وتعليم وكهرباء ومياه في حدها الأدنى.
لذلك، كان قرار تعيين د. كامل رئيسًا للوزراء، بعيدًا عن دوافعه وعدم شرعيته، قد بعث بعض الأمل في النفوس. فحتى الذين سخروا من التعيين ظلّ يتراودهم شيء من الأمل في وجود حكومة مسؤولة تجاه قضايا المواطن الملحّة، بدليل متابعة وتفاعل الجميع مع مراحل تشكيل الوزارة، إلى أن اتضح أن د. كامل لا يملك من حكومة “الكفاءات المستقلة” التي وعدنا بها، سوى تسميتها بـ “حكومة الأمل”.
(4) حكومة ولاية الخرطوم:
تعاني ولاية الخرطوم دمار المنشآت العامة والخاصة وبنية الخدمات. حسب الإعلام، يبذل السيد الوالي مجهودات كبيرة لتوفير الخدمات الأساسية والأمن، بما يغري سكانها للعودة. لكن ما رشح ممن عادوا للخرطوم ثم غادروها، يكشف أن الأمر يفوق مقدراته وإمكاناته، خاصة فيما يتعلق بالحالة الأمنية وكثرة الأجانب وحملة السلاح.
أكد الوالي بنفسه حقيقة خطورة الوضع الأمني بقراره المخيف الذي يناشد فيه المواطنين بالعودة مقابل توزيع السلاح عليهم لحماية أنفسهم!
مواطنو العاصمة معظمهم يعانون أوضاعًا قاسية في نزوحهم الداخلي والخارجي، ومشاكل تعليم الأبناء، بما يجعلهم على استعداد للعودة وتجاوز ما لحق ببيوتهم ومحتوياتها من دمار ونهب. لكن عدم وجود الأمن، لدرجة أن يُطلب منهم حمل السلاح لحماية أنفسهم، قد يجعل الكثيرين يُمسكون عن العودة.
(5) تحالف “تقدّم”:
تحالف مدني يُمثّل أهم تيارات قوى الثورة، تأسّس في مصر بعد الحرب بقيادة د. حمدوك. يضم كيانات منها أحزاب من قوى الحرية والتغيير، وممثلين عن بعض قوى الثورة، وشخصيات مدنية مستقلة. يتبنى موقفًا رافضًا للحرب، ويدعو لإنهاء الانقلاب والعودة لمسار التحول الديمقراطي، بما يعكس تطلعات غالبية الشعب السوداني.
نشبت داخله خلافات حول مقترح تشكيل حكومة مدنية مدعومة عسكريًا في مناطق الدعم السريع، مما أدى إلى انشقاق حركتي الهادي إدريس والطاهر حجر، وقيادات مدنية بارزة، فتحوّل ما تبقّى إلى تحالف جديد باسم “صمود”.
ظل هذا التحالف يواجه تحديات عدم الفاعلية، فهو لا يملك أدوات ضغط مؤثرة، لأنه ليس طرفًا في الحرب، وبلا حاضنة جماهيرية نتيجة التشرد الداخلي والخارجي، وانقسام القوى المدنية. لذا، اقتصرت تحركاته غالبًا على مناشدة قادة الانقلاب والمجتمع الدولي، الذي يصنف الحرب السودانية كأزمة داخلية معقدة. كما تتداخل وتتصادم مصالح إقليمية ودولية حول السودان، ولذلك يتم التعامل خارجيا مع الأزمة السودانية ببرود.
(6) الأحزاب السياسية:
ليس لها وجود مستقل مؤثر في المشهد. بعضها فضّل الصمت، وبعضها يعاني من الانشقاقات والتصدعات الداخلية، وبعض كوادرها أصبحت موزعة ما بين “صمود” و”تأسيس”، وبعضها عُرضة للاستقطاب.
(7) الشعب السوداني:
هو الحاضر المُغيَّب عن المشهد؛ يُستدعى كشعار، ويُستبعد كصاحب مصلحة حقيقية.
—
ثانيًا: احتمالات مآلات هذا المشهد:
▪التحالف بين قادة الانقلاب والحركات ضد الديمقراطية دوافعه مختلفة، فالأوائل همهم الإفلات من المحاسبة، بينما الحركات، رغم جريها الآن وراء مصالح خاصة، إلا أن مصالح شعب دارفور في السلام وعدالة الثروة والتنمية تظل قائمة. لذلك، هذا التحالف قابل للانفجار في أي وقت، خاصة مع وجود حركات أخرى ضمن تحالف “تأسيس” الذي يلبي مصالح أهل دارفور.
▪الحركات استعادت مواقعها في السلطة ليس بناءً على استحقاق أخلاقي أو سياسي مشروع، بل لأنها شريك في جريمة الحصول على سلطة غير شرعية، وتعرف خبايا ما يدور داخل هذه السلطة، وتشارك مكوناتها في فسادها، وبالتالي تعرف “من أين تُعض”، مما يجعل من الصعب إقصاؤها. ومثل هذا التحالف قابل للانهيار.
▪التحالف بين قادة الانقلاب والإسلاميين تحالف اضطراري، يعاني من اختلاف الأجندات وانعدام رؤية مشتركة لإدارة الدولة. قادة الانقلاب قد يجدون أنفسهم مضطرين للتفاوض على خروجهم من المشهد، بينما يتمسك الإسلاميون بالحكم، رافضين دعوات المصالحة، ليس لتجنب دفع استحقاقاتها فحسب، ولكن أيضًا لأن فكرة الإسلام السياسي فكرة إقصائية. لذلك، هذا التحالف تسوده الهواجس وانعدام الثقة، حيث يخشى كل طرف غدر الآخر، مما يجعله تحالفًا هشًّا قابلًا للانفجار.
▪مناخ الحكم الحالي في مجمله، شديد الاضطراب وينذر بالانفجار. فالإسلاميون يسعون لاستمالة الدعم السريع لتحالف جديد، لكن انخراط الأخير في تحالف “تأسيس” يعرقل ذلك. في المقابل، تحاول قوى الثورة التفاوض مع البرهان ورفاقه لتسوية تضمن خروجهم من المشهد، غير أن هؤلاء يخضعون لرقابة مشددة من حلفائهم الإسلاميين. وسط هذه التجاذبات المعقدة، تبدو الحركات المسلحة فرع بورتسودان، وكأنها فاقدة للهوية السياسية والمبدئية، وتتحول من فاعل مؤثر الي ضحية محتملة لهذه الصراعات.
▪تحالف “تأسيس”، رغم أنه يقوم على رؤية واضحة وطرح حلول للأزمة السودانية، إلا أنه يُنظر إليه بأنه تحالف أصحاب البندقية. وأكثر من ذلك، فإن رئاسة الفريق حميدتي للتحالف، رغم وجود الكوادر السياسية المؤهلة، جعلت البعض ينظر إليه كنوع من غسيل اليدين الملطخة بدماء الشعب. ثم تبقى هواجس حول جدية عبد العزيز الحلو في طرح الحلول والرغبة الأكيدة في السلام والوحدة. وهل تُعدّ تلك الحلول أجندة تفاوض قابلة للنقاش، أم مسلمات مفروضة بقوة السلاح، بما يضعنا بين مطرقة أيديولوجيا دينية متطرفة وسندان أيديولوجيا علمانية لا تقل عنها تصلبًا؟!!
أخيرًا:
في ضوء ما أوجزتُ، يبدو أن المستقبل القريب يحمل تحديات جسيمة، ومع ذلك، سيأتي اليوم الذي تكون فيه إرادة الشعب السوداني هي الغالبة.
نسأل الله أن يُلهمنا جميعًا السداد، ويهيئ لنا من أمرنا رشدًا.
aabdoaadvo2019@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم