من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان: مقالات من بطون كتب
مقدمة
في امتدادٍ لما تناولناه في المقال السابق يوم امس بعنوان «النظم المصرفية: القلب النابض للاقتصاد»، نواصل اليوم مسار البحث في عمق العلاقة بين الوظيفة المصرفية والمسؤولية التنموية، لنقف عند المفترق الدقيق الذي تواجهه المصارف في الدول النامية، حيث تتقاطع ضرورات الربحية مع متطلبات التنمية الشاملة.
فإذا كانت النظم المصرفية، كما أشرنا سابقًا، هي القلب الذي يضخ الدم في شرايين الاقتصاد، فإن المصارف في العالم النامي تمثل العضو الذي يتحمّل عبء التوازن بين الحياة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. إنها مؤسساتٌ لا تكتفي بجمع المدخرات وتدوير رؤوس الأموال، بل تحمل على عاتقها مهمة المشاركة في بناء الوطن وتنشيط إنتاجه، لا مجرد تمويل استهلاكه.
ومن هنا، تأتي أهمية النظر في الدور المزدوج للمصارف في بيئات تتسم بالهشاشة الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وضعف البنية الإنتاجية. كيف يمكن للمصرف أن يكون تاجرًا كفؤًا وشريكًا في التنمية في آنٍ واحد؟ وكيف يمكن تحويل أدوات السوق المالية إلى روافع حقيقية للنمو لا إلى وسائط ربح مؤقت؟
هذه الأسئلة تمثل مدخلنا لمقال اليوم، الذي يحاول أن يقرأ تجربة المصارف في الدول النامية من زواياها المتعددة: بين طموح الربح ومقتضيات التنمية، وبين الواقع البنيوي والتجارب الإصلاحية في السودان ومصر وغانا.
المصارف في الدول النامية — بين الدور التنموي والربحي
تُعدّ المصارف في عالم اليوم قلب النشاط الاقتصادي ومحرّك دَوران رؤوس الأموال، كما جاء في مقالنا يوم أمس؛ فهي لا تكتفي بجمع المدّخرات وتوجيهها نحو الاستثمار، بل تشكّل ركيزة البنية المالية التي تُبنى عليها السياسات النقدية وأدوات الاستقرار الاقتصادي.
وفي الدول النامية على وجه الخصوص، تتخذ المصارف موقعًا بالغ الحساسية، إذ تقع بين مطرقة الحاجة إلى الربحية وسندان الواجب التنموي. فهي مطالبة بتحقيق عائد لمساهميها من جهة، وبالقيام بدورٍ وطني في تمويل الزراعة والصناعة والبنية التحتية من جهة أخرى. وهذه الازدواجية هي التي تجعل أداءها متذبذبًا بين التوجّه التجاري البحت والتوجه التنموي الشامل.
لقد ورثت معظم الدول النامية نظمًا مصرفية صُمّمت في الأصل لخدمة الاقتصاد الاستعماري أو المدن الحضرية الكبرى، بينما تُركت الأرياف والمشروعات الصغيرة على هامش التمويل. ومع مرور الزمن، صار من اللازم إعادة تعريف وظيفة المصرف بحيث لا يكون «وسيطًا نقديًا» فحسب، بل «شريكًا تنمويًا» يقيس نجاحه بقدر ما يسهم في زيادة الإنتاج وفرص العمل لا بارتفاع أرباحه فقط.
أولًا: الطبيعة المزدوجة للمصارف في الدول النامية
تتسم المصارف في هذه الدول بطبيعة مزدوجة، فهي في ظاهرها مؤسسات ربحية تجارية، وفي جوهرها أدوات تنفيذ للسياسات الاقتصادية العامة. فالبنك المركزي يوجّهها عبر أدوات السياسة النقدية، كالسقوف الائتمانية وسعر الفائدة والاحتياطي القانوني، بينما تسعى إداراتها للحفاظ على الربحية وتقليل المخاطر.
هذا التداخل يجعل المصرف في الدول النامية كمن يسير على حبلٍ مشدود: إن شدّ على الربحية اختلّ توازنه الاجتماعي، وإن مال نحو التنمية خسر كفاءته التجارية. لذلك تبقى المعادلة الأصعب هي كيف يُدار المصرف بحيث يجمع بين كفاءة السوق وعدالة التنمية.
ثانيًا: إشكالية التمويل الإنتاجي مقابل التمويل الاستهلاكي
تشير معظم الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الائتمان المصرفي في الدول النامية تذهب نحو الأنشطة التجارية والاستهلاكية، بينما تُهمَل القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة. والسبب في ذلك أن التمويل الاستهلاكي سريع الدوران وأقلّ مخاطرة، بينما التمويل الإنتاجي طويل الأجل ومحفوف بالمخاطر المرتبطة بالطقس، والبنية التحتية، وتقلبات الأسعار.
وهنا يظهر الخلل البنيوي: فالمصرف الذي يُفترض أن يكون محرّكًا للنمو يصبح مساهِمًا في تضخيم الطلب الاستهلاكي دون أن يزيد العرض الإنتاجي، مما يقود إلى تضخمٍ غير منتج وتدهورٍ في قيمة العملة.
إن إعادة التوازن بين نوعي التمويل تتطلب تشجيع المصارف على الدخول في شراكات إنتاجية، وتقديم ضمانات حكومية أو صناديق تنموية تخفف من المخاطر، حتى يتحول التمويل المصرفي إلى قاطرة للنمو الحقيقي لا إلى وقود للاستهلاك المؤقت.
ثالثًا: دراسات حالة مختصرة — السودان، مصر، غانا
- السودان:
اعتمد السودان على النظام المصرفي الإسلامي منذ ثمانينيات القرن الماضي، فبرزت صيغ التمويل بالمضاربة والمشاركة والمرابحة. غير أن ضيق رأس المال وتقلّب السياسات النقدية أضعفا قدرة المصارف على تمويل المشروعات التنموية، خصوصًا في الأرياف. ومع ذلك، تبقى تجربة التمويل الأصغر والتمويل الزراعي عبر بنك المزارع من المحاولات الجديرة بالدراسة، لما حملته من روح المشاركة لا المديونية. - مصر:
شهدت مصر منذ عام 2004 إصلاحات مصرفية واسعة تمثلت في إعادة هيكلة البنوك العامة ورفع كفاية رؤوس الأموال، ما أدى إلى استقرار الجهاز المصرفي وزيادة الثقة فيه. غير أن التمويل الإنتاجي ظلّ محدودًا نسبيًا مقارنة بالتمويل التجاري، رغم المبادرات الأخيرة التي أطلقها البنك المركزي لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بفوائد ميسّرة. - غانا:
قدّمت غانا تجربة مميزة في مجال الشمول المالي، حيث توسّعت المصارف في الخدمات الرقمية وربطتها بالمشروعات الصغيرة والزراعة. وأسهمت تلك السياسات في رفع نسبة الشمول المالي إلى أكثر من 70%، ما جعلها نموذجًا إفريقيًا جديرًا بالاقتداء في الجمع بين الربحية والاستدامة الاجتماعية.
رابعًا: معوقات الدور التنموي للمصارف
رغم الجهود المبذولة، تظل معوقات عديدة تعرقل تحول المصارف إلى أدوات تنمية فعالة، أبرزها:
- ضعف رؤوس الأموال وقصور القدرة على تمويل المشروعات الكبرى.
- غياب الحوكمة الرشيدة وضعف الرقابة على مخاطر الائتمان.
- التدخل السياسي الذي يفرض أحيانًا تمويلات غير مدروسة لأسباب اجتماعية أو انتخابية.
- الجمود في الابتكار المالي، إذ لا تزال بعض المصارف تعمل بنماذج تقليدية لا تتناسب مع طبيعة الاقتصاد الحديث.
إن تجاوز هذه المعوقات يتطلب رؤية إصلاحية تقوم على استقلالية القطاع المصرفي وتفعيل أدوات التكنولوجيا المالية، مع توجيه الأرباح نحو مشاريع ذات أثر اجتماعي ملموس.
خاتمة: نحو مصرف تنموي بآليات ربحية مستدامة
إن بناء نموذج مصرفي تنموي في الدول النامية ليس مهمة مستحيلة، بل هو ضرورة اقتصادية وأخلاقية في آنٍ واحد. فالمصرف الذي يوازن بين الربح والمسؤولية المجتمعية يسهم في استقرار العملة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتقليص الفوارق الاجتماعية.
ولن يتحقق ذلك إلا عبر تحرير الإرادة المصرفية من هيمنة الربح القصير الأجل، وإعادة توجيه رأس المال نحو الإنتاج الحقيقي، مع دعمٍ حكومي ذكي لا يعطل السوق بل يرشدها.
إن تجربة السودان ومصر وغانا تُثبت أن الإصلاح ممكن متى ما توافرت الإرادة والرؤية، وأن الطريق نحو مصرفٍ عربي تنموي متوازن لا يزال مفتوحًا أمام من يملك الجرأة على إعادة تعريف معنى «الربح» بوصفه خدمةً للمجتمع قبل أن يكون مكسبًا للميزانية.
ان كتابة مقالات في منابر الرأي حول النظم المصرفيه ليس موضوعا سهلا تكتنفه الكثير من الرؤى المهنيه والممارسات التطبيقيه المختلفه ولايجوز فيه الاختزال وهذا ما دفعني الاستطاله حتى نوفي عناوين المقالات ذات الأبعاد الكبيره حقها في النقاش في أطول مدى ممكن ويسرني ان اذكر كما ظللت عدة مرات خلال مقالات منبر بنيان مقالات من بطون كتب ان هذا الجهد يتبناه بيت خبره استشاري سوداني نحجب ذكر الاسم حتى لا يكون عملا دعائيا وذلك بطبيعة مقالاته التي انتهجت جانبا مهنيًا متجردا في مجالات متنوعه الاخيره منها تناولت ثلاثه اطر هامه بعدة مقالات هي التأمين ثم الرهن العقاري والان نحن في الحقل المصرفي،، ،،مقالنا القادم بإذن الله حول الرقابه المصرفيه وربما يتناول آثار إقليميه عالميه،،،،
ويسرني في خاتمة هذا المقال أن اتبني مقترح لإدارة سودانايل ان يكون هنالك ربط لمنبر الراى فيما يتعلق بالمقالات ذات الطابع البحثي الأكاديمي بخلق شكل من أشكال التعاون بين منبر اارأي بالصحف وبيوت الخبره الاستشاريه السودانيه والجامعات السودانيه ان لم يكن هذا الجهد متبع حيث أن هذه المنبر تطرح فيه على مدار العام الكثير من الآراء والأفكار يمكن ان تكون مستودع بيانات لبحوث لدرجات علميه رفيعه حيث أن الصحف في منبر الراى ذاخر بفضل الله بالكثير من الخبرات السودانيه المتنوعه والتي تثري الساحه الصحفيه بمقالات ذات طابع مهني قيم و متماسك، ، وبالله التوفيق
المراجع
- البنك الدولي، Financial Development and Inclusion in Emerging Economies, 2023.
- صندوق النقد الدولي، Global Financial Stability Report, 2024.
- البنك المركزي السوداني، تقرير الأداء السنوي، 2022.
- البنك المركزي المصري، تقرير الاستقرار المالي، 2023.
- Bank of Ghana, Financial Sector Review, 2022.
- عبد الرحمن يس محمد، التمويل الإسلامي والتنمية الاقتصادية في السودان، جامعة الخرطوم، 2019.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم