المليشيات القبلية في السودان
Kim Searcy كيم سيرسي
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لغالب ما جاء في مقال لكيم سيرسي أستاذ التاريخ المشارك بجامعة ليولا Loyola بشيكاغو عن تاريخ المليشيات القبلية في السودان، والمنشور بمجلة Origins: Current Evens in Historical Perspective التي يصدرها قسم التاريخ بجامعة ولاية أوهايو، وذلك في يونيو من عام 2023م (أي بعد نحو شهرين فقط من اندلاع الصراع العسكري بين قوات الجيش السوداني والدعم السريع! المترجم).
حوى المقال بعض الخرائط للسودان وصوراً متنوعة، منها صورة أول طابع بريد سوداني وصوراً لبعض حكام وزعماء السودان عبر العقود القريبة الماضية (مثل الصادق المهدي وحسن الترابي، وغيرهم) ولحكام أجانب مثل القذافي الليبي في رفقة شاو سيسكو الروماني).
تعلم الكاتب الأمريكي اللغة العربية بجامعة إنديانا الأميركية، ثم بجامعة أفريقيا العالمية بالخرطوم، وبالجامعة الأمريكية بالقاهرة. وتخصص في تاريخ المهدية، وله كتاب بعنوان: The Formation of the Sudanese Mahdist State: Symbols and Ceremony, 1882-1898 . وقد سبق لنا نشر ترجمات لبعض مقالاته منها مقال بعنوان: “مواقف مهدي السودان حيال الرق وتحريره”، ومقال بعنوان “الآراء الاستعمارية البريطانية حول العرق وتأثيرها على التعريب بالسودان”، وآخر بعنوان “الخليفة وتطبيع السلطة الكاريزمية” (1).
المترجم
لقد تسببت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل من عام 2023م بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع (الميليشيا شبه العسكرية paramilitary militia) في مقتل أكثر من 800 فرداً وإصابة أكثر من 5,000 فردأً، ونزوح قرابة مليون مواطن، بحسب ما ورد في مصادر الأمم المتحدة. وأدى القصف المتواصل إلى تدمير البنية التحتية الهشة للعاصمة السودانية، الخرطوم (أفادت تقارير منظمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للصليب الأحمر بأن عدد القتلى حتى شهر مايو 2026م تجاوز 20,000 شخص بشكل موثق، بينما تشير تقديرات منظمات إنسانية مثل لجنة الإنقاذ الدولية (IRC) إلى أن العدد الفعلي قد يتجاوز 150,000 إلى 400,000 قتيل نتيجة للعنف المباشر أو الجوع وأو نقص الرعاية الطبية. المترجم).
ويعزو البعض اندلاع الحرب لأن قائد القوات المسلحة السودانية الجنرال عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، فشلا في التوصل إلى اتفاق بشأن الحكم المستقبلي للسودان وكيفية دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة السودانية.
وكان التوتر المتصاعد بين الجانبين قد بلغ ذروته في 13 أبريل، عندما نددت القوات المسلحة السودانية بزيادة انتشار قوات الدعم السريع في الخرطوم وشمال السودان. وبعد يومين، اندلعت الحرب بين الخصمين. وفي الواقع، كان للتاريخ الطويل للميليشيات المتعددة والمتغيرة باستمرار في السودان أثر بالغ على الحرب الحالية بين الجيش وقوات “الدعم السريع”، مما أفضى إلى حالة من عدم الاستقرار كانت قد سادت المنطقة لعدة عقود.
تاريخ المليشيات في السودان: فترة الاستعماري البريطاني للسودان
تعود جذور هذا الصراع (الحالي) إلى فترة الحكم الإنجليزي – المصري بين عامي 1898 – 1956م (أورد الكاتب تاريخ انتهاء ذلك الحكم بأنه في 1960م. المترجم). وفي الواقع لم يكن لمصر أي سلطة أو نفوذ يذكر في حكم السودان إبان فترة الحكم الثنائي.
وتبنت بريطانيا في حكمها للسودان استراتيجية “فرق تسد divide and rule”، أدت فيها الهُويات العرقية دوراً محوريا وبالغ الأهمية. ومن أهم ما قام به الحكم البريطاني الكلولونيالي هو تأكيده على “الإدارة الأهلية”، وهو نظام سيطرة وتحكم لا مركزي، حيث يُفصل فيه السكان المحليون على أسس قبلية، ويحكمهم بشكل غير مباشر زعماء محليون. ومكنت سياسة “الإدارة الأهلية” زعماء القبائل من حكم السكان المحليين، وغدا حصول الفرد على الأراضي والموارد والخدمات الحكومية يعتمد على إثنيته (أصله العرقي).
لقد كان البريطانيون يرون أن السودان يتكون في الأساس من “عرب”، ويعتبرون غيرهم من السكان من غير العرب أدنى منزلةً منهم. وأكثر من كان شديد الصراحة والوضوح في تلك النظرة هو الإداري وضابط المخابرات السير هارولد ماكمايكل في كتابه المنشور عام 1915م بعنوان Notes on Darfur (عنوان الكتاب كاملاً هو Notes on Darfur, Wadai, Dar Sula, Dar Tama &c.)، وهو ليس بكتاب “تجاري” عادي، بل هو تقرير إداري رسمي يحتوي على سرد مفصل لجغرافيا منطقة دارفور وبنيتها السياسية وأصولها التاريخية وتكوينها العرقي إبان سنوات القرن العشرين الأولى. المترجم).
وفي عام 1917م ضُمَّتْ دارفور (وهي منطقة غير عربية في الغالب) إلى السودان الإنجليزي – المصري (الصحيح هو أن دارفور كانت قد ضُمَّتْ للسودان عام 1916م. المترجم).
لقد أثرت الافتراضات العرقية البريطانية آنذاك على كيفية تطور هذه المستعمرة الكبيرة، وبالتالي على كيفية تطور هذا البلد الشاسع. وعلى النقيض تماماً من شمال السودان، لم يكن في دارفور بحلول عام 1935م سوى أربع مدارس، ولم تقم فيها عيادة للتوليد، ولا خطوط سكك حديدية أو طرق رئيسية خارج المدن الكبرى (2). ومنذ ذلك الحين، عُومِلَتْ دارفور بحسبانها منطقة نائية ليست بذات أهمية، وغدت أداةً في يد الحكام المتعاقبين. كما سعى البريطانيون إلى منح تمثيل أكبر وأكثر منهجية للجماعات العربية الرئيسية باعتبار ذلك وسيلة ناجعة للسيطرة على القبائل المتناحرة، وفضت مركزية بعض القبائل العربية الكبيرة وفرضت فيها نظاماً للحكم على رأسه شيوخ، كانت سلطة الواحد منهم محصورة في الغالب في مخيم أو قرية.
وأصدرت الإدارة الأهلية في عام 1922م قانوناً أُسْمِيَ “قانون سلطات شيوخ القبائل الرعوية”، أعطت بموجبه سلطات قضائية لشيوخ وزعماء القبائل الرحل (المتنقلة) في داخل حدود قبائلهم. وعلى الرغم من أن ذلك القانون لم يأت على أي ذكر لأي سلطات إدارية لأولئك الشيوخ، إلا أنه كان يمثل بداية للتفريق بين المجتمعات العربية والمجتمعات غير العربية، وفصل زعماء الفريقين ونظاميها العدليين عن بعضهما البعض.
وإن ثبت لدي الحكام البريطانيين أن أحد أنظمة الإدارة المحلية كان معقداً للغاية بحيث يصعب السيطرة السياسية عليه عملياً، كانوا يسعون إلى تبسيطه، وتقديمه بصورة هياكل هرمية جديدة كانت عموماً أشد هرمية (more pyramidal)، وبالتالي أسهل في السيطرة عليها. وقام المستعمرون البريطانيون على وجه الخصوص بتوحيد المناطق التي كان يعدونها “مناطق صغيرة بأكثر مما ينبغي” أو” مناطق شديدة التباين والتباعد”، بحيث أنها غدت غير صالحة للحكم وجمع الضرائب. لقد كان الحفاظ على السلم والأمن واحداً من أهم أهداف الاستعمار البريطاني في دارفور، وقد عَمَدَ لاستخدام المليشيات المحلية لإخماد أي حركات تمرد قد تنشأ.
لقد كان المستعمرون البريطانيون يتخلون أو يتخلصون من الأفراد المتمردين، ويروجون لقادة جدد، ويؤسسون سلالات حاكمة جديدة عند مواجهتهم لأي مقاومة مسلحة أو غير مسلحة. وكما هو متوقع، فقد أفضى ذلك أيضاً إلى خلق صراعات داخلية على السلطة، لا يزال بعضها مستمراً حتى يومنا هذا.
لم تنتهِ ممارسة استخدام الميليشيات القبلية عند استقلال السودان عن بريطانيا عام 1956م، بل على العكس تماماً، إذ اكتسبت تلك الجماعات زخماً في ثمانينيات القرن الماضي، وارتبطت بأيديولوجية الحكومة القائمة على هيمنة العرب. وأدت ليبيا دوراً محورياً في هذه الأيديولوجية، وفي إغراق السودان بالأسلحة. ففي ثمانينيات القرن الماضي، وضع حاكم ليبيا معمر القذافي تصوراً لـ “حزام عربي” يمتد عبر منطقة الساحل الأفريقي. وفي عام 1981م، وزّعت جماعة مدعومة من ليبيا تُسْمَى “التجمع العربي” منشورات في المنطقة تُعلن فيها أن الزرقة – وهو مصطلح ازدرائي يُطلق على الأفارقة السود – قد سيطرت على دارفور لفترة كافية، وأن الوقت قد حان للعرب للاستيلاء على زمام السلطة في المنطقة. وفي محاولة للسيطرة على تشاد، استخدمت القوات المدعومة من ليبيا دارفور بحسبانها قاعدةً خلفية، مُعتمدةً على محاصيل ومواشي القرويين المحليين كمصدر مجاني للأسلحة. وقد جاءت العديد من شحنات الأسلحة المستخدمة في صراع دارفور من هذه الفصائل (للمزيد عن مواقف القذافي في أمر العلاقات مع أفريقيا اُنْظُر المرجع رقم 3).
وفي عام 1988م هُزِمَ القذافي في نهاية المطاف، غير أن أفراد تلك القوات التي كان قد دعمها ودربها وغرس فيها شكلاً متطرفاً من أشكال التفوق العربي لم يختفوا. فقد تحولوا إلى أُسْمُوا لاحقاً بـ “الجنجويد”. وربما يكون القذافي قد زالَ عَنِ المشهد، غير أن العنف في السودان ظل متواصلاً.
تسليح القبائل العربية في عهد رئيس الوزراء الصادق المهدي
أفلح الصادق المهدي عام 1986م في تكوين حكومة ائتلافية، وصار هو رئيس الوزراء للمرة الثانية. وبدا أن السودان كان يسير حثيثاً في طريق الديمقراطية. وكانت بالبلاد عدة أحزاب سياسية، ونقابات عمالية مستقلة، ومنظمات للدفاع عن حقوق الإنسان، وصحافة مستقلة، وتقبل لحق المعارضين في التعبير عن آرائهم المعارضة للحكومة. وكانت الحملة الانتخابية التي قادها الصادق المهدي نفسه تقوم على ضرورة الحل السلمي للحرب الأهلية. وعقب فوزه في الانتخابات البرلمانية قابل جون قرنق زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان (في عام 1986م بإثيوبيا. المترجم)، وعرض عليه مشروعا مقترحا للسلام، يتضمن إيقاف العمل بقوانين الشريعة الإسلامية التي طبقها سلفه جعفر نميري، والتي كانت تُعتبر هي إحدى أكبر العقبات في طريق السلام. وأصيب الكثيرون بخيبة الأمل عندما تراجع الصادق المهدي فجأة عن وعوده بإيقاف العمل بقوانين الشريعة. وكانت للجبهة الإسلامية القومية ولزعيمها حسن الترابي (صهر الصادق) يد في ذلك التراجع (4).
لقد كان الترابي (وهو من أهم الداعين لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية) يدعو للحرب في الجنوب. وبدا واضحاً توجه الصادق المهدي نحو تطبيق شكل من أشكال القوانين الإسلامية، على الرغم من معارضة العديد من الشماليين، وكل الجنوبيين، لذلك.
لم يكتف الصادق المهدي بالإخفاق في الوصول لتسوية سياسية للحرب الأهلية، بل زاد عليه بتسليحه لميلشيا قبائل مسلمة تتحدث بالعربية في المناطق المتاخمة لمواقع في جنوب كردفان وجنوب دارفور – خاصةً في معاقل الحركة الشعبية لتحرير السودان – وذلك من أجل محاربة المتمردين. وفي تلك الأماكن، استمرت العداوات التاريخية بين المستوطنين الناطقين بالعربية والقبائل الجنوبية.
وشنت المليشيات العربية – المزودة بأحدث الأسلحة – أعمالًا تخريبية ضد المجتمعات غير العربية في الجنوب. فقد أحرقت القرى، وقتلت المدنيين الأبرياء، ونهبّت المنازل، واختطفت الشباب والفتيات لبيعهم عبيداً في الشمال (5). وفي معظم الحالات، ارتكبت هذه الميليشيات المتجولة هذه الفظائع بعلم ودعم كاملين من الجيش الحكومي والسلطات المحلية. ولم يقتصر إمداد الحكومة بالأسلحة على القبائل المسلمة الناطقة بالعربية فحسب، بل شمل كذلك القبائل الجنوبية المنافسة، مثل الموري، والمانداري، والباري، والديدينغا، الذين كانوا يعدون أنشطة “الحركة الشعبية لتحرير السودان الشعبية” مهددا خطيراً لهم.
وواصلت حكومة الصادق المهدي بكل قوة وعزم في حربها، وهي تؤمن بأن قوتها العسكرية ستُخضع قوات الحركة الشعبية. وقد سبق للحكومة أن وصفت الصراع بين الشمال والجنوب بأنه حرب العرب ضد (القبائل) غير العربية، من أجل استثارة مشاعر العالم العربي وكسب الدعم المادي للحرب. وعندما هاجمت الحركة الشعبية لتحرير السودان مدينة الدمازين، عاصمة إقليم النيل الأزرق، عام 1988م، قال الصادق المهدي للعالم العربي: “لقد غُزيت الأرض العربية من الجنوب”.
الصراعات العربية الداخلية
لم يعد السبب الرئيسي للوفيات الناجمة عن العنف في دارفور منذ عام 2006م، هو “الإبادة الجماعية المستمرة” في أوساط غير العرب، بل كان هو الاقتتال بين المتعاونين مع ميليشيا الجنجويد. ويقول مسؤولون في بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور (يوناميد UNAMID) إن ما بين 80 و90% من الوفيات الناجمة عن العنف المسجلة في جنوب دارفور بين عامي 2006 و2008م كانت بسبب الاقتتال بين العرب. (بدأت يوناميد عملها عام 2007م). وعقب انخفاض ملحوظ في الوفيات الناجمة عن العنف في جميع أنحاء دارفور عام 2008م، اندلع مجدداً القتال العربي الداخلي على نطاق واسع في أوائل عام 2010م، وأودى بحياة حوالي ألف شخص في الأشهر التسعة الأولى من ذلك العام. وتشير مصادر عربية إلى أن أعداد القتلى قد يكون أعلى بكثير مما ذكر، خاصة بين عرقية الأبالة، الذين كانوا قلما ما يفصحون عن عدد ضحاياهم.
يمكن تقسيم القبائل العربية في دارفور إلى ثلاث مجموعات، مع التذكير بأن التعميمات ليست مطلقة، وأن التمييز بين مجتمعي الأبالة والبقارة غالباً ما يكون غير واضح تماماً، لا سيما في جنوب دارفور، حيث يعمل كلاهما في الرعي والزراعة. إن معظم الجماعات العربية المنخرطة في أنشطة الميليشيات المعاصرة هي من الأبالة من شمال دارفور. وقد دارت أعنف المعارك وأحدثها بين رعاة الإبل من قبائل الرزيقات الشمالية ورعاة الماشية من البقارة التابعين لقبيلة المسيرية. وقد وقعت هذه المعارك على أطراف منطقة جبل مرة، وتستند إلى بعض الصور النمطية العنصرية نفسها التي غذّت ودعمت عمليات مكافحة التمرد (counterinsurgency).
لقد تركزت المعارك في ولاية جنوب دارفور، وهي الولاية الوحيدة من بين ولايات دارفور الثلاث التي يشكل فيها العرب أغلبية (قُسِمَتْ دارفور منذ عام 2012م إلى خمس ولايات. المترجم). كما شهدت جنوب دارفور أخطر تمرد ضد الحكومة من قبل بعض الميليشيات شبه العسكرية من شمال الرزيقات التي كانت الحكومة قد سلحتها عام 2003م، وهم أتباع محمد حمدان دقلو(حميدتي)، وهؤلاء هم من فرع “أولاد منصور” التابع للمهارية في شمال الرزيقات، الذين كانوا يقيمون في جنوب دارفور منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
وكان أتباع حميدتي – وهم من سكان شمال الرزيقات المعدمين/ أو الذين لا يمتلكون أراضي (landless) في شمال دارفور – يشكلون العمود الفقري للقوات الوكيلة (proxy forces) التي سلحتها الحكومة. وبعد عقدين من تكبدهم خسائر فادحة جراء جفاف منتصف ثمانينيات القرن الماضي، غدت مناطق شمال الرزيقات أكثر حرماناً من الخدمات وأكثر عسكرة من أي قطاع آخر في مجتمع دارفور.
وكما كان الحال مع التمرد في سنواته الأولى، لم يُثَرْ قتل العرب على يد العرب أي ضجة تذكر خارج السودان. وعلى عكس التمرد، تم تسجيل الوفيات جزئياً على الأقل، بما في ذلك من قبل بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور (يوناميد)، وتم الإبلاغ عنها وتوثيقها بشكل جيد من قبل بعض الصحفيين السودانيين.
لقد كانت أطراف النزاع ومعظم الضحايا هم من الرعاة العرب من قبائل مدعومة مِن قِبَلِ الحكومة في عملياتها لمكافحة التمرد. وعُرضت عليهم الغنائم والأراضٍي، وأحيانًا الرواتب، وذلك بعد سنوات من التهميش، تآكلت خلالها حقوقهم التقليدية في الوصول إلى المراعي والمياه، بل وحُرموا من أبسط الخدمات. ويُعدّ القتال، من جانب، صراعاً على غنائم مكافحة التمرد – استخدام الأراضي التي طُردت منها الميليشيات المدعومة من الحكومة القبائل الزراعية التي يُنظر إليها على أنها متحالفة مع الحركات المسلحة، والتحكم في الوصول إليها. وإذا لم يُعالج هذا الوضع بجدية واستدامة، سواء من قبل الوسطاء أو الحكومات والمؤسسات الفيدرالية وحكومات الولايات، فإنه يُشكّل مزيجاً متفجراً من المظالم العرقية والسياسية والاقتصادية، تضاعف من تعقيداته أفعال الجريمة المنظمة وسرقة المواشي
مليشيات جنوب السودان
بغض النظر عن نوع الحكومة التي تجلس في الخرطوم، فإن قيادتها ظلت تحافظ دوماً على سياسات الحكم غير المباشر التي فرضها الحكم الثنائي للبلاد. ودأبت الحكومات السودانية المتعاقبة على تسليح وتمويل مختلف المليشيات، وليس فقط مليشيا الجنجويد. واستغلت الحكومة السودانية (في غضون الحرب الأهلية الثانية) التوترات الكامنة بين القبائل من أجل قمع حركات التمرد القائمة (أو المحتملة). فعلى سبيل المثال قامت الحكومة السودانية بتجنيد ميليشياتها (التي سُميت جيش السلام) من قبيلة الفرتيت لمحاربة قبيلة الدينكا (للمزيد يمكن النظر في مقال بعنوان “سكان واو والصراع بين الدينكا والفرتيت”. المترجم (6). والفرتيت” لفظ جامع يستخدم للإشارة للسكان في غرب بحر الغزال من غير الدينكا أو العرب أوالليو (Luo) أو الفور. وكل هذه الجماعات ذات إثنيات ولغات مختلفة، وبينها تاريخ طويل من الصراعات فيما بينها. وازدادت التوترات بين الفرتيت والدينكا في غرب بحر الغزال عقب نيل السودان لاستقلاله في 1956م. ويؤمن كثير من الفرتيت بأنهم قد تعرضوا لتفرقة عنصرية مِنْ قِبَل الدينكا، خاصة وأن الدينكا كان قد تسيدوا إدارة جنوب السودان. وازدادت العداوة بينهما بعد قيام “الحركة الشعبية لتحرير السودان” بالتمرد على الحكومة السودانية في 1983م، وبدء الحرب الأهلية الثانية بالسودان. ولم ينضم من الفرتيت سوى عدد قليل من رجالهم لقوات “الحركة الشعبية”، على اعتبار أنها أداة من أدوات “هيمنة الدينكا” على الجنوب. ومن جانبهم كان مقاتلو الدينكا يعدون الفرتيت جماعة عرقية “معادية” للتمرد ضد الحكومة. وشنت قوات “الحركة الشعبية عدداً من الغارات المدمرة على قرى الفرتيت في عام 1985م، وذلك للحصول على الإمدادات والمؤون التي تساعدهم على الاستمرار في حملة تمردهم. ونتيجة لذلك كون عدد من قادة الفرتيت ما عرف بمليشيا “جيش السلام”، كقوة دفاع عن النفس. وكان من المفترض أن يقوم ذلك الجيش بحماية مجتمعات الفرتيت من هجمات الحركة الشعبية، وأيضا من أجل القيام بحملات انتقامية ضد مجتمعات الدينكا والجور، التي كانت تُتَّهَمُ دوما ببدء العنف في مناطقهم.
لم تكن كل قبائل الفرتيت قد أيدت مليشيا “جيش السلام” عند بداية تكوينها، بل عارض بشدة بعض زعماء قبائل الفرتيت ذلك “الجيش”، واعترضوا – بصورة عامة – على تسليح المدنيين. وفي الغالب كان أفراد تلك القبائل التي لم تؤيد المليشيا هم من ضحايا غارات “الحركة الشعبية” على قراهم.
وبدأت الحكومة السودانية في تأييد مليشيا الفرتيت في عام 1986م، وكان أحد أهم قادتها هو النقيب المتقاعد رافيل كيتانق (Raphael Kitang). وكان “جيش السلام” في البداية يعمل بصورة مستقلة وحصرية في محيط مدينة واو، حيث كان يدافع عن القرى المحلية ضد المتمردين من عام 1986م إلى أوائل عام 1987م. ومع ذلك، غدت سمعة الميليشيا في مرحلة مبكرة جداً سيئة بسبب العديد من انتهاكات حقوق الإنسان مثل اغتيال قادة القبائل البارزين الفرتيت والدينكا، بالإضافة إلى السياسيين، والأبشع من ذلك القتل والتعذيب العشوائي للمدنيين من الدينكا، بمن فيهم الأطفال والنساء الحوامل.
توسع عمليات “جيش السلام” بمساعدة القوات المسلحة السودانية
توسعت عمليات “جيش السلام” بعد وصول تعزيزات القوات المسلحة السودانية للمنطقة في يوليو 1987م. وشملت تلك التعزيزات كتيبة 242 (التي ذكر الكاتب أنها كانت تُسمي بـ “كتيبة جنكيز خان” بقيادة اللواء أبو قرون عبد الله أبو قرون (6)، والذي زعم أنه كان يُلَقَّبُ بـ “هتلر” لشدة قسوته دون أن يحدد من هو الذي أطلق عليه هذا اللقب. المترجم).
وعقب تسلم مليشيا جيش السلام” لأسلحة أفضل (شملت الدبابات) شرعت في العمل كقوات مساعدة للجيش السوداني وانطلقت في عمليات جديدة لمكافحة التمرد. وفي أغسطس من ذلك العام، ارتكبت تلك المليشيا، بالتعاون مع الجيش السوداني، مجزرة بحق مئات من قبيلة الدينكا في مدينة واو، مما دفع قوات شرطة واو المحلية (التي كان غالب افرادها من قبيلة الدينكا) إلى حمل السلاح لحماية السكان المدنيين. لقد كان الاقتتال الداخلي الناتج عن ذلك بالغ الوحشية، وراح ضحيته المئات. وشكّل أفراد قبيلة الدينكا في الشرطة وقوات حماية الحياة البرية فرق اغتيال للرد على الميليشيا، بينما هاجم “جيش السلام” بدوره مقر الشرطة بالدبابات.
وفي تلك الأيام، طرد “الجيش الشعبي لتحرير السودان” ميليشيات الفرتيت من المناطق الريفية المحيطة بواو. غير أن الوضع في واو لم يهدأ إلا بعد رحيل اللواء أبو قرون في نوفمبر.
ومع تعيين المفوض القطري (county commissioner) الجديد لورينس لول لول (1940 – 2011م)، تمكن القادة المحليون لمجتمع الفرتيت من التفاوض على اتفاق سلام. وسُرِحَ معظم أفراد الميليشيا لاحقاً في يوليو 1988م، على الرغم من أن فصيلاً منهم ظل نشطاً وواصل في القتال إلى جانب القوات المسلحة السودانية، وتم دمجه في ديسمبر 1989م في “قوات الدفاع الشعبي popular Defence Force” (تناول الكاتب في بضع سطور تاريخ تلك القوات التي تكونت في 1989م، وعدها “شبه قوات نظامية، وليست “مليشيا محلية”. المترجم)”
قوات الدعم السريع في دارفور وحرب عام 2013م
تُعدّ قوات الدعم السريع أكبر الميليشيات في السودان وأكثرها تسليحاً وتجهيزاً منذ الاستقلال. ولا يُعرف عدد أفرادها بدقة، لكنه يُقدّر بنحو 100 ألف مقاتل. وكانت هذه القوات قد أُنشئت في منتصف عام 2013م بهدف دحر الجماعات المسلحة المتمردة في جميع أنحاء السودان عسكرياً، وصُنفت كقوة حكومية سودانية تابعة لجهاز المخابرات والأمن الوطني. وعملت في البدء كقوات قبلية، لكنها تضم الآن (أي في وقت كتابة هذا المقال عام 2023م. المترجم) مقاتلين من قبائل مختلفة، وحتى من دول أخرى مثل النيجر والكاميرون وتشاد ومالي ونيجيريا وليبيا.
قادت قوات الدعم السريع في عامي 2014 و2015م حملتين لمكافحة التمرد في منطقة دارفور التي عانت طويلًا من الصراعات، حيث دأبت قواتها على مهاجمة القرى بصورة متكررة، وأحرقت المنازل ونهبتها، وضربت سكانها واغتصبتهم وأعدمتهم. وكانت قوات الدعم السريع، التي تطورت من ميليشيات الجنجويد، تتلقى دعماً برياً وجوياً من القوات المسلحة السودانية وجماعات مسلحة أخرى مدعومة من الحكومة، بما في ذلك مجموعة متنوعة من الميليشيات الوكيلة. وفي عام 2015م مُنحت قوات الدعم السريع وضعية رسمية كقوة نظامية، وفي عام 2017م دُمجت كجزء من القوات المسلحة السودانية. ولم تكن تلك الميليشيا جزءًا من الجيش قبل ذلك التاريخ، بل كانت قوة مساعدة. وكان الهدف الرئيس لقوات الدعم السريع في ذلك الوقت هو حماية عمر البشير، الدكتاتور العسكري السابق للسودان. وكان من المفترض أن تحمي قوات الدعم السريع (وخاصةً حميدتي) البشير من أي انقلابات قد تُحاك ضده من داخل صفوف الجيش. ومن المفارقات، أنه عندما اندلعت احتجاجات جماهيرية ضد حكم البشير عام 2019م كان الجيش نفسه هو من أطاح بالبشير من السلطة.
لم يعمل حميدتي على حماية راعيه السابق، بل قال (في ذلك الوقت) إن للمحتجين على نظام البشير مطالب مشروعة. وتكون بعد سقوط نظام البشير تحالف غير مستقر (uneasy alliance) بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع.
وفي يوم 15 أبريل من عام 2023 انهار ذلك التحالف، وتبادل الخصمان انتقادات لاذعة. فقد وصف البرهان قوات الدعم السريع بأنها ليست سوى مجموعة من قطاع الطرق والمتمردين العازمين على التدمير الغاشم، بينما زعم حميدتي أنه “مؤيد للديمقراطية” وأنّه يقود “الدعم السريع” في قتاله من أجل نيل الشعب السوداني لحكومة ديمقراطية بقيادة مدنية.
قد ينظر البعض لهذه الحرب، في جانب من جوانبها – كـ “صراع بين جنرالين” للسيطرة على موارد السودان. لكن على مستوى أكثر دقة وتفصيلا، تُعدّ هذه الحرب تتويجاً للتهميش التاريخي لدارفور والاستخدام طويل الأمد لتسليح العديد من الميليشيات المحلية من أجل قمع أي مقاومة للسلطة الحكومية في المنطقة.
الإحالات المرجعية
(1). يمكن النظر لهذه المقالات في الروابط التالية: https://shorturl.at/j5iFc و
https://shorturl.at/hQlaa و https://shorturl.at/DwijK .
(2) لا يخلو ما ذكره الكاتب من صحة في شأن تخلف أوضاع سكان دارفور في عام 1935م. غير أن ذات الأوضاع كانت سائدة أيضاً في معظم أنحاء السودان، خاصة في شرق وجنوب السودان، وشماله أيضاً. يمكن النظر هنا لمقال بقلمIris Seri-Hersch أيرس سيري – هيرش عن تاريخ التعليم بالسودان بين عامي 1900 و1957م، تجده في هذا الرابط: https://shorturl.at/XkzI3 ، وكتاب هيذر بيل عن “تاريخ الخدمات الصحية والطبية في السودان خلال فترة الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري (1899 – 1940).
(3). أعلن معمر القذافي نفسه “ملك ملوك أفريقيا” في أغسطس 2008م خلال اجتماع ضم أكثر من 200 ملك وزعيم تقليدي أفريقي أسود. وجاء ذلك ضمن مشروعه للوحدة الأفريقية، حيث تحول تركيزه من القومية العربية إلى “الوحدة الأفريقية”، متبنياً سياسات تقارب واسعة ودعماً مالياً وسياسياً للقارة السمراء. وجاء في موقع الويكيبديا (باللغة الإنجليزية) أن القذافي كان قد نبذ خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين “القومية العربية” بشكل متزايد، مُفضلا عليهاً “الوحدة الأفريقية”، ومؤكداً على الهوية الأفريقية لليبيا، وذلك بسبب إحباطه من فشل مُثلته القومية العربية ورفض العالم العربي تحدي الحصار الجوي الدولي المفروض على ليبيا. وفي مقابلة أجريت معه عام 1998م، زعم القذافي أن “العالم العربي قد انتهى”، وأعرب عن رغبته في أن تصبح ليبيا “دولة سوداء”! وبين عامي 1997 و2000م أبرمت ليبيا اتفاقيات تعاون أو ترتيبات مساعدات ثنائية مع 10 دول أفريقية، وانضمت في عام 1999م إلى “تجمع دول الساحل والصحراء”.
(4) يبدو أن ما ذكره الكتاب في هذه النقطة لا يخلو من تبسيط. يمكن النظر في مقال لسلمان محمد أحمد سلمان بعنوان “حروب الرسائل والمبادرات بين السيد الصادق المهدي والدكتور جون قرنق” https://shorturl.at/pgHU9
(5) لعبد الله ع. إبراهيم ولعشاري أ. خليل مقالات حول “مجزرة الضعين” تجد اثنين منهما في هذين الرابطين: https://shorturl.at/bCKlA و https://shorturl.at/o1UTS
(5) The People of Wau and Dinka-Fertit Rivalry سكان واو والصراع بين الدينكا والفرتيت https://shorturl.at/1Advl
(6) للمزيد عن اللواء أبو قرون عبد الله أبو قرون (1941 – 2000م) يمكن الاطلاع على سيرته في هذا الرابط: https://shorturl.at/a6q8V
alibadreldin@hotmail.com
