تأمُلات
كمال الهِدَي
بعد أن سادت حالة من التخدير، كما يحدث دائماً عقب كل جمعية عمومية لنادي الهلال وفي أعقاب كل موسم تسجيلات، أيقظت صدمة الخروج من بطولة سيكافا كثيراً من الأهلة من حالة “الخدر اللذيذ”.
والواقع أن غالبية الأهلة، بمن فيهم المستنيرون والمثقفون، تناسوا حقيقة أن بلداً يفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، ويعجز عن توفير الأمن والأمان والتعليم والصحة وسبل العيش الكريم لمواطنيه، لا يمكن أن يخرج منه بطل، لا في كرة القدم ولا في غيرها.
ولهذا السبب توقفت عن الكتابة في الشأن الرياضي لسنوات عديدة، لقناعتي بأننا لا يمكن أن نقدم شيئاً حقيقياً في الرياضة في ظل واقعنا الحالي، خاصة بعد اندلاع هذه الحرب اللعينة.
وكان رأيي دائماً أن محاولات إدارتي الهلال والمريخ للإبقاء على نشاط فريقي الكرة خارج الوطن لم تكن مدفوعة بالغيرة على الناديين أو على الكرة السودانية، وإنما بأهداف أخرى يعرفها القائمون عليها جيداً، ويدركها كثير من الأهلة، لكنهم يفضلون غض الطرف عنها.
وما أعادني إلى الكتابة الرياضية سببان؛ أولهما إصرار بعض الأصدقاء من الأهلة، الذين رأوا أن الفراغ في هذا المجال يوسع المساحة أمام من يسعون إلى تضليل الجماهير وممارسة ذلك “التخدير اللذيذ” الذي أشرت إليه آنفاً. أما السبب الثاني، فهو أنني وصلت، بعد سنوات من القتل والدمار، إلى قناعة بأننا، كشعب سوداني، سنظل منقسمين حول هذه الحرب رغم كل شرورها، ولن يأتي يوم نتوحد فيه ضدها، وهو ما ظللت أدعو إليه منذ ذلك السبت الرمضاني الذي اندلعت فيه.
المهم أن صدمة الخروج من سيكافا أعادت كثيراً من الأهلة إلى يقظتهم؛ فهي بطولة متواضعة ضمت أندية أصغر من الهلال بكثير، وأقل منه إنفاقاً وجماهيرية. ولذلك فإن الخروج منها يؤكد لي ما كنت مقتنعاً به تماماً: أن الهلال، في ظل إدارته الحالية، لن يحقق بطولة خارجية، إلا إذا وجد مجلس إدارته وسيلة لشرائها بالمال.
ولكي نكون منصفين، فالمشكلة ليست محصورة في مجلس الإدارة وحده، بل أصبحت تمتد إلى جماهير النادي نفسها، إذ لم تعد هذه الجماهير ترغب في أداء دورها الفاعل بوصفها لاعباً أساسياً في المشهد.
ويرجع ذلك أيضاً إلى أزمات مجتمعية نتجاهلها ونتحاشى مواجهتها. فعندما تتمكن مجموعات محدودة من الأثرياء من السيطرة على أي مؤسسة جماهيرية، فتأكد أن ضعف الأخلاق والانتهازية كانا عاملين أساسيين في ذلك؛ فلا مجال للحديث عن الصدفة هنا.
ولابد من ذكر أمثلة توضح هذا الرأي. فعندما تجد مشجعاً هلالياً عادياً يبدأ من مدرجات المساطب، ثم يتدرج إلى المشاركة الفاعلة في المجموعات التشجيعية المعروفة، ويكوّن مع مرور الوقت دائرة من الأصدقاء والمناصرين، ثم يبدأ في توظيف هذه الدائرة كرافعة اجتماعية للترويج له في المنتديات ومجموعات التواصل الاجتماعي، قبل أن يكثر تردده على مقرات الصحف الرياضية ويطور علاقاته برؤساء التحرير والقائمين عليها، ألا يدعو ذلك إلى التساؤل عن النوايا؟
وبعيداً عن الافتراضات، فقد أثبتت التجارب أن كثيراً من هؤلاء المشجعين الذين يتوددون إلى الإداريين والإعلاميين، ويوظفون علاقاتهم وروافعهم الاجتماعية، يصلون في النهاية إلى مبتغاهم، فيصبحون أعضاء في مجالس الإدارات، بل إن بعضهم حقق مكاسب مادية ملحوظة بفضل موقعه الجديد.
هذا لون من الفساد الأخلاقي يسكت عنه الأهلة، ويترددون في مواجهته. وعندما يتحول المشجع العادي إلى صاحب مصلحة وانتهازي بهذا الشكل، فإننا نكون أمام كارثة حقيقية. ولهذا تتسع دوائر أصحاب المصالح داخل نادي الهلال باستمرار، وتزداد المواجهة صعوبة.
والمؤسف أن الإعلام الأزرق يصمت عن ذلك، لأن بعض العاملين فيه متورطون في هذا الفساد أو هذه الانتهازية، فتتشابك المصالح، ويصبح من الأسهل صرف الجماهير عن التفكير في مثل هذه القضايا، عبر العناوين الجاذبة المتكررة، والمقالات التخديرية التي تتحدث عن صفقات المحترفين الأجانب، أو عن القدرات الهائلة، المفترضة، لهذا الإداري أو ذاك.
أتفهم أن تكون للرئيس حاشية من المنتفعين، لكن عندما يصبح للإعلامي حاشيته، وللمشجع الانتهازي حاشيته أيضاً، فإن الأزمة تصبح أكثر تعقيداً، ويغدو تجاوزها شبه مستحيل، ما لم نتحلَّ بالصرامة والشجاعة الكافيتين، ونغلّب المصلحة العامة على مصالحنا الشخصية، وهو أمر أصبح، في هذا السودان، أندر من لبن الطير.
kamalalhidai@hotmail.com
