الهجرات العربية الي أفريقيا (2)

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
بن أبي السرح والغزوة الثانية:
وفي الغزوة الثانية، التي كان يقودها عبد الله بن سعد في زمن الخليفة عثمان بن عفان، وكان زمانها تاريخياً خلال سنة 651م على شمال السودان، تم توقيع معاهدة مع مملكة دنقلة، تم الاشتراط فيها على ان يحافظ أهل هذه البلاد وتلك الأرجاء على من ينزل بلادهم من المسلمين أو ممن تعاهدوا مع المسلمين ولا يمسوهم بسوء الي أن يخرجوا الي مقاصدهم، وأن يردوا أي خارج من عبيد المسلمين الي بلاد الإسلام، وان يحافظوا ويحفظوا المسجد الذي أقامه وشيده المسلمون في مدينتهم، وألا يمنعوا منه مصلياً، وان يحترموه وان يقدروه.
وعلى الرغم من ان الغزوة الثانية كانت في عهد الخليفة الثالث، فقد كان معروفاً ومقرراً في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ألا يقيم وألا يستقر المجاهدون من جنود الإسلام في البلاد التي يدخلوها والتي يفتحوها إقامة تملك وإقامة استقرار، وربما كان القصد من ذلك القرار هو عدم احداث احتكاك أو احتكاكات ومنازعات بين الفاتحين وبين أهل البلاد المفتوحة. وربما كذلك أريد منه ألا يركن المجاهدون الي التملك والي الإقامة والي الاستكانة، بل عليهم المواصلة والاستمرار في الفتح، وفي نشر الدعوة المحمدية.
ولم يبدأ استقرار العرب الفاتحين وأهل البلاد المجاورة الا مع نهاية القرن العاشر الميلادي، ويمكننا استثناء أولئك الذين كانوا قد انتقلوا اليها قبل أن يأتي الإسلام أو لم يأتوها عن طريق الفتح، وانما لأغراض أخرى. ولقد كانت تلك السياسة، سياسة رشيدة وكانت حكيمة، استنها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.
وبحلول نهاية القرن العاشر ورسوخ الإسلام ونفاذ اللغة العربية، تدفق وانهمر سيل من العرب الي داخل السودان، كما ذكرنا من الشمال ومن الشرق أولاً، ثم من الشمال الغربي عبر الأراضي الليبية، كذلك فقد حدثت ووقعت فتن وفتن وخلافات وتباينات في أواخر عصر الأمويين ومع بداية عصر العباسيين.
ولذلك كانت أفريقيا أو أفريقية وبشكل خاص أو على وجه الخصوص السودان مأويً لأولئك الذين تركوا بلادهم وابتعدوا عن أوطانهم طوعاً لا قسراً أو قسراً لا طوعاً، ومنهم عبد الله بن مروان آخر ملوك بني أمية الذي هرب الي السودان، والعهدة على المسعودي وليست علينا، بعد أن فقد أخاه وفقد الكثير والعديد من أتباعه.
وفي حكايات أخرى ان آل العمر بن يزيد بن عبدالله بن مروان فروا من بطش العباسيين بعد اغتيال “العمر” في البداية الي أرض الأحباش ومنها الي أرض السودان، وهناك انتسبوا وانضموا الي الفونج، حتى انهم بسطوا نفوذهم على مملكة الفونج، التي دامت لأكثر من ثلاثة قرون (1500-1820 ميلادية)، كما ساح ونزح خلال القرن العاشر بنو جعفر بن أبي طالب الي مصر ومنها شمالاً الي بلاد السودان الرحيبة، وقد عرفوا هناك باسم شرفاء الجعافرة، ومما لا شك فيه ولا ريب ان نسلهم الموجود الآن بالسودان والمعروفين ب(الجعافرة) هم أحفادهم وهم من صلبهم.
وفي معاهدة عبد الله بن سعد (عبد الله بن أبي السرح) مع مملكة دنقلة نصوص وحروف تنص على التعاون بين مصر وبين مملكة دنقلة النوبية وكذلك عدم الاعتداء أو التعدي، على أن تدفع الأخيرة الجزية واشتراط المحافظة على المقدسات الإسلامية، التي شُيدت والتي أقيمت في هذه الأرجاء، ومساعدة المسلمين الذين يفدون اليها عابرين.
وكانت هذه المعاهدة بمثابة أول معاهدة سياسية وأمنية مع بلد افريقي وهو السودان، الواسع صدراً ومساحةً، ولقد بقيت بلاد النوبة بعد المعاهدة المذكورة والتي دامت قرابة ستة قرون على مسيحيتها وعلى نصرانيتها، وقد فتحت الأبواب وفتحت المنافذ بين مملكة النوبة وبين بلاد العرب لعلاقات وروابط تجارية وأخرى ثقافية، حتى ان ملك النوبة المسيحي المسمى (بهنس) أرسل ابنه جورج الي بغداد للتفاوض من أجل الصلح بين بلاده والدولة الإسلامية، وكان ذلك خلال القرن الثامن الميلادي أي بعد فتح مصر من طرف أو من قبل المسلمين بأكثر من قرنين ونصف القرن، وحتى عندما استولي الجيش الأيوبي على مناطق في النوبة سنة 1171م، حيث كان صلاح الدين الأيوبي يطارد ويهاجم الفاطميين الذين تجمعوا وتكوموا في هذه البلاد وقاموا بثورة ضده.
وفي الحملة الثانية سنة 1173م، استولى جيشه أي جيش صلاح الدين على “ابريم” وأسر الكثير من المسيحيين، واستطاع ملك مملكة دنقلة خلق علاقات وروابط مع قائد الجيش الغازي وحافظ على بعض مصالح مملكته والإبقاء على الدين المسيحي الي ان جاءت حملة قلاوون سنة 1316م، وأُسر فيها آخر ملوك دنقلة المسمى “كرنيس”، وبعدها جلس على عرش حكم دنقلة أول ملك مسلم وهو عبد الله بن سنبرة، ولقد استتبع ذلك معاهدات أخرى تمت في عهد معاوية بن أبي سفيان.
ويذكر تربمينجهام ان العرب المسلمين، مباشرة، بعد أن احتلوا وسيطروا على سوريا قاموا بغزو ودخول مصر، حيث لقوا هناك ترحيباً منقطع النظير لا يوصف، وقد تمت لهم السيطرة الكاملة والتامة عليها في عام 642م، وباتخاذهم مصر كقاعدة انطلاق، قاموا بمد غزواتهم في اتجاه الغرب وفي اقاصي هذا الغرب.
وعلى الرغم من أن عمليات احتلال شمال أفريقيا كانت لا تزال مشوشة ومبهمة وغير موثوق في مصادرها الا ان خطوطها العامة تبدو واضحة جلية، وهو ما نحتاج اليه، ذلك ان الخليفة الثالث عثمان قد أعطى الاذن للقيام بحملة على أفريقيا تحت قيادة وامرة عبد الله بن سعد، الذي ابرم معاهدة مع السلطات البيزنطية في سنة 35 هجرية (656 ميلادية) مقابل دفع جزية باهظة.
وعندما تولى معاوية السلطة قام بإرسال عقبة بن نافع لغزو واحتلال شمال أفريقيا. وكان في مرحلته الأولي عندما احتل تلك البلاد (41-51 هجرية) قد أسس عقبة مدينة القيروان ولم ينسى احتلال “غدامس” واستولى على بعض مراكز الزنوج من نواحي فزان (42-43 هجرية) الا انه من الجلي ان احتلالاً مستديماً ودائماً في الدواخل لم يحصل ولم يقع.
أما في فترته الثانية، والتي كانت زمانياً في (60-63 هجرية)، وكوالي على أفريقيا مد عقبة هجومه وهجماته حتى مراكش، الا انه وفي طريق عودته لقى حتفه ولقى مصرعه في معركة ضد زعيم البربر “كوسيلا” في (68 هجرية)، (682-683 ميلادية)، ولهذا السبب الحزين نجد الغزو قد كُتب له الفشل الذريع، وكان على العرب أن يخلو أغلب مناطق البلاد الأفريقية في الشمال على إثر ذلك.
وفي عصر الخليفة عبد الملك بن مروان وبعد الغزوتين الفاشلتين، تم احتلال شمال أفريقيا بواسطة حسان بن النعمان. وشهد هذا الاحتلال مقتل ملكة البربر، التي كانت تعرف عند العرب بكنية أو باسم (الكاهنة)، وكان ذلك بين سنوات الفترة (82-90 هجرية) أي (701-708 ميلادية). وكان ان تحول مسيحي مدن شمال أفريقية ومناطق بربر المرتفعات والسهول الي الإسلام، وأصبحوا يدينون بدين نبي الرحمة محمد بن عبد الله (ص) في القرن الثاني الهجري. وكانت الكنيسة المسيحية قد ماتت وفنيت قبل ان يمحوها أو يقضي عليها الإسلام، ذلك لأنها لم تتجذر ولم تتعمق في حياة البلاد وفي أعماقها.
وانتشار الإسلام في الشمال الأفريقي، الشمال الذي وفدت اليه القبائل العربية عن طريق مصر من الشمال، يجيب عن سؤال مهم وضروري ومطروح دائماً في أغلب الدراسات الإسلامية، عما هو سبب بقاء الإسلام أصولياً على مذهب أهل السنة، ولم يتأثر بالدعوة الفاطمية رغم قربه ورغم ارتباطه بمصر التي حكمها الفاطميون وفرضوا على أهلها مذهبهم الشيعي؟
وهذا يعني بكل شفافية بأن المسلمين الذين وفدوا والذين أتوا عن طريق الشمال الغربي كانوا أكثر تأثيراً وأسبق في الدعوة الإسلامية، حيث ان أهل الشمال الأفريقي كانوا مسلمين في الأصول ومالكية في الفروع، وأي فروع، وهو ما تمسك به أهل بلاد السودان مذهباً وعقيدةً حتى لحظتنا الماثلة.
وكان بنو هلال وبنو سليم قد استنفروا في مناطق مصر العليا، أي في صعيد مصر اثناء العهد والحكم الفاطمي، ونظراً الي أن هذه القبائل لم تألف ولم تتعود على حكم القانون، لأنها قبائل رحل بمعني أنهم دائمي الترحل والترحال، فقد أحدثوا وخلقوا مضبات وصعوبات كبيرة وعظيمة لحكم المستنصر، وكان ذلك خلال النصف الأول من القرن الحادي عشر الميلادي.
ولأن أمير شمال أفريقيا، والعهدة على (بيرمينجام)، كان أن نبذ ورفض المذهب الشيعي والشيعة واستقل بالحكم. ثم صار يدعو العباسيين في بغداد، وإذ لم يكن للمستنصر حول ولا طول في هذا الأمر ولا يستطيع ان يُرغم أو يفرض على الأمير المعز بن باديس طاعته، فقد عمل على تشجيع وتحريض هذه القبائل على الزحف ناحية شمال أفريقية حتى تستولى على تلك المناطق، وأبلغ زعماء الهلاليين وسليم انهم احرار في المناطق وفي البلاد التي يحتلوها ويخضعوها لسلطانهم بالشمال الأفريقي وامارة المعز امير صنهاجة وهكذا فعلوا.
فقد تحركوا وزحفوا باتجاه شمال افريقية ليكونوا او ليمثلوا الموجة الثالثة من الزحف العربي على أفريقيا شمالها وشرقها. وكما حصل في السودان بعد القضاء على مملكة دنقلة وتولى عبد الله بن سنبو اذ تنازعت القبائل العربية عندما قتل زعيم قبيلة ربيعة ملك دنقلة، وربيعة هذه قبيلة كانت قد وفدت الي السودان قبل الإسلام واستقر منها بنو كتر وعكرمة في شمال النوبة مثلهم مثل جهينة، ونظراً للاضطرابات والحوادث التي اثارتها القبائل العربية لم تستقر البلاد ولهذا انقطعت الجزية التي كان المسلمون قد فرضوها منذ معاهدة عبد الله بن أبي السرح على النوبة سنة 651 ميلادية. وحصل نفس الشيء ونفس الفعل في شمال أفريقية من الفئات ومن القبائل التي استولت على البلاد وحدث الكثير من التقاتل ومن المنازعات، وكان أن استقر بنو سليم في الأراضي الليبية والجزء الغربي من تونس.
بينما واصل بنو هلال الانسياب والزحف الي أن وصلوا هناك عند الأطلنطي ولم يكتب للأمور الاستقرار هناك في الشمال الأفريقي، اذ سرعان ما حدثت الهجرة العكسية فبدلاً من هجرة القبائل العربية من الشرق الي الغرب حدثت الهجرة العربية من الغرب الي الشرق بعد تفكك وانحطاط الدولة الإسلامية في الأندلس وسقوط غرناطة عام 1492م، وبداية التنكيل بالعرب والتنكيل بالمسلمين عموماً وحدوث المد المسيحي وتمدده على حساب المد العربي والإسلامي أو ربما يمكن القول بعد اضمحلال الحضارة العربية الإسلامية ونهوض الحضارة المسيحية الأوربية.
وإذ بدأ تدفق وانهمار القبائل باتجاه الشرق كانت قبيلة الهوارة المغربية في الحدود الشمالية ومنطقة النوبة قد تحالفت مع بني كتر وربيعة، أي انه في هذه الفترة كان أن تمركزت قبائل جهينة وربيعة وهوارة في بلاد النوبة، وكان التتار في المشرق قد قضوا على الخلافة وأطاحوا بها في بغداد ودمروا منجزات الحضارة العربية هناك، ومع الهجوم على الإسلام من كل الاتجاهات، من الشرق ومن الغرب، بسقوط بغداد في 1278ميلادية وسقوط غرناطة في 1492 ميلادية، زالت الدولة العباسية وانتهت هذه الخلافة الي أبد الأبدين، والتي دامت واستمرت قرابة الخمسة قرون، وقد كانت حضارة زاهية وزاهرة وكانت ثقافة متجددة ومبدعة.
عودة الفتوحات العربية
ولقد بدأت الفتوحات العربية الإسلامية أو العربية، والتي انطلقت الي الغرب والي الجنوب من مصر تعود مرة أخري اليها، وحاول الظاهر بيبرس أن يجعل من القاهرة مقراً للخلافة، لعله يحدث أمر البعث من جديد. وقد نشطت الدعوة الإسلامية في هذه الفترة ربما في محاولات للرد على الانتكاسات التي حدثت والهجوم الشرقي والغربي على الإسلام والحضارة العربية الإسلامية.
وكان للحركة الصوفية بشكل خاص وأخص الخصوص وطرق الدعوة والأذكار الأخرى بشكل عام وأعم دور هام ومهم في ترسيخ أقدام الإسلام وفي نشره، وقد حل بعضها محل القبيلة في تجميع الناس وفي تنظيم الناس، وان حصل بينها، فيما بعد، ما يشبه التنافس القبلي، ولذلك عجزت في أن تخلق رابطة قومية تزيل الحواجز وتلغي التنافر وتدفع المجتمع الي التقدم وباتجاه المستقبل.
ورغم ذلك فان دورها الإصلاحي بقي شعلة متقدة، ولا يجب أن تُنكر مساهماتها الدينية ومساهماتها الأخلاقية، ولا يجب أن تغيب عن بال الباحث الدارس في أمور واحداث تلك الفترة أو تلك المرحلة من تاريخ السودان خاصةً وأفريقية عامةً وحتى العالم الإسلامي ككل.
ففي السودان لعبت هذه الطرق دوراً بارزاً كالطريقة التيجانية والطريقة الرفاعية والرحمانية والسعدية والبدوية والبرهامية والدسوقية والتقشندية والابراهيمية والطريقة البيومية. وفي أفريقيا الغربية والشمالية لعبت نفس الدور الطريقة القادرية (طريقة عبد القادر الجيلاني)، والتي انتشرت في القرن الحادي عشر وبعده. والشاذلية في تونس خلال القرن الثاني عشر، ومن هناك انتشرت في المغرب الأقصى بعد ذلك بعدة قرون وقرون.
كذلك انتشرت في ليبيا وقبلها في الجزائر وهي تنسب الي ابي الحسن الشاذلي، على أن هناك طرقاً وهناك حركات إصلاحية دينية سياسية منها ما اعتمد العمل العسكري بجانب الدعوة الدينية، ومنها ما اكتفي بالجانب الديني الإصلاحي فقط كالوهابية في السعودية، والتي تنسب الي السيد محمد بن عبد الوهاب والسنوسية في ليبيا وتنسب الي السيد محمد بن على السنوسي والمهدية والختمية في السودان وتنسب الأولى الي السيد محمد احمد المهدي، والثانية تنسب الي السيد محمد عثمان الميرغني.
وقد عُرفت حركة الميرغني بالميرغنية عند ميلادها وفي بداياتها، وحركة محمد أحمد المهدي بالمهدية نسبة الي المهدي المنتظر كما يعتقدون، ثم صارت الميرغنية تسمى بالختمية، وصارت المهدية بالأنصار. وكذلك حركة عبد الله بن حسن الصومالي في الصومال وغير هذه وهذه في كل بلدان أفريقيا وبلدان آسيا وبلدان الشرق الأقصى والأندلس.
وقد تأثرت كثيراً هذه الحركات وهذه الدعوات وهذه الطرق في السودان، بدايةً، بالحركة الوهابية في السعودية، ذلك ان السيد محمد عثمان الميرغني كان أحد أتباع الزعيم الروحي لجماعة الخضرية والسيد أحمد بن ادريس الفاسي الذي بدا حركته في مكة، بينما كانت دعوة محمد بن عبد الوهاب في الحجاز وكان هناك تواصل وأيضاً اتصال دائم ومستمر بين السودان وبين السعودية بواسطة الحجاج، ومن هناك ومن هؤلاء ومن غيرهم كان تأثير الدعويين عظيماً ومؤثراً.
وكان أيضاً أن تأثر المهدي بالسنوسية في ليبيا، وكان لمحمد بن على السنوسي أيضاً اتصال وتواصل بالدعوة الوهابية الموجودة في العربية السعودية، اذ انه قبل ان يبدأ دعوته في “برقة” بليبيا كان أن ذهب حاجاً الي هناك، حيث اطلع على تلك الدعوة وتحرى منها واطمئن لها.
ومن هنا يمكن القول بان كل هذه الدعوات كانت متلازمة وكانت متأثرة ببعضها البعض في كل البلاد العربية ومعظم البلاد الإسلامية من الجزيرة العربية الي وسط اسيا فالهند والصين الي الشرق الأوسط وأفريقيا فالمغرب الأقصى والأندلس.
ويقال نفس الشيء عن الطريقة الصوفية، فقد كان السودانيون يرحبون برجال هذه الطرق ويستضيفوهم في بيوتهم ويكرموهم ويقدمون لهم يد العون ويد المساعدة، وقد كثر أتباع الطرق الصوفية وكثر اللحاق بمشايخ تلك الطرق لأسباب كثيرة وكثيرة ربما اغلبها سياسية، ذلك ان السودان كان ملجأ المبعدين وملاذ الهاربين من القهر ومن الاضطهاد السياسي، أولئك الذين أتوا من أراضي الدولة الاموية ثم من الدولة العباسية فالفاطمية فالأيوبية فالمماليك، وكل هذه التقلبات وكل هذه التغيرات في الحكم وفي النظم السياسية كان ضدها أناس ومنها ضحايا.
ومن دوافع الانضواء تحت ظل هذه الطرق، ان دعاتها كانوا من السماحة ومن الصفات الطيبة، بحيث جعلوا الناس يتقبلون دعواتهم ويجتمعون بهم وقت الأزمات ووقت الظروف الصعبة، ولم يكن هذا البلد ليخلو لحظة ما أو هنيئة ما من المشاكل ومن الحروب ومن الانقسامات.
وبعد ان قضي المماليك على حكم الأيوبيين في مصر بحوالي ربع قرن، قام بيبرس بحملات على شمال السودان وبلاد النوبة، مما زاد في معاناة الناس معاناة، وجعل الخلافات والانقسامات تزداد بين الفئات وبين الطوائف شدة على شدتها، وهذه الأمور دون شك تدفع الناس الي الزهد والي الرغبة في التعبد، والالتجاء الي ما يطمئن النفوس ويريحها كدعوات أولئك المشايخ.
ومع مملكة الفونج في سنار واستقرار الأحوال بشكل نسبي، كانت الطرق الصوفية قد انسابت وقد انداحت وانتشرت في بلاد السودان وغيره من بلاد أفريقية، لأنها كانت الطرق والوسيلة التي فتحت الآفاق لانتشار الإسلام ولانسيابه ولرسوخه بين شعوب كانت تتعامل مع أحداث الحياة بالسليقة لا بالعقل. وببداءتها وجدت الطرق الصوفية دواءً لأمراض هذه الشعوب ولعللها ولمشاكلها، وهو الأمر الذي لم تدركه طرق أخرى قبل الصوفية.
….. نواصل
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …