المناهج الفلسفية الجديدة- نقد المادية الجدلية وتوسيع أفق فهم الواقع

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
شهد الفكر الفلسفي المعاصر تحولات نوعية، تمثلت في بروز مناهج جديدة تتجاوز المادية الجدلية (المرتبطة بالماركسية) بوصفها التفسير السائد للتاريخ والمجتمع. هذه المناهج لا تنطلق من صراع الطبقات أو من حتميات جدلية، بل تسعى لفهم الواقع المعقّد عبر مداخل غير بشرية، تكنولوجية، وبيئية، وتعيد الاعتبار للكائنات والتقنيات والأشياء بوصفها فاعلة ومؤثرة في تشكيل العالم.

من هذه الاتجاهات، تبرز الأنطولوجيا الموجهة للكائنات (OOO)، وهي فلسفة أسسها جراهام هارمان، تدعو إلى التخلي عن المركزية البشرية التي اختزلت الوجود في التجربة الإنسانية، والاعتراف بأن الأشياء – من الحشرات إلى الخوارزميات – لها وجود مستقل عن إدراكنا. وفق هذا التصور، فإن علاقة النملة بالصخرة لا تقل شأنًا عن علاقة الإنسان بالعالم. ويجد هذا المنهج تطبيقاته في دراسة أثر التكنولوجيا كفاعل مستقل، وفي تأويل الأزمات البيئية كتفاعلات بين كائنات حية وغير حية دون وساطة إنسانية.

أما الواقعية الجديدة، كما طرحها كوينتن ميياسو وماركوس غابرييل، فهي ترفض أطروحة ما بعد الحداثة التي حصرت الواقع في اللغة والثقافة. وتؤكد هذه المدرسة أن هناك واقعًا موضوعيًا قائمًا، لا ينتظر أن نمثله خطابيًا كي يكون حقيقيًا. هذه الفكرة تعيد للفلسفة طموحها المعرفي، وتسمح بتناول ظواهر مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي كوقائع مستقلة عن وعينا بها.

في المقابل، تقدم ما بعد الإنسانية رؤية تتجاوز التصنيفات التقليدية بين الإنسان والطبيعة، بين البيولوجيا والتكنولوجيا. وهي تيار تمثله رائدات مثل روزي برايدوتي ودونا هاراواي، وتنتقد تصوّر الماركسية للإنسان باعتباره كائنًا اجتماعيًا فقط، محوره الصراع الطبقي. تطرح هذه المدرسة تصورات أخلاقية جديدة تدمج بين الإنسان والآلة والحيوان، وتدعو إلى تضامن متعدد الأنواع يتجاوز التمركز الإنساني القديم.

أما نظرية الشبكات (ANT)، التي طورها برونو لاتور، فتقدم تفسيرًا بديلًا للوقائع لا يستند إلى “قوانين” أو “صراعات”، بل إلى تفاعلات داخل شبكات من الفاعلين المتنوعين – بشرًا، أشياء، مؤسسات، فيروسات. فهي تُفسر مثلًا جائحة كورونا باعتبارها ناتجة عن تداخل شبكة معقدة تضم الفيروس نفسه، أنظمة الصحة، وسائل الإعلام، وشركات التقنية.

وفي سياق متصل، تسعى فلسفة التكنولوجيا، كما عند يوك هوي وبيرنارد ستيغلر، إلى قراءة التاريخ باعتباره نتاجًا لتحولات تقنية لا تقل تأثيرًا عن العلاقات الاقتصادية. التكنولوجيا هنا لا تُختزل في أدوات للإنتاج، بل تُفهم كعامل يؤثر في الوعي البشري والزمن والتنظيم الاجتماعي، ويعيد تشكيل ما هو إنساني ذاته.

أما العقلانية الجديدة كما صاغها آلان باديو، فترى أن المنطق والرياضيات (خاصة مفاهيم مثل لا اكتمال النظم) تقدم فهمًا أعمق لتعقيد الواقع من الجدل المادي. باديو يستلهم من الفلسفة الأفلاطونية في تمجيد الرياضيات، لكنه يعيد صياغتها في ضوء المعطيات الحديثة.

تتقاطع هذه التيارات جميعًا في أنها تعيد توزيع الفاعلية في العالم: لم تعد “الطبقة” أو “الدولة” أو “الإنسان” وحدها فاعلة، بل كل عنصر في الواقع – مهما صغر أو خفي – يمكن أن يكون مشاركًا في تشكيله.

أما عربيًا، فلا تزال هذه المناهج تعاني من ضعف الحضور الأكاديمي، رغم بدايات واضحة في التفاعل معها من قبل بعض المفكرين والباحثين. ففي السياق العربي، الذي لا يزال مثقلًا بإرث الصراعات الإيديولوجية التقليدية، بدأت بعض الأصوات تخرج عن النمط الماركسي أو الحداثوي لتلامس هذه التيارات الجديدة.

من بين هذه الأسماء:

علي حرب، الفيلسوف اللبناني الذي تناول في أعماله المتأخرة نقد التمركز الإنساني، وفتح نقاشًا حول ما بعد الحداثة وما بعد الإنسانية، مع محاولة تفكيك الخطابات الشمولية بما فيها الخطاب الماركسي.

طه عبد الرحمن، رغم مرجعيته الإسلامية، إلا أن أطروحاته في “الأخلاق الكونية” و”التعدد الأنطولوجي” تلتقي مع بعض ملامح نقد المركزية البشرية والأنسنة الغربية.

عبد السلام بنعبد العالي، المفكر المغربي الذي اشتغل على مفاهيم ما بعد الحداثة، وقدّم قراءات عربية لميياسو ودريدا، محاولًا تطويعها في السياق المحلي.

سعيد بنكراد، من المغرب كذلك، اهتم بنقل أفكار السيميائيات والفلسفة المعاصرة، وشارك في ترجمة وشرح أعمال مقاربة للواقعية الجديدة.

علي مبروك (الراحل)، في مشروعه الفكري حول نقد التراث والخطاب الديني، انفتح على مناهج تتقاطع مع بعض رؤى ما بعد الإنسانية والأنطولوجيا التفكيكية، من دون أن يُصرّح بانتمائه إليها.

محمد الطاهر المنصوري من تونس، اهتم بالفكر التقني المعاصر، وقدم قراءات حضارية لعلاقة التكنولوجيا بالإنسان خارج منظور السيطرة أو “الوسيلة”.

مع ذلك، تبقى هذه الجهود مشتتة وفردية، ولم تتبلور بعد في حركة فكرية متكاملة أو مشروع نقدي عربي يتبنى هذه المناهج، ويطورها في سياق محلي يعج بأسئلة غير مطروقة. ومع اشتداد تحولات الذكاء الاصطناعي، وانفجار الأزمات البيئية، وتفكك السرديات القومية والأيديولوجية، يبدو أن حاجة الفكر العربي إلى مثل هذه الأدوات أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

في النهاية، ليست هذه المناهج مجرد رفض للمادية الجدلية، بل هي محاولات لقراءة العالم كما هو، في تشابكه، وغموضه، وتعدده، خارج اختزالات الماضي، ومع وعي جديد بأن الإنسان لم يعد وحده في مركز الحكاية.

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

بين الأمس وبكرة – الحزب الشيوعي السوداني.. الرسالة تمت ولا الحكاية يادوب بدت؟

زهير عثمانzuhair.osman@aol.com ثمانين سنة في “سكة” السياسة السودانية ما رقم ساهل ولا كلام ساكت , …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor