الهدنة في السودان- بين رغبة الناس ومناورات الإسلاميين

زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com

السودان اليوم واقف في منطقة حرجة، حيث لم تعد الهدنة المطروحة مجرد وقف لإطلاق النار، بل صارت ساحة صراع مفتوح بين ثلاث قوى متناقضة
رغبة السودانيين البسطاء في التقاط أنفاس الحياة، ومناورات الحركة الإسلامية للحفاظ على نفوذها، وخوفها العميق من الإبعاد النهائي عن المشهد السياسي
الهدنة- أمل شعب بلا سلاح
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحوّل مطلب السلام من شعار سياسي إلى ضرورة وجودية. ملايين السودانيين ينظرون إلى أي هدنة بوصفها الممر الوحيد لفتح الإغاثة، والعودة إلى البيوت، وبدء مسار سياسي حقيقي
لكن المعضلة أن هذه الرغبة الشعبية، رغم قوتها الأخلاقية، تظل رغبة عزلاء بلا أدوات ضغط عسكرية أو تنظيمية تحميها على الأرض
الإسلاميون وإدارة الأزمة لا حلّها
في الجهة المقابلة، تتعامل الحركة الإسلامية وبقايا نظام البشير مع الهدنة بمنطق تكتيكي بحت: كوسيلة لشراء الوقت، لا كمدخل لإنهاء الحرب. هذا السلوك يظهر بوضوح عبر ثلاثة محاور متداخلة لإدارة الصراع
أولاً- الإعلام – معركة التضليل المنظمة
الإعلام لدى الإسلاميين ليس أداة نقل، بل سلاح تعبئة
تُستخدم فيه لغة التخوين وشيطنة المدنيين، ووصم أي دعوة للسلام بأنها “عمالة” أو “طعن في الجيش”
الهدف هو تفريغ الهدنة من بعدها الإنساني وتحويلها إلى موقف سياسي مشكوك فيه
ثانياً– السلاح – العنف بالوكالة
لا يظهر الإسلاميون دائماً في واجهة المعارك، بل يعتمدون على مليشيات وشبكات مسلحة تم بناؤها خلال عقود التمكين
هذه المليشيات لا تُستخدم للحسم، بل للتخريب وخروقات محسوبة كلما اقتربت فرص التهدئة، لإبقاء البلاد في حالة سيولة أمنية تضمن استمرار نفوذهم من الخلف
ثالثاً- القبيلة – بديل الدولة
بعد سقوط مشروعهم الأيديولوجي، لجأ الإسلاميون إلى تسييس القبيلة باعتبارها “حاضنة أمنية”. يُدخَل السلاح إلى المجتمعات المحلية تحت شعار الدفاع عن الأرض، ما يحوّل الصراع من نزاع سلطة إلى حرب مجتمعات، وهي أخطر مراحل الانهيار في بلد هش مثل السودان
فوبيا الإقصاء- المحرك الحقيقي
الخوف الأساسي الذي يحكم موقف الإسلاميين من الهدنة هو الخوف من الإبعاد. فهم يدركون أن أي سلام حقيقي يستلزم فك الارتباط بين الجيش والتنظيمات الأيديولوجية، وهذا يعني نهاية نفوذهم
لذلك تُقرأ أي مفاوضات عندهم باعتبارها كميناً سياسياً، وتُستخدم البندقية كدرع أخير لمنع الوصول إلى حكم مدني خالص
لماذا تبدو الهدنة هشّة؟
الهشاشة نابعة من فجوة واضحة-الشعب يريد السلام لكنه بلا أدوات فرض
الإسلاميون يقبلون الهدنة تكتيكياً فقط لإعادة التموضع أو تفادي الضغط الدولي
حالة “لا حرب ولا سلام” هي المنطقة الأكثر راحة لهم، لأنها تضمن النفوذ بلا محاسبة

السيناريوهات المحتملة
استمرار الاستنزاف- هدنة رخوة وخروقات متواصلة، مع تعطيل أي تسوية جادة
التصعيد المتعمد- إذا شعر الإسلاميون باقتراب الإقصاء، قد يدفعون البلاد نحو انفجار أوسع مهما كانت الكلفة
السلام الصعب- ويتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً وكتلة مدنية قادرة على فرض مشروع وطني يتجاوز الدين والقبيلة

*الهدنة في السودان ليست ورقة تفاوض تُوقّع في الخارج، بل مرآة تعكس أزمة الدولة نفسها
ما دام الإعلام أداة تضليل، والسلاح خارج سلطة الدولة، والقبيلة بديلاً للوطن، ستظل الهدنة مجرد استراحة في حرب طويلة
مستقبل السودان مرهون بتفكيك هذه المعادلة ,سياسة يقودها المدنيون،وجيش مهني بلا أيديولوجيا، وإعلام يعيد الاعتبار للحقيقة
من هنا علينا قراءة المشهد بوضوح دون غبش .

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

لما تولع في طهران… الخرطوم تتعرّى

زهير عثمان الحرب على إيران إن انفجرت ما مجرد مواجهة عسكرية عابرة. دي لحظة إعادة …