د. حسين إسماعيل أمين نابري
استشاري إقتصادي ومحلل أستراتيجي
باريس نوفمبر 2026
المقال رقم (21) في إطار برنامجي (نحو مستقبل أفضل)
تحتاج إعادة بناء الاقتصاد السوداني إلى توسيع قاعدة الإنتاج، وتنمية الموارد المحلية، وربطها بالتصنيع وفرص العمل. وفي هذا الإطار، يستحق مشروع وطني لتربية النعام وصناعة منتجاته اهتمام وزارة الثروة الحيوانية، بوصفه فرصة تجمع بين الإنتاج الغذائي والصناعات الجلدية والحرف والسياحة الريفية، ضمن برنامج مدروس ومتدرج.
وقد أتاحت لي زيارة إلى جنوب أفريقيا التعرف على جوانب من تجربتها الرائدة في هذا المجال. وكان أبرز ما استوقفني قدرتها على تنظيم نشاط متعدد المنتجات، يستند إلى تعاون المنتجين وخدمات مشتركة لا يستطيع المربي المنفرد توفيرها. ومن هنا تنبع الفكرة التي أقترحها للسودان: بناء منظومة تربط المزرعة بالبحث والتصنيع والأسواق.
جنوب أفريقيا: التنظيم يصنع القيمة
توضح التجربة الجنوب أفريقية أهمية التكامل بين التربية والتفريخ والتغذية والخدمات البيطرية والتصنيع والتسويق. ويعرض «دليل تربية النعام»، الصادر عن إدارة الزراعة في الكيب الغربية وغرفة صناعة النعام، هذه الأنشطة إلى جانب الإدارة المالية والأمن الحيوي، بما يؤكد أن نجاح المشروع يحتاج إلى معرفة ومؤسسات، فضلًا عن البيئة المناسبة ورأس المال [1].
والدرس للسودان هو أن زيادة أعداد الطيور ينبغي أن يترافق مع تطوير الخدمات والأسواق؛ فالإنتاج الذي لا يجد معالجة جيدة ومشتريًا مستقرًا قد يتحول إلى خسارة مهما كانت إمكاناته.
منتجات متعددة وفرص للتصنيع
يوفر النعام لحمًا أحمر غنيًا بالبروتين، ويمكن تقديمه في صورة قطع طازجة أو مبردة ومنتجات مصنعة. وقد تعرفت في جنوب أفريقيا إلى «البيلتونغ»، وهو لحم متبل ومجفف يمكن إعداده من النعام، في مثال على دور التصنيع في تنويع الاستهلاك وإضافة قيمة للمنتج.
ويستخدم جلد النعام في المصنوعات الفاخرة، كالحقائب والأحذية والمحافظ، بينما يدخل الريش في الزينة والأزياء وأدوات إزالة الغبار. وتعد اللحوم والجلود والريش ركائز معروفة للصناعة الجنوب أفريقية [2].
أما البيض فيخصص للتفريخ أو للاستهلاك وفق صلاحيته، ويمكن تحويل قشوره أو قشرة البيض الكاملة إلى تحف ومنتجات حرفية. ويستحق الدهن دراسة إمكانات معالجته وتسويقه، دون إسناد فوائد علاجية إليه قبل إثباتها علميًا، رغم أن السائد هو أن دهن النعام المستخرج من بطنه له فوائد طبية وعلاجية متميزة، ومع ذلك تبقى جدوى كل منتج مرهونة بتكاليفه وجودته والطلب عليه؛ فتعدد الاستخدامات يوسع الفرص، لكنه لا يضمن الربح تلقائيًا.
التعاونيات: مدخل الشباب إلى الصناعة
أقترح أن يقوم المشروع على تعاونيات إقليمية يمتلك المنتجون دورًا فعليًا في إدارتها، وترتبط بخدمات مشتركة للتفريخ والتدريب والرعاية البيطرية، ثم الذبح والتبريد والتجهيز والتسويق.
يتيح هذا التنظيم للشباب والنساء دخول النشاط دون تحمل تكلفة سلسلة الإنتاج كاملة، ويساعد على توحيد المواصفات وتجميع الكميات والتفاوض مع المشترين. ويمكن أن تنشأ حوله مشروعات لصناعة الأعلاف والنقل والمصنوعات الجلدية والحرف، فتتسع فائدته خارج حدود المزرعة.
ويتمثل دور الدولة في البحث والإرشاد والرقابة وتيسير التمويل والبنية الأساسية، مع إخضاع إدارة التعاونيات للمحاسبة والشفافية.
حماية المورد أساس استدامته
ينبغي أن يبدأ البرنامج بحصر علمي حديث للنعام في السودان، وتقييم موائله وحالته، بدل افتراض وجود أعداد برية كبيرة متاحة للاستغلال.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأن جماعات النعام السودانية مدرجة في الملحق الأول لاتفاقية «سايتس». ولذلك يجب تأسيس قطعان التربية بمصادر قانونية موثقة، والتنسيق مع سلطات الحياة البرية بشأن الإكثار والتجارة. فالتربية في الأسر لأغراض تجارية تخضع لترتيبات محددة، ولا تمنح تلقائيًا حرية التصدير [3].
وتستطيع الجامعات دعم البرنامج بدراسة التغذية والخصوبة والفقس والنمو، وتطوير سجلات للانتخاب والتحسين الوراثي، بما يربط الإنتاج بالمعرفة ويحمي التنوع الحيوي.
التصدير يبدأ من المزرعة
يمكن الاستفادة من خبرات تصدير اللحوم في التتبع والفحص والتبريد، مع مراعاة المتطلبات الخاصة بالنعام. وتوضح الشهادة الصحية البريطانية المخصصة لتصدير لحوم الطيور العدّاءة إلى الاتحاد الأوروبي وجود مسار صحي خاص بهذه المنتجات؛ وهي مثال تنظيمي، وليست ترخيصًا للصادرات السودانية [4].
كما تؤكد تجربة جنوب أفريقيا أن تفشي إنفلونزا الطيور قد يعطل الصادرات، وأن استعادة الأسواق ترتبط بالمراقبة البيطرية والاختبارات والتواصل الموثوق مع الجهات المستوردة [5].
لذلك ينبغي دراسة الأسواق وعقود الشراء المحتملة قبل التوسع، وربط حجم المسالخ ومنشآت التجهيز بإمدادات واقعية، مع تنمية الطلب المحلي بالتوازي مع استهداف التصدير.
بداية مدروسة لمشروع وطني
يمكن للمزارع كذلك تقديم زيارات تعليمية وتجارب غذائية وعرض المنتجات والحرف، بما يضيف نشاطًا سياحيًا يراعي سلامة الزوار ورفق التعامل مع الطيور.
والخطوة العملية المقترحة هي إطلاق برنامج تجريبي محدود في مناطق مستقرة، تتوافر فيها المياه والأعلاف والخدمات وطرق التسويق. ويقاس نجاحه بمعدلات بقاء الصغار، وتكلفة التغذية والإنتاج، وجودة المنتجات، وصافي عائد المربي.
إن تبني مشروع وطني للنعام يستحق دراسة جادة من وزارة الثروة الحيوانية وشركائها. فقيمته التنموية في تصوري نموذجية، إذ أنها تنشأ من تحويل مورد محلي إلى إنتاج منظم، وتصنيع ذي قيمة مضافة، وفرص عمل مستدامة. وبالتعاونيات والبحث العلمي وحماية الحياة البرية، يمكن للسودان أن يختبر هذه الفرصة ويطورها على أساس نتائج قابلة للقياس.
مراجع مختارة للتوسع والمزيد من البحث:
إدارة الزراعة في الكيب الغربية وغرفة صناعة النعام الجنوب أفريقية: دليل تربية النعام، الطبعة الإنجليزية المنقحة، 2014. مرجع للتغذية والتفريخ والصحة والجدوى الاقتصادية.
غرفة صناعة النعام الجنوب أفريقية: الموقع الرسمي. للتعرف إلى تنظيم القطاع ومنتجاته ومؤسساته.
اتفاقية سايتس: إدراج النعام ضمن الاتفاقية، وسجل منشآت الإكثار في الأسر للأغراض التجارية. لفهم متطلبات الحماية والتجارة الدولية.
وكالة صحة الحيوان والنبات البريطانية: الشهادة الصحية رقم 8377 للحوم الطيور العدّاءة المصدرة إلى الاتحاد الأوروبي. مثال على المتطلبات الصحية الخاصة بهذه اللحوم.
حكومة جنوب أفريقيا: رفع الحظر الأوروبي عن لحوم النعام، 1 نوفمبر 2006. مثال تاريخي على ارتباط التصدير بالسيطرة على الأمراض والمراقبة البيطرية.
د. حسين إسماعيل نابري
61E7A9E5-E88A-4A9C-8859-4B040879A4FC.jpeg
Attachments:
النعام المهمل في السودان مشروع وطني لتنويع الإقتصاد وتمكين الشباب .docx 19,7 KB
61E7A9E5-E88A-4A9C-8859-4B040879A4FC.jpeg 226 KB
