د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
أسباب الهجرات:
وكان أن حدثنا أيضاً د. عبد الوهاب محمد الزنتاني، حديث الخبير والمطلع على دقائق الأمور والأحداث التاريخية، عتيقها وحديثها، بكل ثقة العارف وبكل اقتدار القادرين وبكل الموضوعية المطلوبة علمياً، في كتابه المميز والمسمى “أزمات السودان بين الديموقراطية والدكتاتورية (2004)”، عن هجرات العرب الي أفريقيا وعن أسبابها، وما تأثير تلك الهجرات وما نتائجها؟
فلنقرأ حديثه ولندقق في حروفه الغنية لنتعرف ولنعرف منه الشيء المثير والخبر الأكيد. وسوف نضطر الي أن نفسح له مساحة ليست بالقصيرة جداً أو القصيرة وليست بالطويلة ولكنها ممكن أن تكون طويلة جداً، وذلك لأهمية المعلومات التي ضماها بين دفتي قرطاسه الجميل المفيد، حيث كان هو القائل: من المعروف ومن المعلوم ان قبائل عربية كانت أن تحركت، وكانت أن تدفقت من قلب جزيرة العرب الفسيحة صدراً والضيقة مساحةً، باتجاه بعض الأقطار أو بعض البلدان المجاورة أولاً، ثم تتابع وتتابع انهمارها وزحفها بحثاً عن الحياة وسعياً وراء نعمة الاستقرار.
وبسبب التقلبات والتغيرات، المؤثرة تأثيراً ملحوظاً، والتي ظهرت على صفحة وفي بواطن طبيعة تلك الأقاليم وتلك الأماكن، التي كانت تسكن فيها مرتاحة البال ومسرورة الخاطر. وقد رفع عنها الغطاء الكثير من علماء الجغرافيا والكثير من علماء الانساب وكشفوا عن الكثير وعن المثير من أسباب هجرة أو هجرات الحاميين وهروبهم، وقد كان أحد هذه أو تلك الأسباب هو صغر وضيق الساحة أو المساحة المرسومة لها من البسيطة الصالحة لممارسة الحياة فيها، وللعيش عليها، ومنها كانت أيضاً مشكلة شح المياه وقلتها وتصحر الأراضي الزراعية وفقرها.
قالوا وقد ذكروا بكل ثقة أو في ثقة متناهية، ان جزيرة العرب هي موطن وهي مسكن الجنس السامي، وهي بذلك تعتبر بمثابة خزاناً هائلاً وضخماً يفيض في حقب متتالية وفي أزمنة متعاقبة، تحيي أحياناً الحقبة الواحدة منها ألف عام. ومهمة هذا الخزان الرئيسية هي أن يقذف ويقذف بموجات وموجات بشرية استيطانية تُنعت وتُعرف باسم الموجات السامية.
وقد علل وفسر وأرجع المقتنعون والذاكرون والقائلون بان جزيرة العرب هي مهد الجنس السامي، سبب هذه الهجرات الكثيرة والمتكررة من هذا المهد، الي عدم استطاعة جزيرة العرب استقبال واحتضان عدد مهول من البشر ومن السكان يفوق سعتها ويزيد على طاقتها، فلا يبقي بين أيديهم وأمامهم سوى الالتجاء لطريق الهجرات والي سبيل الهروب بحثاً عن الحياة الموجودة في الأماكن الخصبة وفي الأرجاء الخصيبة في الشمال.
ولقد كانت السبل الساحلية من أهم الطرق ومن أهم مسارات المهاجرين ومسالكهم التي أوصلتهم الي غاياتهم. وفي جملة أسباب ضيق جزيرة العرب عن استيعاب العدد الكبير من السكان، التغير المستمر الذي طرأ عليها مما أدي الي انحباس الأمطار عنها وشيوع الجفاف فيها، وهذا أثر بدوره على قشرتها وعلى أحيائها، فهلك من هلك وهاجر من هاجر، وأدي ذلك الي زيادة الجفاف والي يبوس الجو والي نزول مستوى الماء بالتدريج عن قشرة الأرض، حيث ظهرت وطفحت الأملاح وفقرت وجفت بعض الآبار، الشيء الذي أدي الي هجر الناس لهذه الأماكن لصعوبة العيش ولقسوته ولاستحالة الزراعة فيها واغتراب الحياة عنها.
وقد تحدث (فيلبي) عن نزول وانخفاض مستوى المياه في بعض الآبار، وتحدث غيره عن شبه ذلك في تهامة وفي الحجاز وفي أماكن أخرى. ويعزو ويرجع علماء طبقات الأرض انخفاض مستوى سطح الماء في جزيرة العرب وصحاريها الجميلة الي عوامل أخرى مختلفة، إضافة الي الجفاف، مثل نزول درجات الضغط على قشرة الأرض، وقد رأي الخبير الأمريكي (تويتشل Twitchel) ان الماء قد انخفض وانخفض زهاء سبع وعشرين قدماً عن مستواه، الذي كان عليه قبل ألفي عام.
ومن العلماء الذين نسبوا هجرة الساميين وفرارهم من جزيرة العرب الي خارجها والي أماكن ثانية أخري، الي الجفاف والي التغير الذي طرأ والذي أخذ له وجوداً في جوها، العالم الإيطالي (كايتاني L-CAETANI) فقد تخيل أو تصور بلاد العرب في الدورة الجليدية “جنة” على أنها بقيت محافظة على بهجتها وعلى نضارتها مدة طويلة وعمراً مديداً، وكانت سبباً في رسم تلك الصورة البديعة في مخيلة كتاب التوراة (جنة عدن).
وجنة عدن المذكورة والمشهورة في العهد القديم هي نفسها الجنة، بشحمها ولحمها ودمها، التي كانت في نظر (كايتاني) في جزيرة العرب، غير أن الطبيعة وأحكامها قد قست عليها فأبدلتها وجعلتها صحاري وجعلتها رمالاً جميلة في صورتها، فقيرة في محتواها، حتى اضطر أهلها الي الرحول والي الارتحال عنها الي أماكن والي بقاع تتوفر فيها ضرورات وضروريات الحياة على الأقل وعلى قليل الأقل، فكانت الهجرات الي العراق والي بلاد الشام والي مصر والي المواطن السامية الأخرى. وكانت هذه الهجرات، كما يقول، قوية وعنيفة بين السنين 2500 و1500 قبل الميلاد، فاقتحم الهكسوس أرض مصر أو دخلوها، وهاجر وارتحل العبرانيون الي أرض فلسطين، ثم تبع ذلك عدد من الهجرات المتعددة.
وقد اختلف علماء وخبراء أخرون مع (كايتاني) في أسباب الهجرة والفرار والترحال من الجزيرة العربية فأرجعوها الي عوامل أخري مختلفة كالحرب أو كالحروب وكاضطراب أو كاضطرابات الوضع في اليمن وفي الثورات الداخلية وفي انهيار سد مأرب، الذي كان نتيجة للإهمال، وفقدان القبائل لمورد عيشها وأسباب حياتها، وسوء الحال وتدهوره، وبالتالي الاضطرار الي الهجرة والي المغادرة.
الهجرات الي بلاد أفريقيا
وعلى أي حال فالأمر الذي يهمنا ونهتم فيه في هذه الدراسة وفي هذا البحث هو هجرة بعض القبائل العربية ورحولها واستيطانها في بعض البلدان والبقاع الأخرى ومنها “السودان” قبل الإسلام بفترات وفترات طويلة وقديمة في التاريخ، بما يعني ان مثل هكذا علاقات وهكذا روابط كانت موجودة، وكانت حاضرة وقائمة وكانت سائدة بين أهل الجزيرة العربية وأهل أفريقيا، وأذ كانت قبل الإسلام وليس بعده من خلال الطريق الشرقي، وهنا نعني عبر البحر الأحمر المشتعل حركةً وحراكاً.
وأيضاً من خلال الشمال عبر مصر شقيقة السودان، كما يُردد في الأغنيات وفي الأشعار، ونوعاً ما في واقع الوجود، فإنها قد صارت بعد الإسلام من خلال ثلاثة منافذ ومعابر وهي الشرقي وهي الشمالي، وكما كانت هناك إضافة قيمة والمتمثلة في الشمال الغربي عبر الصحراء الليبية، فاذا كانت مصر هي الشقيقة، فليبيا هي الحبيبة بدون شك، بحيث حدث التواصل وحصل التأثر وكان التأثير في وسط وغرب أفريقيا حتى أن (ج. سبينسر تريمينجنتون) في كتابه (تاريخ الإسلام في غرب أفريقيا) يخبرنا ويحكي لنا قائلاً بدون تردد ولا خوف، بأن السودان كان يرفد ويزود مناطق البحر الأبيض المتوسط بمقادير لها ثقلها ولها قيمتها من الذهب ومن الرقيق، وفي مقابل هذه المبادلة وهذا الكرم الحاتمي كان ينال ويحصل على الأقمشة وعلى النحاس وعلى الأدوات، على الرغم من أن وسائل مواصلاته المستخدمة آنذاك لم تكن متقدمة، وليست ذات أهمية كبيرة او عظيمة حيث أن الصور الصخرية المنحوتة تظهر أن ثيراناً على ظهورها سروجاً كانت هي وسيلة المواصلات أو هي مواصلاتهم.
وقد كان الفينيقيون نشيطين جداً في مساحات الشمال الأفريقي خلال القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وكانوا على تواصل وعلى اتصال مباشر مع زنوج أفريقيا، كما كانت طرق البرقاويين والمصريين عبر الصحراء وعبر النيل قد تأثرت تأثراً عظيماً وكبيراً أثناء الاحتلال الروماني لشمال أفريقيا، عندما اُخذت “لبده” كبديل في مقاطعة ليبيا محل قرطاج التي تم تدميرها تماماً عام أو سنة (40) قبل الميلاد، كما كان هناك دولة قد نشأت، وقد قامت في منطقة الشمال الشرقي من بحيرة تشاد تسمى وتعرف بمملكة (كانم)، وصارت لها أهمية فريدة واهمية مميزة، وقد تمددت وقد توسعت واستطالت وفرضت سلطانها على قبائل السودان الشرقي وحتى حدود مصر وبلاد النوبة في الشمال. وكان أن أشارت بعض المخطوطات وبعض الكتابات التاريخية أن مؤسس هذه المملكة هو سيف بن ذي يزن أحد ملوك قبيلة حمير اليمنية التاريخيين.
كذلك فانه من المعروف ومن المعلوم ان الهجرات من بلاد اليمن قد حدثت وقد حصلت بعد حرب الأحباش واليمنيين خلال منتصف القرن السادس الميلادي. وهكذا يتأكد، بما لا يدع مجالاً للشك، ان هجرة العرب قد تواصلت قبل الإسلام وبعده الي مختلف بلدان وأقطار ومناطق أفريقية، ومن هنا كانت القبائل العربية في السودان والتي جعلها نفس المؤلف مجموعتين.
المجموعة الأولى كانت الجعلية الدنقلاوية وهي تقابل المجموعة العدنانية في التقسيم العربي التقليدي، وهؤلاء سكنوا وقطنوا السودان الشمالي، ولم تكن هذه المجموعة أول الأمر قبيلة واحدة بل انهم كانوا جماعات وجماعات عديدة من قبائل ذات نسب متقارب، هاجرت على دفعات خلال قرون وقرون، فاحتلوا الأقطار أو الأراضي التي يعيشون ويمرحون ويسرحون فيها الآن، وبسطوا عليها نفوذهم حتى نشأت وقامت بينهم اسرة قوية تولت القيادة والزعامة فيهم ووحدتهم في قبيلة واحدة وهذه تمثل القسم الأكبر من سكان السودان الشمالي، وهم يسكنون ويعيشون في الأقاليم النهرية التي تشتمل وتحتوي على المراكز الرئيسية للحياة بمختلف مظاهرها وطبيعتها ومنها القبائل النهرية وأهمها قبائل الجعليون والميرفاب والرباطاب والمناصير والشايقية والجوابرة والركابية والجموعية، ومنها قبائل مقسمة بين النهر وبين كردفان وأهمها البديرية، ومنها قبائل تبتعد عن النهر وأهمها الجوامعة والعذيات والبطاحين.
أما المجموعة الثانية فهي الجهنية وهي تقابل قحطان واليمن أو عرب الجنوب في التقسيم العربي القديم التقليدي، وهم يسكنون ويعيشون في مواطن متفرقة في السودان، تبدأ من الشرق امتداداً الي الغرب، ومنهم من سكنوا وعاشوا في النصف الشرقي من البلاد ومنهم من يعيشون ويسكنون في الجهات الشرقية الوسطى من كردفان كمجموعة فزارة ودار حامد وبني جرار والزيادية والبزعة والشنابلة والمعاليا، ومنهم من انتشروا في كردفان وفي دارفور مثل البقارة والمحاميد والكبابيش والحمر.
ولقد كان لهاتين المجموعتين، ان صح التعبير، دور كبير ودور عظيم في نشر اللغة العربية والدين الإسلامي، على أنه يمكن القول بدون تردد ان الدور الأبرز والأكبر كان للمجموعة الأولي حيث كان بين هؤلاء يوجد العدد الأوفر والمتاح من المتعلمين، في حين أن المجموعة الأخرى (الجهنية) كانت هي الأكثر من حيث الكم ومن حيث العدد، وربما كان ذلك هو السبب في انها بقيت وظلت متميزة عن غيرها اذ لم يحدث أو يحصل بينها وبين الوطنيين امتزاج واختلاط كثير أو كبير، في حين ان الجعليين قد تمازجوا واختلطوا واشتركوا مع أولئك الذين كانوا قد سبقوهم في الاستيطان.
ومن المعروف ومن المعلوم ان الكثافة السكانية كانت حول النهر، أي في المناطق الخصيبة، ويعتبر ذلك من الامور الطبيعية بالنسبة لوافدين، جاءوا سعياً وأتوا بحثاً عن الاستقرار وعن الحياة المستقرة، كما انه من المعلوم ان الدور الأوفر والأكبر والأعظم كان لأولئك الرواد الذين كانوا يطوفون ارجاء القطر تجاراً او دعاةً، سواء في جماعات صغيرة او كأفراد، فقد كانوا يعلمون الآخرين اللغة العربية وينشرون الدين الإسلامي ويبثون تعاليمه في الأرجاء وفي الأركان أينما حلوا واينما نزلوا وقد نجحوا في ذلك ايما نجاح.
….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم