تأمُلات
كمال الهِدَي
كثيراً ما أكتب حول ضرورة أن يسعى الأهلة جاهدين لاستعادة هيبة ناديهم العريق، ولا أشك في أن أي هلالي أصيل وناضج فكرياً يدرك أن هيبة النادي لن تُسترد إلا عبر عضوية واسعة وراشدة، تؤدي بدورها إلى تنصيب إداريين ذوي كفاءة وثقة في أنفسهم، تجعلهم يجنحون إلى المؤسسية في إدارة النادي وتطبيق نظم محاسبية صارمة تضمن الانضباط والشفافية.
أما السطحيون، فيفهمون أن الهيبة تعني أن يسجل الرئيس أو نائبه عدداً من المحترفين الأجانب يفوق ما يسجله الغريم، وأن يوفر الإداريون أطقم قمصان وشورتات لامعة، حتى ولو حملت الشعار الخطأ، فذلك لا يهمهم كثيراً.
ومثل هذه الفئة من الإعلاميين والمشجعين، الذين يؤمنون بعبارات سطحية مثل ” الكاش يقلل النقاش”، هم أحد أسباب التدهور الذي لحق بمؤسساتنا الكبيرة، لأنهم ينجذبون، دون فهم عميق، إلى بريق المال، بل ويحاول بعضهم تحقيق مكاسب، سواءً من بيع القمصان أو من جيوب الإداريين مباشرة، ولهذا تقهقرنا كثيراً.
وفي وجود الكثير من الإداريين فاقدي الكفاءة والخبرات والقيم حالياً، يصعب انتهاج المؤسسية ما لم تتوسع العضوية الراشدة في النادي، لأنها ستتيح للمنتسبين اختيار أهل الكفاءة، عوضاً عن أن يُفرض عليهم فلان أو علان فقط لأنه يملك المال.
أما فيما مضى، ورغم أن العضوية لم تكن بالأعداد التي نطمح إليها في مؤسسة بحجم ومكانة الهلال، إلا أن إداريي الزمن الماضي كانوا أصحاب كفاءة وأهلاً للثقة حقاً، ولم يكن بالضرورة أن يكون الواحد منهم ذا ثراء فاحش يمكنه من الصرف علي النادي بمفرده، لكنهم كانوا يعرفون كيف يستقطبون رؤوس الأموال.
لكنهم لم يكونوا ينفقون بعشوائية، أو بطريقة تخلط الأمور على الآخرين، لأنهم أصلاً لم يتصدوا للعمل في مجالس إدارات الهلال طمعاً في المال، أو سعياً لتحقيق الشهرة وتوسيع دائرة علاقاتهم العامة لاستغلال اسم الهلال. بل كانوا يتحملون الضغوط والرهق حباً في الهلال.
فرجل مثل الراحل المقيم الطيب عبد الله (رحمه الله وأسكنه فسيح الجنان) اعتمد في إدارته للهلال على ثرائه الفكري وخبراته الواسعة في الإدارة، لا على المال، لذلك كان من السهل جداً أن يلتف حوله أقطاب أثرياء، كانوا يثقون أن ما ينفقونه على عشقهم الأول يوجه بالصورة المثلى.
وعلى نفس المنوال سارت أجيال عديدة من الإداريين ذوي الكفاءة وأهل الثقة، مثل الراحل عبد المجيد منصور (رحمه الله)، والباشمهندس عبد الله السماني، والحكيم طه علي البشير وغيرهم، قبل أن نتدحرج إلى مرحلة الإداري الذي يسعى للتكسب من الهلال بدل أن يضيف له.
وضمن سياق الفكرة أعلاه وردني تعقيب للبروفيسور الرياضي المطبوع، والهلالي الأصيل وأحد قادة اللجنة الاولمبية السابقين محمود السر، سأورده لكم كاملاً في الفقرات التالية، حتى يُقارن البعض بين ما كنا عليه وما آلت إليه الأمور.
يقول بروف محمود: ” رجال الهلال أمثال الطيب عبدالله ومنصور وطه ما كانوا يحرصون علي أن يكون المال في أيديهم، بل كانوا يطلبون ممن يريدون ان يسجلوا لاعباً أن يذهبوا به إلي القطب الذي يدفع مباشرة، ولكن اليوم يحرص العضو على أن يستلم من الرئيس ثم يدفع هو، رغم أن تراخيص الأندية منعت ذلك، خوفا من غسيل الأموال، ولذلك حرصت أول ما عُينت في النادي على استكمال الوحدة المالية وتعيين موظف للرقابة الداخلية ليراقب الصرف حسب الخطة الشهرية المُجازة من ممثلي المجلس في الأمانة العامة والقطاع الرياضي، وكان أمين المال يحرص علي متابعة التقارير، وعليه أن يبحث عن تنمية الموارد لا صرفها فقط، كما أنشانا لجنة مشتريات تضم محاسب وعلاقات عامة وموارد بشرية وأمين للمخزن، وكانت تخضع للمراجعة الداخلية لمراجعة المستندات ولها ابداء الراي سواء للجنة أو للمدير مباشرة، ولكن كل ذلك تم الغاؤه وفُصِل كل العاملين باستثناء محاسب واحد والمدير، واصبح الصرف يتم عبر أعضاء مجلس الادارة، رغم أن ذلك ممنوع بنص الحوكمة ونص قانون العمل السوداني ونص ما خطه المراجع العام في الميزانية. “
انتهى تعقيب البروف، وهو تعليق بالغ الأهمية، يوضح بجلاء الفرق الشاسع بين إداريي الهلال فيما مضى وبين من يتولون شأن النادي اليوم. كما يؤكد ما خطه يراعه، بالنسبة لي شخصياً، حقيقة ظللت أراها ناصعة، وهي أن غالبية إداريي اليوم يستغلون اسم الهلال ويتكسبون من المناصب، وإلا فما الذي دعاهم إلى التخلي عن النظم المحاسبية وطرد العاملين عليها؟!
kamalalhidai@hotmail.com
