بقلم: لوال كوال لوال
تشهد دولة جنوب السودان منذ سنوات حالة من التوترات القبلية المتكررة التي باتت تمثل أحد أخطر التحديات أمام مسار الاستقرار وبناء الدولة الحديثة. ولم تعد هذه النزاعات مجرد حوادث متفرقة أو صدامات تقليدية محدودة، بل تحولت إلى نمط عنف شبه يومي يهدد حياة المدنيين ويقوض فرص السلام والتنمية. ويأتي نهب الأبقار في مقدمة هذه الظواهر التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالصراعات القبلية، حيث تسقط أرواح بريئة دون حساب، وتُدمَّر قرى بأكملها، وتتوسع دائرة الغبن والانتقام بصورة يصعب احتواؤها في ظل غياب سلطة الدولة وهشاشة الوضع الأمني. إن الأبقار في مجتمع جنوب السودان ليست مجرد ثروة حيوانية يمكن تعويضها، بل هي قيمة اجتماعية وثقافية عميقة الجذور. فهي تمثل رمز الكرامة والمكانة الاجتماعية، وأداة أساسية لإتمام الزواج، ومخزوناً اقتصادياً تستخدمه الأسر لمواجهة الأزمات. ومن هنا يمكن فهم لماذا يتحول فقدان الأبقار أو نهبها إلى مسألة تمس الشرف الجماعي وتستدعي ردود فعل قاسية. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه القيمة إلى سبب مباشر لإشعال الحروب المحلية، وحين يصبح السلاح هو الوسيلة الوحيدة لاسترداد الحقوق أو فرض الهيبة. لقد ساهمت سنوات الحرب الأهلية الطويلة في انتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة بين أيدي المدنيين، وهو ما أدى إلى عسكرة المجتمعات الريفية وتحول النزاعات التقليدية إلى مواجهات دامية. ففي الماضي كانت صراعات الرعي أو التنافس على الموارد تنتهي غالباً بوساطات قبلية أو تعويضات عرفية، أما اليوم فقد أصبحت الهجمات تتم بأسلحة حديثة وبخطط منظمة، مما يضاعف حجم الضحايا ويعقد جهود التهدئة. ولا يكاد يمر يوم دون أن تتناقل وسائل الإعلام أو المجتمعات المحلية أخباراً عن مقتل أشخاص أو نهب عشرات وربما مئات من رؤوس الأبقار. إن غياب الدولة أو ضعف حضورها في مناطق واسعة من البلاد يمثل عاملاً حاسماً في تفاقم هذه الظاهرة. فحين يشعر المواطن بأن مؤسسات الأمن والقضاء غير قادرة على حمايته أو إنصافه، فإنه يلجأ إلى قبيلته باعتبارها الملاذ الوحيد للأمن والعدالة. وهنا تتراجع الهوية الوطنية أمام الولاءات الضيقة، ويتحول الصراع من نزاع محدود إلى مواجهة مفتوحة بين مجتمعات بأكملها. ومع تكرار الاعتداءات دون محاسبة، تتراكم مشاعر الغضب وتتشكل ذاكرة جماعية مليئة بقصص الدم والثأر، مما يجعل أي حادثة جديدة قابلة للاشتعال بسرعة. ولا تقتصر آثار النزاعات القبلية ونهب الأبقار على الجانب الأمني فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. فالخوف الدائم يدفع الأسر إلى النزوح وترك أراضيها وممتلكاتها، ما يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي والحيواني ويزيد من معدلات الفقر. كما أن إغلاق المدارس والمراكز الصحية نتيجة انعدام الأمن يحرم الأطفال من التعليم والرعاية، وهو ما يخلق جيلاً جديداً يعيش في بيئة يغلب عليها العنف وعدم الاستقرار. وهكذا تصبح النزاعات سبباً في إعادة إنتاج الأزمات بدلاً من معالجتها. ومن العوامل التي تغذي استمرار هذه الظاهرة أيضاً غياب البدائل الاقتصادية للشباب. فالبطالة وندرة فرص التعليم والتدريب تجعل كثيراً من الشباب ينظرون إلى نهب الأبقار أو الانضمام إلى مجموعات الدفاع القبلي باعتبارها طريقاً سريعاً لتحقيق المكانة أو الحصول على الثروة. وفي ظل ضعف التنمية الريفية، تصبح الخيارات محدودة للغاية، ويغدو حمل السلاح جزءاً من ثقافة البقاء لا مجرد وسيلة للعنف. كما أن بعض القيادات المحلية أو السياسية قد تسهم أحياناً في تأجيج النزاعات، سواء بدافع المنافسة على النفوذ أو لتحقيق مكاسب مرحلية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد. إن معالجة النزاعات القبلية ونهب الأبقار تتطلب رؤية شاملة وإرادة سياسية حقيقية. فلا يكفي إرسال قوات أمنية لاحتواء حادثة هنا أو هناك، بل يجب العمل على بناء مؤسسات قادرة على فرض سيادة القانون بشكل دائم. ويتطلب ذلك إنشاء مراكز شرطة فعالة في المناطق الريفية، وتفعيل دور القضاء لضمان محاسبة مرتكبي الجرائم، وتنفيذ برامج جادة لنزع السلاح من المدنيين بطريقة متوازنة تراعي حساسية الأوضاع المحلية. فالشعور بالأمن لا يمكن أن يتحقق إلا عندما يدرك الجميع أن الدولة قادرة على حماية حقوقهم دون تمييز. وفي الوقت نفسه، لا يمكن إغفال أهمية المصالحات القبلية التقليدية التي تمتلك شرعية كبيرة داخل المجتمعات المحلية. فهذه الآليات، إذا ما تم دعمها وتطويرها، يمكن أن تلعب دوراً محورياً في كسر دائرة الانتقام وإعادة بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة. كما أن إشراك الزعماء الدينيين والقيادات المجتمعية في جهود بناء السلام قد يسهم في نشر خطاب التسامح والتعايش، وهو أمر بالغ الأهمية في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات مثل جنوب السودان. إن الاستثمار في التعليم والتنمية الاقتصادية يمثل حجر الزاوية لأي استراتيجية طويلة الأمد لمعالجة هذه الأزمة. فحين تتوفر للشباب فرص العمل والتدريب، ويتاح لهم أفق للمستقبل خارج دائرة العنف، فإن دوافع الانخراط في النزاعات ستتراجع تدريجياً. كما أن تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية في المناطق الريفية يمكن أن يعزز شعور المواطنين بالانتماء للدولة ويقلل من اعتمادهم على الهياكل القبلية في تلبية احتياجاتهم. ولا بد أيضاً من دور فاعل للإعلام ومنظمات المجتمع المدني في توعية المواطنين بمخاطر النزاعات القبلية ونهب الأبقار، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية للتعايش والتعاون بين المجتمعات المختلفة. فبناء السلام ليس مهمة الحكومة وحدها، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب مشاركة جميع فئات المجتمع. كما أن دعم المجتمع الدولي لبرامج نزع السلاح والتنمية وبناء المؤسسات يمكن أن يسهم في تسريع عملية الاستقرار إذا ما تم توظيفه بشكل يخدم الأولويات الوطنية. إن استمرار نزيف الدم في النزاعات القبلية يهدد مستقبل الدولة ويقوض ثقة المواطنين في إمكانية العيش المشترك. فالوطن الذي يُستنزف شبابه في حروب داخلية لا يمكنه أن يحقق التنمية أو يرسخ الديمقراطية. ومن هنا فإن التحدي الحقيقي أمام جنوب السودان لا يتمثل فقط في إنهاء النزاعات المسلحة الكبرى، بل في معالجة جذور العنف اليومي الذي يحدث في القرى والمراعي والأسواق. فالسلام الحقيقي يبدأ عندما يشعر المواطن العادي بالأمان في حياته اليومية، وعندما يصبح القانون هو المرجعية الوحيدة لحل النزاعات. ورغم قتامة المشهد، يبقى الأمل قائماً في قدرة شعب جنوب السودان على تجاوز هذه المرحلة الصعبة. فقد أثبتت تجارب كثيرة حول العالم أن المجتمعات التي عانت من الحروب والانقسامات يمكن أن تنهض من جديد إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية المجتمعية المشتركة. إن تحويل الألم إلى قوة للتغيير يتطلب شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، والتزاماً صادقاً ببناء دولة يسودها العدل والمساواة. وفي نهاية المطاف، فإن وقف النزاعات القبلية ونهب الأبقار ليس خياراً ترفياً، بل ضرورة وجودية لمستقبل البلاد. فكل روح تُزهق دون حساب هي جرح جديد في جسد الوطن، وكل عملية نهب تُرتكب دون ردع هي رسالة سلبية تُغذي الفوضى. ولذلك فإن الطريق نحو السلام يبدأ بخطوات عملية تعيد هيبة الدولة، وتبني الثقة بين المجتمعات، وتفتح آفاقاً جديدة للأجيال القادمة كي تعيش في وطن لا تحكمه البنادق بل يحكمه القانون والإنسانية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم