بقلم: إدوارد كورنيليو
في جنوب السودان، لا يمكن للمرء أن يتحدث عن المعارضة دون أن يشعر بثقل التاريخ، لا بوصفه ماضياً منتهياً، بل كظلٍ طويلٍ يمدّ نفسه على الحاضر، ويعيد تشكيله في كل لحظة. فالمعارضة هناك ليست مجرد كيان سياسي ينازع السلطة، بل هي مرآة مشروخة تعكس هشاشة الدولة، وتُظهر في شظاياها وجوهاً متعددة: وجه الغضب، وجه الطموح، وجه الخيانة، ووجه الأمل الذي لا يموت.
حين نقترب من قوى المعارضة في جنوب السودان، نكتشف أنها ليست جسماً واحداً، بل فسيفساء من الفصائل، والتجارب، والانشقاقات، والولاءات المتبدلة. بعضها خرج من رحم النظام نفسه، وبعضها وُلد في المنفى، وبعضها الآخر تشكّل في خضم الحروب الأهلية التي لم تهدأ منذ إعلان الاستقلال. لكن ما يجمع هذه القوى، رغم تباينها، هو شعور عميق بالإقصاء، ورغبة جامحة في إعادة التوازن، أو على الأقل في اقتسام الكعكة التي احتكرتها نخبة ضيقة باسم الثورة، ثم باسم الدولة، ثم باسم السلام.
غير أن هذه المعارضة، في كثير من تجلياتها، لا تخرج عن كونها انعكاساً معكوساً للسلطة التي تناهضها. فهي، مثلها، مشدودة إلى منطق الغنيمة، ومكبّلة بمنطق القبيلة، ومأخوذة بهاجس التمثيل الإثني أكثر من انشغالها ببناء مشروع وطني جامع. ولعل هذا ما يفسر كثرة الانشقاقات، وسرعة التحولات، وتبدل التحالفات، حيث لا يكاد فصيل يُعلن عن نفسه حتى ينقسم على ذاته، أو يدخل في مساومة مع الحكومة، أو يتحول إلى أداة في يد قوة إقليمية تبحث عن موطئ قدم في هذا البلد الوليد.
في هذا السياق، يبدو أن الصراع في جنوب السودان لا يدور فقط بين حكومة ومعارضة، بل بين تصورات متباينة للدولة، للسلطة، وللمستقبل. فهناك من يرى في الدولة مجرد وسيلة للثراء السريع، وآخرون يرونها امتداداً لهيمنة إثنية يجب تقويضها، وثالثون يتطلعون إلى بناء دولة مدنية، ديمقراطية، تتجاوز الانتماءات الضيقة. لكن الصوت الأخير غالباً ما يُخنق في ضجيج السلاح، أو يُختطف في دهاليز التفاوض، أو يُهمّش في زحمة المصالح المتقاطعة.
المعارضة في جنوب السودان تعاني من معضلة مزدوجة: فهي من جهة تُطالب بالتغيير، لكنها من جهة أخرى تفتقر إلى أدوات هذا التغيير. لا تملك خطاباً سياسياً متماسكاً، ولا قاعدة اجتماعية راسخة، ولا مشروعاً اقتصادياً بديلاً. وغالباً ما تكون رهينة للدعم الخارجي، سواء من دول الجوار أو من القوى الكبرى، ما يجعل استقلاليتها موضع شك، ويجعل قراراتها عرضة للتقلبات الإقليمية والدولية. وهذا ما يضعف ثقة الشارع بها، ويجعلها تبدو كظل باهت لسلطة لا تختلف عنها كثيراً في الجوهر، وإن اختلفت في الموقع.
لكن هذا لا يعني أن المعارضة بلا معنى، أو أن وجودها عبثي. على العكس، فإن مجرد وجودها، رغم كل ما يعتريها من ضعف، هو تعبير عن حيوية سياسية كامنة في المجتمع، عن رفض صامت أو معلن لاحتكار السلطة، وعن توقٍ دفين إلى العدالة والمساواة. فالمعارضة، حتى في أكثر لحظاتها ارتباكاً، تظل شاهداً على أن ثمة من لم يرضَ بعد، من لم يوقّع على بياض، من لا يزال يطالب بحقه في الحلم.
غير أن الحلم وحده لا يكفي. فالمعارضة التي لا تعيد النظر في بنيتها، في خطابها، في علاقتها بالجماهير، وفي فهمها لطبيعة الدولة، لن تكون سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الخيبات. لا بد من قطيعة معرفية وأخلاقية مع منطق المحاصصة، مع ثقافة الزعامة الفردية، مع التبعية العمياء، ومع اختزال السياسة في التفاوض على المناصب. لا بد من العودة إلى الناس، إلى القرى التي أنهكتها الحروب، إلى المخيمات التي صارت أوطاناً بديلة، إلى الشباب الذين لم يعرفوا غير السلاح، إلى النساء اللواتي يدفعن ثمن كل شيء دون أن يُستشرن في شيء.
إن جنوب السودان، في جوهره، ليس دولة فاشلة كما يروّج البعض، بل هو دولة مخنوقة، لم يُتح لها أن تتنفس منذ ولادتها. دولة وُلدت من رحم حرب طويلة، ثم وجدت نفسها في قلب حروب أطول، بين إخوة الأمس، بين رفاق السلاح، بين من كانوا يحلمون بالحرية، فإذا بهم يتنازعون على مفاتيح القصر. وفي هذا السياق، تصبح المعارضة مرآة للخذلان، لكنها أيضاً مرآة للإمكان، إذا ما استطاعت أن تتحرر من قيودها، وأن تعيد تعريف ذاتها لا بوصفها نقيضاً للسلطة، بل بوصفها بديلاً لها.
ولعل ما تحتاجه المعارضة اليوم ليس فقط وحدة الصف، بل وحدة الرؤية. رؤية تتجاوز الحسابات الضيقة، وتُعيد الاعتبار للمواطن العادي، لا بوصفه تابعاً أو مقاتلاً، بل بوصفه شريكاً في القرار، وصاحب مصلحة في التغيير. رؤية تُعيد تعريف السياسة لا كفن للمناورة، بل كفن للعيش المشترك، للعدالة، للكرامة. رؤية تُعيد بناء الثقة بين الناس والمؤسسات، بين الحلم والواقع، بين الماضي والمستقبل.
لكن هذا المسار ليس سهلاً، ولا مضموناً. فالقوى التي تستفيد من الفوضى كثيرة، والذين يعتاشون على الانقسام أكثر. والمال السياسي، والسلاح، والتدخلات الخارجية، كلها تعمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه، أو على إعادة إنتاجه في صور جديدة. ولهذا فإن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي من النخب وحدها، بل لا بد أن يكون نتاجاً لحراك شعبي واسع، لحركة اجتماعية تتجاوز المعارضة التقليدية، وتُعيد رسم خريطة الفعل السياسي من القاعدة إلى القمة.
في النهاية، فإن قوى المعارضة في جنوب السودان تقف اليوم أمام مفترق طرق. إما أن تظل تدور في حلقة مفرغة من الانقسامات والمساومات، فتتحول إلى جزء من المشكلة، أو أن تعيد بناء ذاتها على أسس جديدة، فتتحول إلى أفق للحل. وهذا الخيار ليس نظرياً، بل هو خيار وجودي، يحدد مصير بلد بأكمله، ويقرر ما إذا كان جنوب السودان سيظل ساحة لصراعات لا تنتهي، أم سيصبح وطناً يتسع للجميع، دون استثناء، دون إقصاء، ودون خوف.
tongunedward@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم