ناجي شريف بابكر
١٢ مايو ٢٠٢٦
.
الصراع على الموارد في السودان على سبيل المثال، يعتمد في العادة على سرديات تستثمر فيها العصابات المسيطرة عوامل المغايرة والتباين في مجتمعاتها، كرافعات تعينها على السيطرة وإحكام الخناق بتلك المجتمعات.
في الوقت نفسه تحرص تلك العصابات على تعتيم الوعي الجمعي للضحايا من خلال نشر الأوهام والأضاليل للتشكيك في المسلمات والقيم المشتركة، وتعمد لشغل الناس بجدليات فارغة وعدمية تنهكهم وتضعف ثقتهم في أنفسهم وفي مقدراتهم التحليلية. تحرص فيها على إنهاك المقدرات المنطقية والنقدية لديهم، حتى تفسد عليهم السعي لتجريد الظواهر وتحليلها بصورة عقلانية تمكنها من التمييز ما بين الظواهر والعلل، مابين الإشكالات والنتائج وما بين ماهو حق وماهو باطل.. إن الكفاح من أجل التغيير يلزمه أن يتطرق لتمحيص العلل الأساسية التي تُفرّخُ الأزمات، دون الإنشغال بمعارك جانبية تلهي الشعوب وتضعف مجهوداتها في السعي لتجريد دوافع الصراع من أجل التعرف على خصومها الحقيقيين ومن ثم إدارة المعركة في مواجهتهم.
إنشغلت معظم الروايات التي تناولت الأزمات في السودان بمعالجة مشكل الهويّة بإعتبار أن الفشل في حسم مسألة الهوية والإنتماء يتحمل بقدر كبير المسئولية عن إندلاع الصراعات بصورة متكررة في السودان. لدرجة أن كثير من التحليلات تنسب الحروب الأهلية التي اندلعت في السودان، لذلك الفشل. بحسبانه الشيطان الذي لن يتمكن السودانيون من إخماد النيران في بلادهم، إلا بعد تمكنهم من إعادته إلى القمقم.
يسعى هذا المنشور لمعارضة تلك الفرضية ونقدها، من خلال تشريح العديد من الوقائع والملابسات التي شهدها تاريخ السودان الحديث، ومحاولة توضيح كيف كان السباق المحموم من أجل السيطرة على الموارد والثروات هو المحرك الرئيس لكافة النزاعات التي إندلعت منذ الإستقلال وحتى النزاع المسلح المتأخر في السودان ما بين الجيش السوداني وحلفائه من المليشيات المساندة في مواجهة الجنجويد كقوات كانت في وقت سابق حليفة ومساندة للجيش أثناء حروب النظام في مواجهة المتمردين في غرب السودان وجنوبه.
مشكل الهوية:
على سبيل المثال في السودان تبنت جدلية الحرب مُشكِل الهوية في وقت لاحق لإندلاعها بتوريت في الثامن عشر من أغسطس ١٩٥٣ عقب صدور الأوامر للكتيبة الإستوائية بالتوجه للخرطوم للمشاركة في إحتفالات الإستقلال. وكانت الأسباب وقتها لا تتجاوز مخاوف الجنوبيين من أن يكون خروج الإنجليز إيذانا بسيطرة الخرطوم على الجنوب، وأن إعادة موضعة الكتيبة هو مؤامرة لنزع سلاحها. وقد غذى سوء التفاهم ذاك إخفاق أول برلمان وطني في الوفاء بوعده الذي قطعه للنواب الجنوبيين بإجازة الحكم الذاتي لجنوب السودان.. لم يكن سؤال الهوية وقتها من بين شواغل الجنوبيين، حتى ذلك الوقت على الأقل.
بعد أكثر من ثمان سنوات من إندلاعها، تبنت الحرب جدلية الهوية التي تمثلت وقتها في رفض الحنوب لقوانين التعريب والأسلمة التي سنّاها إنقلاب ١٧ نوفمبر ١٩٥٨ لمواجهة ما سماه نفوذ المبشرين الكنسيين، وذلك في العام ١٩٦١، تم بموجبها فرض منهجي اللغة العربية والتربية الإسلامية كمواد إجبارية على الطلاب بالمدارس الحكومية بجنوب السودان. تم ذلك دون مراعاة لخصوصية الجنوب الذي كان يشكّلُ فيه المسلمون أقلية شأنهم شأن المسيحيين، وسط مجتمع تعتنق الغالبية العظمي من السكان فيه ديانات وثنية (باقانز). فقد كان بالإمكان تحديد نشاط المبشرين، دون اللجوء للقوة في فرض أسلمة وتعريبٍ قسريّ.
مشكل الدين:
أما في أعقاب انقلاب الإنقاذ في ١٩٨٩، فقد إعتمدت جدلية الحرب على وتر الاختلاف الديني أوالعقائدي الذي تمثّل في إعلان الجهاد المقدس في الحرب على جنوب السودان، بحيث أن كفاح الجنوبيين من أجل رفض الهيمنة والوصاية على شعوب الجنوب وثرواته تم تفسيره، لخدمة سردية الصراع، وكأنه مؤامرة تستهدف إنسان الشمال في عروبته وإسلامه. إذ تم إستغلال الدين الإسلامي كعنصر مغايرة مثّل وقودا فعالا لاشتعال النيران في جنوب السودان لتستمر المقتلة لستة عشر عاما، تم خلالها الإستيلاء على ثروات نفطية تجاوزت إيراداتها السبعين مليار دولار..حدث ذلك وسط مفارقة تدعو للسخرية ففي الوقت الذي تضاعف فيه الناتج الإجمالي المحلي بنسبة ٣٦% للفترة مابين ١٩٩٩-٢٠٠٩ فإن نسبة الفقر في أوساط السودانيين بالكاد قد إنخفضت من ٦٨% إلى ٦٢% في نفس الفترة .
وفي مرحلة لاحقة، في عشية توقيع إتفاقية السلام الشامل في الخرطوم في ٢٠٠٥ والتي وضعت حدا لحرب الجنوب، الحدث الذي حرم تلك العصابات من استمرار سيطرتها على حقول الجنوب النفطية، ليتحول الصراع على الموارد بصورة تلقائية، ليصبح في مواجهة غرب السودان الغني بالذهب والثروة الحيوانية، بالإضافة للنفط في جنوب دارفور، من خلال تبني جدلية الهوية الإثنية، لبطلان فعالية المغايرة العقدية هذه المرة على الأقل، نظرا لأن غرب السودان سبق تاريخيا إنسان الوسط والشمال في اعتناق الإسلام، النسخة الصوفية منه على وجه الدقة.. من هنا يتضح بصورة مانعة للشك كيف تبدّلُ العصابات في بحثها عن الثروة جدليات الصراع، كروافع تُمكّنها من التحكم بموارد المجتمعات، تارة الدين وتارة العنصر وفق ما تقتضيه مراحل الصراع وتعرجاته المختلفة.
ومن ضمن تلك الروافع التي يتم توظيفها لشحذ الصراع بالإضافة للهوية والدين، كانت هناك العشائرية أو القبلية، والفئوية أو جماعات المصالح والمجموعات الوظيفية. سنتعرض فيما يلي لتك النماذج تعريفها وأمثلة توظيفها ضمن آليات ووسائل الصراع المختلفة:
مشكل العشائرية:
العشائرية وهي لحمة الإنتماء العرقي للقبائل والبطون العرقية، إذ أن القبلية تمثل أهمية قصوى لحماية أفرادها والدفاع عنهم في الحالات التي يضعف فيها النظام المركزي عن القيام بوظائفه الأساسية في توفير الأمن وبسط العدالة على الناس. ففي مثل هذه الحالات يلجأ الإنسان كإجراء إضطراري، لحواضنه الإثنية بحثا عن الحماية من الأخطار التي يشكلها الآخر المتفلت..
في السودان حدث أن لجأ نظام مايو في ثمانينات القرن المنصرم لأحد الأثرياء وتجار السلاح السعوديين، لتمويل تشكيلات عسكرية تابعة لعشائر النوير وتسليحها لتوفير الحماية لمواقع شيفرون النفطية في ولاية الوحدة، في مواجهة قوات المتمردين الجنوبيين الذين نشطوا في أعقاب العام ١٩٨٣، وقاموا أول ما قاموا بتفجير الحفار الفرنسي الذي كان مكلفا بشق قناة جونقلي، إثر تنسيق بين النظام والحكومة المصرية*.
وفي أثناء الديمقراطية الثالثة إبان حكومة الصادق المهدي، قام قائد هيئة الأركان للجيش السوداني القائد فضل الله برمة ناصر بتسليح العشائر العربية في جنوب دارفور لمساعدة الجيش النظامي في مواجهة حرب العصابات التي كانت تشنها الحركة الشعبية في نواحي بحر العرب.. الشئ الذي تمخض حالا عن إنتهاكات جسيمة في حق منسوبي الدينكا فيما عرف بمحرقة قطار الضعين، والتي كان قد أصدر فيها الناشطان عشاري وبلدو كتابا وثق للأحداث والأدلة التي تورط مجموعة من الجناة، وبدلا من أن تقوم سلطات المركز بالتحري في المأساة وتقديم الجناة للمحاكمة، تم التستر على الحادثة وأقتيد الكاتبان للمحاكمة بتهم تصل للخيانة العظمى.
في الحادي والعشرين من أبريل ١٩٩٧ وبينما كانت العمليات الجهادية في جنوب السودان على أشدّها، وقّع نظام الإنقاذ إتفاقية الخرطوم للسلام، مع فصائل منشقة على الجيش الشعبي، وقّع الإتفاقية القائدان د. ريك مشّار ود. لام أكول، وذلك في توظيف لا يخفى على مراقب للتبائن العشائري الذي قاد تمردهما على الجيش الشعبي لتحرير السودان.
في مثال آخر لتوظيف العشائرية في إدارة الصراعات، ما قام به الشق العسكري في مجلس الحكومة الإنتقالية الذي تولى الحكم شراكة مع المدنيين وفق الوثيقة الدستورية التي أعقبت سقوط دكتاتورية الإنقاذ في أعقاب ثورة ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ التي أطاحت بالنظام. فقد وظف الشركاء العسكريون إحدى قبائل شرق السودان لفرض حصار محكم على الخرطوم وبقية البلاد، من خلال نشرهم لتشكيلات مسلحة من ناشطي القبيلة قامت بقطع الطرق القومية وإتلاف قضبان السكة الحديد التي تربط بورتسودان بالعاصمة الخرطوم، وذلك لخلق إضطرابات في سلاسل التوريد والتسبب في شح في الوقود والأغذية، واقت ذلك حدوث تفلتات من عصابات وقطاع طرق درجت على مهاجمة المواطنين داخل شوارع العاصمة التي تزدحم فيها كاميرات المراقبة وأقسام الشرطة. كل تلك التفلتات لافتعال معاناة تهيئ المناخ لإنقلاب على الشركاء المدنيين كان قد دبره عسكر الشراكة بتمويل ودعم من عناصر النظام المباد في الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١، أعاد الحكم للعصابات السياسية التي تدين بالولاء لنظام كانت الجماهير قد أسقطته للتو بعد ثلاثين عاما عاشتها تحت نير الإستبداد والقهر**.
المشكل الفئوي:
الفئوية من فئة وهي مجموعة بشرية تربطها مصالح مشتركة، كالنقابات والتجمعات المهنية.. وقد تم توظيف الفئوية خلال دكتاتورية الإنقاذ، لبسط سلطة المركز وتمرير مشاريع السيطرة في مواجهة المعارضين للنظام. فقد أقدمت الإنقاذ كخطوة أولى منذ إنقلابها على النظام على حل جميع التشكيلات النقابية والأحزاب والمنظمات، ثم أتبعت ذلك بتعديلات في قوانين النقابات والهيئات المطلبية، بحيث تم سن قانون نقابة المنشأة بديلا لنقابات منفصلة للعمال والموظفين والإداريين. أصبحت نقابة المنشأة بموجبه جسما هلاميا جامعا يضم في تكوينه العمال المهرة وغير المهرة، صغار الموظفين وكبارهم، والإداريين كمجموعات ذات مصالح متناقضة، في جسم واحد، إذ أن حوافز مدير الموارد البشرية تعتمد على نجاحه في تقليص مخصصات العاملين، كما أن مكافئات الإدارة العليا تعتمد على الوفورات وفوائض القيمة التي تحققها السياسات التعسفية للمنشأة، في مواجهة كل العاملين بما فيهم مدير الموارد البشرية. نجحت الإنقاذ من خلال تمرير تلك المكيدة في عزل العمال أفقيا من خلال القدرة على التواصل عبر التشكيلات النقابية الجامعة مع بعضهم عبر تشكيلات مطلبية عمالية مستقلة، كما عزلتهم رأسيا بتجريدهم من القدرة بإيصال صوتهم ومظالمهم كفئة لإدارة المنشأة التي يعملون فيها. لأن دمجهم في تشكيلات مع فئات لا تشاركهم المصالح والمظالم قد أفلح في كتم أصواتهم داخل المنشأة الواحدة..
أما بالنسبة للمؤسسات الأمنية والشرطة والتشكيلات العسكرية المنضوية معها فقد عملت الإنقاذ على عزلهم كفئات تدين لها بالولاء، عن مجتمعاتهم من خلال توفير المخططات السكنية المستقلة، والدعم العلاجي، ومدهم بالخدمات وتأمينهم من خلال صناديق إجتماعية مدعومة برسوم وإتاوات تتكبد تكلفتها جماهير من البسطاء، بينما توفر تلك الصناديق كل مستلزمات المآتم والأفراح والخدمات الفندقية، لكافة أفراد تلك الفئات، لدرجة أنها تمنع الجيران عن تدافعهم التلقائي للمساهمة بجلب الطعام والشراب، كواحدة من مظاهر التضامن الإجتماعي المعهودة. كما تعمل تلك الصناديق على توفير منح ومعينات ودعومات مادية لأفرادها.. كل ذلك جعل تلك المجتمعات الفئوية تنشأ في بيئات معزولة وجزر مرفهة نسبيا كبلاد الأحلام. تعاظمت تلك المحميات في بحار مائجة بالفقر والمعاناة، يعيش فيها العوام من المواطنين وهم محرومون من أدنى الخدمات الصحية والعلاجية والتعليمية، بحيث يقتصر علاج أبنائهم وتعليمهم وفق ما تجود به فوائض أسرهم الفقيرة.
حينما تقع الجرائم وعمليات الفساد الكبيرة من قبل العصابات المسنودة من النظام، وحينما تأخذ المعاناة والفاقة والضوائق المعيشية بخناق البسطاء والعوام من المواطنين، وتتعالى أصوات الإحتجاجات المطالبة بالإنصاف والعدالة، فإن تلك القطاعات الفئوية تجد نفسها بصورة تلقائية تصطفّ إلى جانب النظام المستبد في مواجهة شعب كامل يرزح في المظالم ويشكو لطوب الأرض.. ليس لأن النظام يملك الحق أو الحجة في الوقائع محل الإحتجاج، إنما حرصا غريزيا من تلك الفئات للمحافظة على مصالحها ومكاسبها المادية التي يضمنها بقاء النظام القائم، على علاته وعسفه ومظالمه.
لعل ما تقدم يكون كافيا لتوضيح الكيفية التي تُوَظف فيها وسائل مختلفة لإدارة وتدعيم الصراع الدائم الذي تنتهجه العصابات الحاكمة في السودان، من أجل مراكمة مصالحها بالإستيلاء على الموارد والثروات وبإدارة الحروب والصراعات الإجتماعية وإبقائها متقدة للحد الذي يضمن تحكمها الكافي وتفردها النافي للآخر على تلك الموارد والثروات.
الهوية، الدين، العشائرية، والفئوية وغيرها التي نتوهم أنها بواعث للصراع، ليست سوى أدوات من ضمن أدوات أخرى لعبت دورا كبيرا في تغذيته، كوقود اكثر من كونها علل لانفجاره.. أن تجريد الصراع بصورة محايدة والوعي الكامل بدوافعه ومراميه، يبرزه حاسرا في صورته العارية المتمثلة في السعي للإستيلاء على موارد الشعوب وثرواتها.. أيا كانت الجدلية التي تتبناها الروايات المساندة خلال مراحل الصراع المختلفة..
لماذا لا يُسائل العمال والفلاحون والبسطاء أنفسهم، ما الذي يدفعهم للإصطفاف إلى جانب أمراء ونظار وقادة عشائريين يساندون أنظمة لا تراعي مصالحهم هم أنفسهم كفلاحين وكعمال ولا تعبأ بها؟.
قد يكون من الطبيعي أن يساند أولئك النظار والأمراء الأنظمة الحاكمة المستبدة التي تستعين بهم وتغدق عليهم، التي تضمن لهم مصالحهم الذاتية فهذا شأنهم وتلك مصالحهم، لكن من يضمن مصالح لمنسوبيهم من العمال والفلاحين الذين ظلوا يرزحون في الفاقة حتى وهم جزء لا يتجزأ من تشكيلاتهم العشائرية منذ عشرات السنين. إن ما يضمن للعمال والفلاحين والبسطاء من الشعب حقوقهم كاملة غير منقوصة ليست حواضنهم العشائرية، إنما يضمنها لهم هو إندماجهم في تشكيلات تجمعهم برصفائهم من العشائر والحواضن الأخرى دون إعتبار لتك الحواجز الوهمية، من أجل الدفع بالمطالب التي تكفل لهم الحقوق الكاملة والنصيب العادل في الثروات القومية والدخول المتحصلة مقابل إستثمارها.
إن الدراسات التي تسعى للترويج لمعينات الصراع وآلياته باعتبارها العلل التي ينبعث من فعلها الصراع، ربما هي روايات يتم تسويقها كيما تصرف تلقائيا وعي الجماهير بخصومها، بل أنها تهدف لإلهائها متعمدة عن معركتها المستديمة والحتميّة للتخلص من الفقر والفاقة واسترداد مصالحها المغتصبة.
إنتهى..
nagibabiker@gmail.com
