مختار العوض موسى
على شاكلة العبارة الساخرة المتداولة: “تموتوا مغص يا العُزّابة”، جاءت أغنية الترند: “المغتربين ما تجوا.. نحن كويسين ما تجوا”، لتثير موجة واسعة من الجدل في الأوساط السودانية، بين مؤيد ومعارض، لما حملته من دلالات تمس قضية الاغتراب التي ظلت تؤرق السودانيين لعقود طويلة.
فالمغتربون الذين فرضت عليهم الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية، وتداعيات الحرب المستمرة، الابتعاد عن الوطن والأهل سنوات طويلة، دفعوا ثمناً باهظاً من أعمارهم ومشاعرهم في سبيل توفير حياة كريمة لأسرهم. يقتلهم الحنين، ويؤرق مضاجعهم الشوق، ولسان حالهم يردد:
“من أهلنا سافرنا
وسفر الغربة بهدلنا”
ويقول شاعر آخر:
كلما يفكر في الرجوع
يلقى المقادير تبعدو
ويخاف يقع نص الطريق
ما يلقى إيدا تسندو.
سبب هذه الرمية كما يشير البروفيسور عبداللطيف البوني في كتاباته الماتعة الرصينة الشيقة، هو الجدل الذي أثارته الأغنية والذي يعكس حساسية العلاقة بين المغترب وأهله ووطنه، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد. ورغم أن الأغنية جاءت في إطار فني ساخر، فإنها فتحت الباب أمام نقاش أعمق حول آثار الغربة، وجدوى العودة، وثمن البقاء بعيداً عن الوطن.
وبدلاً من التساؤل: ما الذي يجنيه أهل المغترب من بقائه خارج البلاد؟ ربما يكون السؤال الأهم: ماذا استفاد المغترب نفسه؟ وماذا فقد خلال سنوات الغياب؟
من زاوية اقتصادية بحتة، قد ترى بعض الأسر فوائد في استمرار إقامة أبنائها بالخارج، تتمثل في استمرار التحويلات المالية التي تسهم في تغطية نفقات المعيشة والتعليم والعلاج، وتوفير مصدر دخل ثابت في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة، إلى جانب دعم الأقارب والمجتمع المحلي عبر المساهمات الاجتماعية والخيرية، والمحافظة على شبكة من العلاقات والفرص المهنية التي قد تعود بالنفع مستقبلاً على الأسرة.
غير أن هذه المكاسب المادية لا تعني مطلقاً أن الأسرة لا تحتاج إلى وجود ابنها أو والدها أو شقيقها بين أفرادها، بل إن الحاجة إليه تظل قائمة، وإن حالت الظروف دون ذلك.
أما الأثمان النفسية التي يدفعها المغترب فهي كثيرة وعميقة؛ فالغربة ليست مجرد انتقال جغرافي من مكان إلى آخر، بل تجربة إنسانية معقدة تحمل في طياتها قدراً كبيراً من المعاناة. فمن أبرز آثارها الحنين الدائم إلى الوطن، والشوق للأهل والأصدقاء، والشعور بالعزلة رغم النجاح المهني أو الاستقرار المادي، إضافة إلى الإحساس بفوات اللحظات المهمة في حياة الأسرة، من أفراح وأتراح ومناسبات لا تعوض.
كما يواجه كثير من المغتربين ضغوطاً نفسية ناجمة عن تحمل المسؤوليات المالية الثقيلة، وتوقعات الأسرة المتزايدة، فضلاً عن أزمات الهوية والانتماء التي قد تنشأ لدى من أمضوا سنوات طويلة بعيداً عن بيئتهم الأصلية. وفي أحيان كثيرة، يلازمهم شعور بالذنب لعجزهم عن الوقوف إلى جانب أهلهم في أوقات الشدة والحاجة.
ومع ذلك، قد تكون الغربة بالنسبة لبعضهم جسراً لتحقيق الأمان الشخصي والأسري، ووسيلة للوصول إلى أهداف تعذر تحقيقها داخل الوطن. وقد عبّر الفنان السوداني الراحل عبدالكريم الكابلي عن هذه المفارقة بقوله:
“غريب والغربة أقسى نضال
غريب والغربة سترة حال.”
وفي المقابل، تخسر الأسرة أشياء لا تعوضها الأموال، منها غياب الأب أو الابن أو الأخ عن تفاصيل الحياة اليومية، وضعف الروابط العاطفية بمرور الزمن، وحرمان الأبناء من وجود أحد الوالدين خلال مراحل مهمة من التنشئة والتربية، فضلاً عن فقدان الدعم النفسي والاجتماعي المباشر الذي لا يمكن أن تحل محله التحويلات المالية مهما بلغت.
ورغم كل ذلك، ظل المغتربون السودانيون يؤدون دوراً محورياً في دعم أسرهم ومجتمعاتهم، لا سيما خلال سنوات الحرب الأخيرة. فقد أصبحت تحويلاتهم المالية بالنسبة لكثير من الأسر مصدر الدخل الأساسي الذي تعتمد عليه لتوفير الغذاء والدواء والتعليم والسكن، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة داخل البلاد.
كما برز دورهم الإنساني بوضوح في دعم المتضررين من الحرب، من خلال التبرعات المالية، وتمويل المبادرات المجتمعية، وتوفير الغذاء والدواء ومستلزمات الإيواء للنازحين، فضلاً عن دعم بعض المؤسسات الصحية والتعليمية في المناطق المتأثرة بالنزاع. وقد شكلت هذه الجهود إحدى أهم شبكات الأمان الاجتماعي التي ساعدت آلاف الأسر السودانية على مواجهة تداعيات الحرب.
لقد أثبت المغترب السوداني أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك من أموال أو عقارات، وإنما بما يقدمه للآخرين من عطاء وتضامن ومساندة في أوقات الشدة. فكان حاضراً في الصفوف الأمامية لدعم المحتاجين، وتجسيد قيم التكافل والتراحم التي ظل المجتمع السوداني يتوارثها جيلاً بعد جيل.
ومع استمرار الأوضاع الاقتصادية المعقدة، يبدو أن بقاء أعداد كبيرة من المغتربين خارج البلاد سيستمر لفترة أطول، ليس رغبة في البعد عن الوطن، وإنما سعياً لتأمين احتياجات أسرهم وضمان الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي. فعودة الكثيرين في الظروف الراهنة قد تعني فقدان مصدر رزق تعتمد عليه أسر بأكملها.
لقد أسهم المغتربون السودانيون في كتابة واحدة من أجمل قصص التكافل الاجتماعي، وأثبتوا أن المجتمع السوداني، مهما اشتدت عليه المحن، قادر على الانتصار لقيمه الإنسانية، والمحافظة على تماسكه في أحلك الظروف.
ختاماً، لا يمكن اختزال قيمة الإنسان في ما يرسله من أموال، كما لا يمكن اختزالها في مجرد حضوره الجسدي. فالتوازن بين ضرورات الرزق وحق الأسرة في القرب العاطفي يظل التحدي الأكبر الذي يواجه المغترب السوداني.
وربما كانت الأغنية تعبيراً ساخراً عن اعتماد بعض الأسر على دخل المغترب، لكنها تذكرنا بحقيقة لا خلاف عليها: أن الغربة، مهما حققت من مكاسب مادية، تظل تجربة يدفع ثمنها المغترب وأسرته معاً.
ولعل السؤال الأهم ليس: هل يعود المغترب أم لا يعود؟ بل: كيف نبني وطناً يجعل العودة خياراً ممكناً وجاذباً، لا حلماً مؤجلاً؟
يا غربة كم سرقتِ من العمر سنين
وكم خلّيتي الشوق ساكن في الجبين
كل ليلة أفرش الذكرى وسادة حنين
وأسمع نداء النيل في قلبي يئن أنين
لا المال عوض دفء الأهل في المساء
ولا المدن البعيدة مسحت وجع العناء
نضحك قدام الناس ونخفي الانكسار
ونحمل الوطن في الروح مهما طال السفر
mokhtaralawad@gmail.com
