علاء خيراوي
في زمن الحروب، تصبح الأرقام ساحة معركة لا تقل خطورة عن الميدان. والمقال الذي نشره الصحفي الكيزاني ضياء الدين بلال للدكتور معتصم اقرع، بشّر بما سماه “أخبارًا اقتصادية سارة” عن نمو الاقتصاد السوداني، مستندًا إلى تقرير منسوب إلى البنك الدولي حول “آفاق الاقتصاد العالمي”، لا يقدم قراءة علمية بقدر ما ينسج سردية سياسية بثوب اقتصادي. وأول ما يثير الريبة أن عنوان “آفاق الاقتصاد العالمي” هو الاسم الرسمي لتقرير يصدره صندوق النقد الدولي، لا البنك الدولي، (بينما يصدر البنك الدولي تقريرًا دوريًا بعنوان Global Economic Prospects). الخلط بين المؤسستين في حد ذاته مؤشر يستوجب التحقق. قد يبدو ذلك تفصيلاً تقنيًا، لكنه في عالم الاقتصاد الكلي ليس كذلك؛ فكل مؤسسة تعتمد منهجية مختلفة، وتوقيت إصدار مختلف، وافتراضات كلية خاصة بها. حين يختلط المصدر، تختل الثقة في المنهج.
لنأخذ الأرقام كما وردت: انكماش بنسبة ٢٩.٤٪ في ٢٠٢٣، ثم ١٤٪ في ٢٠٢٤، يعقبه نمو ٦.١٪ في ٢٠٢٥ و٥.١٪ في ٢٠٢٦. حتى لو افترضنا جدلاً صحة هذه النسب، فإن القراءة العلمية تفرض سؤالين أساسيين؛ ما هي القاعدة التي يُقاس عليها النمو؟ وما هي الشروط التي بُنيت عليها التوقعات؟ الاقتصاد الذي ينكمش قرابة ٣٠٪ في عام واحد يفقد ثلث طاقته الإنتاجية تقريبًا. وإذا أضيف إلى ذلك انكماش آخر في العام التالي، فإن الناتج المحلي يكون قد تآكل بشكل عميق. في هذه الحالة، فإن نموًا بنسبة ٦٪ لا يعني تعافيًا حقيقيًا، بل ارتفاعًا طفيفًا من قاع منخفض للغاية. الأرقام في ظاهرها تبدو إيجابية، لكنها في سياقها تعكس مجرد حركة داخل حفرة، لا خروجًا منها.
ثم إن التوقعات التي تصدر عن المؤسسات الدولية ليست شهادات إنجاز، بل سيناريوهات مشروطة. فهي تبنى على افتراضات محددة؛ وقف مستدام للقتال، استعادة الاستقرار المؤسسي، عودة النشاط المصرفي، استقرار سعر الصرف، تحسن البيئة الاستثمارية، تدفق تمويل خارجي لإعادة الإعمار. إذا لم تتحقق هذه الشروط، فإن التوقع يسقط أو يُعدّل. تحويل توقع احتمالي إلى “بشارة مؤكدة” هو تبسيط مخل، بل تضليل للوعي العام.
والأخطر من الأرقام ذاتها هو الربط الذي قام به المقال بين تحسن النمو و”تراجع ميليشيات الجنجويد”. هذه ليست لغة تقارير اقتصادية دولية. المؤسسات المالية الدولية لا تبني تقديراتها على توصيفات عسكرية أو سرديات سياسية، بل على مؤشرات كمية قابلة للقياس؛ الإنتاج الزراعي، الطاقة التشغيلية للصناعة، حجم الصادرات، التضخم، العجز المالي، الدين العام. حين يُستدعى تقرير اقتصادي لتثبيت رواية سياسية، يتحول الرقم من أداة قياس إلى أداة تعبئة.
الواقع الموضوعي لا يمكن تجاوزه بالإنشاء. السودان منذ أبريل ٢٠٢٣ يعيش حربًا واسعة النطاق. العاصمة شهدت دمارًا كبيرًا، قطاعات إنتاجية تعطلت، ملايين المواطنين نزحوا داخليًا وخارجيًا، القطاع المصرفي تعرض لهزات، وسلاسل الإمداد اختلت. في مثل هذا السياق، لا يتحقق النمو القوي إلا إذا توافرت بيئة استقرار حقيقي، لا مجرد تحسن نسبي في بعض المناطق. تجارب ما بعد النزاعات في دول أخرى تؤكد أن التعافي المستدام يحتاج سنوات من إعادة البناء المؤسسي والبنية التحتية، ويقترن عادة ببرامج تمويل وإصلاحات عميقة. أما النمو في ظل حرب غير محسومة، فيكون غالبًا محدودًا، متقلبًا، أو ناتجًا عن تأثيرات إحصائية قصيرة الأجل.
كما أن الحديث عن “تحولات جيوسياسية إقليمية” ستدفع النمو ليكون “أقوى بكثير” من ٥.١٪ هو افتراض سياسي لا اقتصادي. التوقعات الدولية عادة ما تأخذ في الاعتبار البيئة الإقليمية ضمن نماذجها، ولا تُبنى على تمنيات أو رهانات غير محددة. إن لم يُذكر ما هي هذه التحولات، وكيف ستنعكس تحديدًا على مؤشرات الإنتاج والاستثمار وسعر الصرف، فإن العبارة تبقى خطابًا تعبويًا لا تحليلًا علميًا.
المسؤولية الأخلاقية في تناول الشأن الاقتصادي تقتضي عرض الصورة كاملة لا انتقاء ما يخدم رواية بعينها. إذا كان هناك نمو متوقع، فيجب أن يُذكر معه مستوى التضخم، وحجم العجز، والدين العام، ووضع العملة الوطنية، ومدى تعافي القطاعات الحيوية. الاقتصاد ليس رقم نمو منفصلًا عن بقية المنظومة. قد يسجل الناتج تحسنًا نسبيًا بينما يظل المواطن يعاني من ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول وانعدام الخدمات. التركيز على نسبة واحدة دون سياقها يشبه النظر إلى جزء من المرآة وإهمال الصورة الكاملة.
فالقضية ليست حول رقمٍ في جدول، بل حول معنى الحقيقة نفسها. الاقتصاد لا يُدار بالخُطب، ولا ينهض بالبيانات الاحتفالية، ولا يتعافى لأننا قررنا أن نصف التوقعات بأنها إنجازات. إن كان في السودان تعافٍ حقيقي، فسيظهر في استقرار العملة، وفي عودة المصانع للدوران، وفي امتلاء الحقول بالزراعة، وفي شعور المواطن بأن حياته اليومية أصبحت أقل قسوة. أما أن يُختزل المشهد المعقّد في نسبة نموٍ مجتزأة تُستخدم لإضفاء شرعية سياسية أو صناعة انتصارٍ معنوي، فذلك ليس قراءة اقتصادية، بل إعادة تدويرٍ للأمل على هيئة دعاية.
الحقيقة القاسية أصدق من التفاؤل المصطنع. والاقتصاد، مثل التاريخ، لا يرحم من يزوّر أرقامه. فإذا أردنا أن نبني غدًا مختلفًا، فعلينا أولاً أن ننظر إلى اليوم كما هو، لا كما نرغب أن يكون. النمو الحقيقي يبدأ بالصدق، وأول شروط التعافي أن نكفّ عن تجميل الخراب بلغة الأرقام.
ليس في نقدي هذا دعوة للتشاؤم، بل دعوة للانضباط العلمي. الأمل مشروع، لكن الأمل المؤسس على قراءة دقيقة للوقائع هو وحده القادر على الصمود. أما الأمل المبني على انتقاء أرقام وتسييسها، فإنه ينهار عند أول اختبار ميداني. إن كان ثمة تعافٍ حقيقي يلوح في الأفق، فليُعرض بمنهجيته الكاملة وشروطه الواقعية. أما أن يُقدَّم التوقع بوصفه إنجازًا، ويُحمَّل ما لا يحتمل من دلالات سياسية، فذلك لا يخدم الاقتصاد ولا يخدم الحقيقة.
لهذا كله، فإن السؤال لم يعد كم تبلغ نسبة النمو المتوقعة؟ بل؛ أيُّ نمو يمكن أن يقوم على أنقاض وطنٍ مُستنزف، وشعبٍ مُشرد، وقرارٍ مختطف؟ لا يمكن للاقتصاد أن يتعافى بينما السياسة مأسورة لمنطق البندقية، ولا يمكن للأرقام أن تُقنع أمًّا فقدت ابنها، أو شابًا فقد جامعته، أو أسرةً فقدت بيتها، بأن البلاد تمضي في الاتجاه الصحيح. التعافي الحقيقي لا يبدأ من تقارير دولية ولا من مقالات احتفالية، بل من قرار شجاع بوقف الحرب فورًا، وفك قبضة العسكر عن الدولة، وإعادة السلطة إلى مسار مدني مسؤول.
التاريخ سيحفظ الأرقام الصحيحة، لكنه سيحاكم أيضًا من استخدمها لتجميل المأساة. ومن يراهن على الذاكرة القصيرة للشعوب ينسى أن الألم يُطيل عمر الذاكرة. السودان لا يحتاج إلى دعاية نمو، بل إلى سلام حقيقي وعدالة انتقالية وإعادة بناء شاملة. عندها فقط سيكون لأي رقم معنى، ولأي نسبة قيمة. أما قبل ذلك، فكل حديث عن ازدهارٍ في ظل الرماد ليس سوى محاولة لطلاء الجدار المتشقق بينما البيت كله يتهاوى.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم