faldaw@hotmail.com
في تقديرنا أن التاريخ يعد أكثر ”الكائنات الصامتة“ إنصافاً لنفسه، ذلك لأنه يصنعه الأخيار والأشرار معاً، ولعل المفارقة التي لن تُذهل أحداً هي أن الانسان الذي يصنع التاريخ هو أكثر ”الكائنات الحيَّة“ ظُلماً لنفسه «فمنِهم ظالِم لنفسه ومنهُم مُقتصد ومنهم سابق بالخيرات» وكذلك «قالوا يا ويلنا إنَّا كُنَّا ظالمين» وهو أيضاً أكثرها ظلماً لأخيه الانسان«وسيعْلم الذِين ظلمُوا أي مُنقلبٍ يَنقلبُون» وفي التقدير فإن مرد ذلك لأن الانسان في الأصل قَبِل أمانة عَرَضَها المولى تبارك وتعالى على السموات والأرض والجبال «فأبين أن يحْملَّنها وأشْفقْن منها وحملها الانسانُ إنه كان ظلُوماً جهُولاً». والظلم كما نعلم من المحرضات التي دفعت ربّ الكون لقسم أكد فيه أنه سيقتص من فاعله قبل أن يهنأ بفعله، بل لربما قبل أن يشقى المفعول به بمصيبته، فقد قال سبحانه وتعالى في حديث قدسي «وعِزَّتي وجلالتي لأنصرنَّ عبدي ولو بعد حين» وعليه فهو الجُرم الذي ينصِب رب العباد موازينه في الدنيا قبل يومٍ تُطوى فيه الصحائف!
لأنه نقيض للظلم لهذا قالت الحكمة القديمة أن «العدل أساس المُلك» إذ أن به يطمئن فؤاد الراعي ويستقيم حال الرعية، ولهذا لن تجد ثورة في التاريخ إندلعت وإستوت على سُوقها ولم يكن الظلم محركها الأساسي وباعثها الأكبر، وفي ذلك تنطوى الحكمة التي خصَّ بها رسولنا الكريم أمته في تحريضها على الثورة متى ما شعرت بالظلم ينتصب أمامها بكل سوءاته، فقد قال (ص) موصداً كل الذرائع التي يمكن أن تَقعِد بالانسان عن الفعل «من رأى منكم مُنكراً فليغيره بيده، ومن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الايمان» ذلك لأنه في تقديرنا ليس أشق على الانسان من أن يشعر بظلم لا يستطيع له رداً، وليس أتعس من إنسان يطاله الظلم ويده مغلولة إلى عنقه ولا يستطيع لها بسطاً، وليس أبأس من إنسان يهبط عليه الظلم وهو في صمته المقدس دون جرم ارتكبه أو ذنب إغترفه، وليس أيأس من إنسان يتقبل الظلم ويفيض به على الآخرين، ولكن بالقدر نفسه ليس أسعد من إنسان ينتصر على الظلم ويتصدر الناس درءً لشروره!
نحن موصومون بأننا مجتمع ذكوري، تسيد فيه الرجل ظلماً وجهلاً وتجنى، وقُهرت فيه المرأة بإصرار غبى وشوفينية حمقاء، لدرجة بات البعض فيها يرى أن رجولته لن تكتمل إلا إذا أصاب وطراً من إمرأة مهيضة الجناح مكسورة الخاطر ذليلة النفس. علماً بأن الله جلت قدرته لم يقل إنه خلق الكون هذا من الرجل وحده، بل هو القائل «وخلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شُعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» فأنظر يا هداك الله روعة المناصفة الربانية في خلق الكون الذي لن تقوم له قائمة إلا إذا إستند على الركيزتين الأساسيتين، الذكر والأنثى. ومع ذلك ستجد قوماً يبحرون ضد مشيئة الخالق ويخلخلون من هذه المعادلة دون مسوغ منطقي أو فلسفي أو فكري أو عقائدي، ويرجحون كفة الذكر على الأنثى، لا لشىء سوى إشباع رغباتهم السلطوية وتغذية غرائزهم الحيوانية والتمتع بمغانم دنيوية بإعتبارها سقط متاع!
بما أن الشىء بالشىء يُذكر، ففي الآية المشار إليها إنطوت حكمة ربانية أخرى، وهي تلك التي تحتشى كلمة (لتعارفوا) إذ أن كثير من الناس يقفون عند المعنى الظاهري ولا يذهبون إلى أبعد من ذلك لتلمس المعنى السحرى الذي يكمن خلف هذه الكلمة، أي المعنى الذي جسّد ثقافة الاختلاف، أو ما اصطلح بتسميته بالرأي والرأي الآخر، حيث أن التعارف من المعرفة وهي النهل من بحور العلم أياً كانت هويته، وهي عكس التجاهل وأصله الجهل، وبناءً عليه تكون هي الوعاء الذي تتفاعل وتصطرع فيه الآراء ووجهات النظر المختلفة. ولو أننا تبصرنا وتعقلنا وتفكرنا أمورنا في كثير من المعاني والمقاصد التي أشار لها رب العالمين في دستوره، لما إشتط بعضنا في آرائهم ولما تعصَّب آخرون لمعتقداتهم ولما تجنى أحد على أحد في هذا الكون العريض الذي يسع الأخيار والأشرار معاً!
لكنك لابد وأن تُحصب بحجارة من سجيل حتى لو تحذَّرت وإحتَّرست وتحصَّنت، ذلك لأن بعض من عباد الله الذين إختبأوا وراء وهم قوة زائفة، لا يهنأ لهم عيش إلا حينما يثيرون غباراً كثيفاً ليذروه في عيون الحقيقة، ولا يسعدون إلا عندما يرون الفتنة الهوجاء تمشي على قدمين ويصنعون لها لساناً وشفتين، ولا تطمئن نفوسهم الظمئة للشر إلا وقتما يرونه يعم كل أرجاء المكان لينزووا في حضرة الزمان ويقولوا رائعاً كان موقفهم! هؤلاء أمة يظنون أن الحياة لن يستقم حالها إلا إذا كان هناك عدو يتربصون به، وآخر يتوهمون أنه يتربص بهم! أولئك المغرمون بفنون النكد لن ترتاح نفوسهم ولن يهدأ لهم بال إلا حينما يخلقوا الشر بشراً سوياً!
قلنا إننا مجتمع ذكوري، لا تتناصف المرأة فيه شئوننا السياسية ولا الاجتماعية ولا الثقافية، فهي دوماً ”تمامة جرتق“ لا تُذكر إلا حينما يكتمل العدد، ولا تجري سيرتها على الألسن إلا عندما تُشبع الرغائب، ولا يُنادى عليها إلا لتكون ديكوراً يُزين المجالس ويضفي عليها ذلك العبق الذي تشتهيه وتزدريه النفوس المتناقضة في آن معاً. ومن غير عجبٍ فإن العصبة ذوي البأس تتصدر مكاناً علياً ضمن هؤلاء الذين يعمهون في جاهلية ”العورة“ ويتحرقون شوقاً لشهوة ”الوأد“ مثلما تلذذ بها السلف الجاهل! ولو إنك إيقنت أن المرأة مُضطهدة على مر العصور فإنك لن تجد مُضطهداً لأنوثتها سوى الذين أطلقوا العنان ”لشعورهم“ وقصَّروا الخيال ”لشعورهم“! هم يا سادتي أصحاب المشاريع الفاشلة الذين جعلوا من البشر ”فئران معامل“ لتجاربهم البائسة علماً بأنهم يعلمون سوء المنقلب، لأنهم أقدموا عليها وهم يفتقرون لمتطلباتها وآلياتها وزادها الذي يعين في دروب الحياة ومشاويرها الصعبة!
لقد أرهقني وآلمني وأوجعني حديثاً فقيراً قرأته على صفحات هذه الصحيفة (الأحداث 18/2/2009) منسوب لأحد اساطين العصبة ذوي البأس، إذ قال السيد محمد الحسن الأمين «المحكمة الجنائية عبارة عن عمارة زجاجية في لاهاي، والقضاة ثلاث نساوين ولا يمكن لهن تحديد مصير الأمة» وأضاف إنهم «لن يسمحوا لهؤلاء النسوة بإتخاذ الاجراءات القانونية في مواجهة البشير» وكشف سيادته عن «قيادة البرلمان لحملة واسعة مع كل البرلمانات في دول العالم لانسحاب الدول المشاركة من محكمة الجنائيات الدولية» تصور يا عزيزي القارىء لو أن المذكور ذهب للدول المعنية وطلب منها أن تنسحب من المحكمة بدعوى أن القائمات عليها ثلاثة ”نساوين“ فما الذي يمكن أن يسمعه؟ بل ما الذي يمكن أن يحصده؟ لكن عموماً تلك وجهة نظره التي أدلى بها في موضوع جدلي، ولأننا لا نغمط الناس حقهم في آرائهم حتى لو كان المعنِي بذلك أحد الذين غمطوا الآخرين حقهم في التعبير عن آرائهم، فللسيد الأمين الحق ومطلق الحرية في التنفيس عن مكنون صدره والتعبير عن مضمون رأئه، بشرط ألا يتجني على أحد وألا يتأذى من قوله أحد. فحرية الفرد كما تعلمون تتوقف عندما يمارس الآخرون حرياتهم، بمعني لا يجوز لي أن أقف في قلب الخرطوم وأصرخ بكل ما أوتيت من قوة ”يا أهل مكة إن الساعة غداً“ فبغض النظر عن أن أهل مكة المعنيين قد قامت قيامتهم منذ عقدين من الزمن، إلا أن حريتي في ذلك المقام تجنت على حريات الآخرين وأدخلت الهلع والخوف والجزع في نفوسهم. ولكن ما بالك لو أن الذي مارس تلك الشعيرة الراقية هو أحد سكان ذلك المبني الأنيق عند ملتقى النيلين! إذاً فالسيد الأمين يقول قوله هذا من الموقع الذي إمتزج بقربه النهران الأبيض والأزرق، مثلما يفترض أن يمتزج داخله القانون والعدل، بل ويفترض فيه أيضاً أنه دارسهما!
شأني شأن كثير من عباد الله السودانيين الذين كُتب عليهم متابعة الكوميديا السوداء التي ظللنا ننعم بها في حياتنا السياسية، ومن هذه الزاوية فأنا أعرف السيد الأمين كأحد الممثلين الذين قيض الله لعصبته أن تتسنم مقاليد السلطة في البلاد، وبالتالي كان من البديهي أن يكون أحد اذرعتها في إدارة شئون الدولة والحزب أو ذاك الطفل السامي الذي عزَّ فصله! بيد أن للأمين في ذهني ثلاث صور صافية إلتقتطها له ذاكرتي في ثلاث مواقع على إمتداد رحلة الشتاء والصيف، كأنني يا هذا أصوَّر مشهداً درامياً من ”بوابة عبد القيوم“ وحتى ”شعاب تورا بورا“!
الأولى: سجلت له مضابط الجمعية التأسيسية في الديمقراطية الثالثة التي إستباحت العصبة عرصاتها جدلاً وسجالاً في حق أراد وزملائه به باطلاً، وهو التشكيك في جدوى الديمقراطية كنظام حكم بغية أن يتهيأ الناس للطامة الكبرى الآتية من مسامات الصوالين المغلقة، وقد كان عنصراً مشاكساً يكثر من المداخلات والمطالبات بسبب أو بدونه تحت ذريعة ما سُمي بـ ”نقطة نظام“ لخلق مزيد من”الفوضى“ مما حدا بالصحافة أن تلصق به اللقب، ويذكُّر المتابعون أن الذين تناوبوا على الجمعية التأسيسية لم يملكوا من أمرهم نصباً سوى التدثر بالمقولة الخالدة ”النظام مستتب“ والحقيقة أنه كان يعلم أن ذلك صرحاً من خيال سيتهاوى بعد حين تحت سنابك خيل زُمرته. المهم في الأمر أن معبد الديمقراطية هوى على الأصدقاء والأعداء، ولكن الأخيرين خرجوا من تحت الركام ليتولوا زُمام السلطة وكان الأمين أحد فرسانها الميامين!
ثانياً: رأيت فيما يرى النائم حلماً مزعجاً يوم 18/8/1998 حيث أطلَّ السيد محمد الحسن الأمين على السودانيين من شاشة الفضائية التي سبق وأن قلت عنها أن نصابك الوطني لن يكتمل إلا إذا استضفتها في عقر دارك، ويومذاك كانت تردد على المشاهدين الثقافة التي التصقت بجلودهم كما يلتصق الوشم بالجلد ”أيها المواطنون سنذيع عليكم بياناً هاماً فترقبوه“ وكان المذكور يحمل عهدذاك صفة أمين الشئون السياسية في المؤتمر الوطني، وكنت قد تسمرت أمام التلفاز وعقلي يجمع ويطرح ويضرب أخماساً في أسداس، وتعلمون أن تلك لحظات يمتطى فيها الخيال بُراقاً يقطع به سبع سموات طباقاً في لمح البصر، أطلَّ علينا سيادته ولم أر نجوماً ترصع كتفيه ولا ”كاب“ يعتلى هامته الوضيئة، فقد كان ذات الرجل الذي يرتدى لباس الفرنجة، لكنه بدأ يتلو بياناً على موسيقى مارشات ”من أراد أن تثكله أمه.. “ فجعلت من جسدى كله آذاناً صاغية وكتمت أنفاسي حتى كادت روحي أن تخرج لبارئها، فإذا بالصادق الذي إئتمنه قومه يعلن «التعبئة العامة لجماهير الشعب السوداني في مواجهة التحديات التي تواجه الأمة والتحرشات المعلنة من أرض مصر لفلول التمرد والعمالة التي إختارت أن ترهن نفسها وقرارها للغير، وأن تكون سلعة عالمية تشترى في عواصم العالم التي تعمل ضد توجهنا وتعادي أمتنا» إتضح أن ”التحرشات المعلنة“ تلك ما هي إلا إجتماع لهيئة قيادة التجمع الوطني الذين يجلس بعضهم إلى جانبه الآن في القاعة الرحيبة، لكن بذات الوعيد إعتبرها الأمين «سابقة غريبة في وجه معايير القانون وأعراف وعلائق الجوار وتحدياً سافراً لأمة السودان وأجهزتها الشرعية، يستوجب مساءلة النظام المصري عن هذا التدخل وإعلان العداء لشعب وحكومة السودان» ولم ينس البيان أن يذكِّر الناس بأن ذاك القرار اتخذته أجهزة المؤتمر الوطني بما في ذلك الرئيس ووزير الخارجية الذي كان غائباً عن المولد. يومذاك أدركت أن وراء الأكمة ما وراءها، فالمعارضة المزعومة ظلت ارتيريا تقدم لها الدعم المادي واللوجستي والآخر المسكوت عنه، ومع ذلك لم يصدر بياناً لا بالعربي ولا بالتيغرينا ضدها، لكن الغريب أكثر أنه بعد أن إنقسمت الجماعة إتضح أن البيان صدر عن المنشية، وكان أحد دواعي المفاصلة، فقد تبرأ منه وزير الخارجية مصطفى عثمان، وكذلك استنكر البشير أن تُدار السياسة الخارجية من المؤتمر الوطني، ولمن أراد المزيد فقد وثقنا لذلك في كتابنا الموسوم بـ ”سقوط الأقنعة“ هذا إن بقى قناع يستر العورة!
ثالثاً: بالطبع صدق حدسنا حينما تشرذَّم ”الصحابة“ بين القصر والمنشية، وكان الأمين ضمن العصبة الثانية، ومثلما حدث في المرة الماضية أطلَّ علينا فجأة من ذات الفضائية التي لن تكتمل صلاتك ما لم تتوضأ من نبعها الرقراق، وأدلى علينا ببيان آخر خلا من الويل والثبور وعظائم الأمور، وقال إنَّه ظلّ طول عمره يدعو للحل السلمي ولم يحمل سلاحاً أبيضاً أو أسوداً، وطفق يتحدث عن تحلحله من المؤتمر الشعبي كما يتحلحل ”الحاج“ من ”إحرامه“! وقال للناس إنَّه برىء من الانقلاب الذي وصمت به السلطة شيخها وحزبه…براءة الذئب من دم إبن يعقوب. وكان ذلك إيذاناً من الأمين بتغيير بندقية المحارب من الكتف اليمين للكتف اليسار، ولكن هذا أمر استلزم القول إن المنشية التي ظنها آمنه كدار أبي سفيان، إكتشف أن في جحورها عقارب وثعابين وثعالب!
نحن يا كرام لا نرفق بالقوارير المُفترى عليهم مثلما وُصِينا، والمُحزن إنهن تكاثرت عليهن نصال ”الضكور“ المفترين علينا وما أكثرهم. لم يفقن من طعنة زواج المسيار أو الايثار، حتى جاءتهم طعنة الختان والمادة 13 التي أسقطها مجلس الوزراء الموقر الذي لا يعرف ”صليحه من عدوه“! ثم جاءتهم الطعنة الثالثة على يد المبعوث بالهداية، والذي جلس القرفصاء على المنصة حيث كان يسأل شاغريها عن ”نقطة نظام“ أعطوه مرة ومنعوه مرات، ولكنه الآن قادر على الحديث بدونها لأن النظام كله أصبح ملك عصبته، وأضحت النقاط كلها في جوف الفرا!
ربما لو سمع صاحبنا القول المأثور ”الثالثة واقعة“ لربما إعتدل في وعظه وإرشاده…من يدري!!
عن صحيفة (الأحداث) 22/2/2009
مزيد من مقالات الكاتب على موقع الجالية السودانية الأمريكية بمنطقة واشنطن الكبرى:
http://www.sacdo.com/web/forum/forum_topics_author.asp?fid=1&sacdoname=فتحى%20الضو&sacdoid=fathi.aldaw
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم