(1)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
وهم الهوية الفريدة
ان لغة العنف الطائفي أو أي نوع من أشكال العنف بسبب الهوية في كل بقعة من بقاع العالم لا يقل بشاعة، ولا يقل فجاجة، ولا يقل اختزالية، عما كان كائن منذ قبل ستين سنة. فخلف دعم الوحشية المجرمة والفظة، يوجد هناك اضطراب مفاهيمي حول هويات البشر، يحول الناس ذات الأبعاد المتعددة الي مخلوقات أحادية البُعد.
والفرد الذي اُستقطب وتم تجنيده لكي يلحق برعاع الهوتو المجرمين في 1994م، هو نفسه كان يسأل، ولو ضمنياً، أليس هو رواندي؟ ألا ينظر لنفسه كرواندي أو كأفريقي زنجي أسود البشرة، أو فقط كانسان، “وهي هويات يشترك فيها هذا الهوتو مع ذاك التوتسي المستهدفين”.
ولكن، على هذا الهوتو وعلى عاتقه واجب حتمي وهو أن “يعطي التوتسي ما يستحقون”. وكان هناك باكستاني صديق لأمارتيا سن وهو شهريار خان، ديبلوماسي رفيع المستوي، تم ارساله من قبل الأمين العام للأمم المتحدة الي رواندا بعد الفجيعة الكبرى والمذبحة العظمي، وقد قال فيما بعد مخاطباً صديقه: ((أنت وأنا رأينا بشاعة الشغب في الهند في عقد الأربعينات من القرن الماضي. لكن لم يكن هناك اطلاقاً ما يؤهلني لرؤية ما رأيت من الحجم المهول من القتل الذي شهدته رواندا، ولفهم المدى العظيم لاتساع جريمة الإبادة العرقية المنظمة هناك في هذا البلد الأفريقي)).
ان جريمة رواندا -كل الأسماء البشعة لا تعكس معنى ما حدث كما حدث-، وما يرتبط بها من البشاعة ومن العنف بين هؤلاء وأولئك، أي بين الهوتو والتوتسي في بوروندي المجاورة، سلبا أكثر من مليون نفس من جسد انسان خلال فترة وجيزة جداً، يا للفظاعة!
لا والله، ان كراهية الناس مسألة صعبة وليست سهلة ولا هي بالهينة، وقد جاءت أشعار أوغدن ناش (دعاء من أجل حقد اقل تجاه لا أحد)، معبرة وايما تعبير عن ذلك وعما حدث بشكل صحيح جداً:
أي طفل في مدرسة يمكن أن يحب بسذاجة بالغة،
لكن الكراهية يا بني “فن وحرفة”
ان كنا نتقابل مع كميات هائلة من الكراهية ومن الصراع العنيف بين جماعات متباينة من البشر، فان السؤال الملح هنا، والذي يفرض ذاته سريعاً يكون هو “كيف يؤدي هذا الفن فعله؟”.
والاجابة عما سلف تقول بأن وهم الهوية الأحادية أو المنفردة هو الذي يعمل على خدمة غايات العنف وأغراضه لأولئك الذين يخططون وأولئك الذين يدبرون تلك الفظاعات من المواجهات. وهذا “الوهم” يُنثر ويُزرع ويتم رعايته بإتقان وبمهارة من قبل زعماء الجرائم والمذابح والكراهية.
وطبيعياً أن يكون مثل هذا التوليد لوهم الهوية الفريدة، يمتلك قابلية الاستغلال لأهداف ولأغراض المواجهة، ومواجهات الموت. ولا غرابة في أن أثارة العنف يعجب هؤلاء الذين هم قائمين على أمره، والذين هم مستفيدون منه. ولا يوجد أي شكل من أشكال الألغاز في أن هناك اجتهاد، وأن هناك سعى جاد الي مثل هكذا “الاختزالية”.
ولكن، هناك سؤال عظيم يسال عن “لماذا تنجح هذه التنمية الفردية الأحادية كل هذا النجاح المنقطع النظير؟” على الرغم من السذاجة العظيمة التي تحف وتحيط بهذه الفرضية في وجود يحتوي كم هائل من الهويات المتعددة بشكل واضح جداً وظاهر.
ان رؤية انسان فرد -حصرياً- على أساس هوية واحدة من هوياته الكثيرة المتعددة، لهو، بلا ريب، حركة فكرية شديدة الفجاجة. ومع ذلك، إذا شكلنا حكمنا استناداً على تأثيرها العميق القوي، فلا محالة سنجد أن “وهم الانفرادية”، له كاريزما وجاذبية خطيرة، من السهل أن يجتذب نحوه أنصاره ومؤيديه.
فالدفاع عن هوية مميزة وفريدة لغرض وحشي عنيف يأخذ طابع فصل هوية جمعية وحيدة، -ترتبط بشكل مباشر بغرض العنف المطلوب، في سبيل وضعها في بؤرة لها خاصيتها، تتطور وتتقدم من هذه البؤرة الي التغبيش والتعتيم على قيمة وأهمية العلاقات والارتباطات والانتماءات الأخرى من خلال تعزيز وحث انتقائيين، ((كيف يمكنك أن تتكلم عن هذه الأشياء الأخرى بينما أهلنا يُقتلون ونساؤنا يُغتصبن)).
يعتمد الفن القتالي لتعزيز العنف وللحث على العنف على عدد من الغرائز الرئيسية، والتي يتم استعمالها من أجل الضغط على حرية التفكير وعلى إمكانية التأمل والتخيل الهادئ الرزين. ولكن علينا أيضاً أن نقر بأنها تحتاج لنوع من المنطق، ولكنه منطق هش، ان الهوية المحددة أو المعينة التي تصاغ من أجل نشاط محدد، في أغلب الحالات، هي هوية أصيلة لذلك الانسان الذي يرغبون في استقطابه وفي تجنيده.
فالهوتو هو فعلاً من الهوتو وينتمي إليهم، وبالتأكيد نمر التاميل هو من التاميل، وذلك الألماني المسيحي الذي أصاب عقله جرثومة فلسفة النازي، هو بلا أدنى شك، ألماني مسيحي. ان الذي حدث لقلب هذا الحس بادراك الذات وفهمها الي سلاح قاتل هو:
- تغافل أهمية وقيمة الانتماءات والارتباطات الأخرى،
- العمل على إعادة مطالب الهوية الفريدة أو الوحيدة، ووضعها في قالب عنيف بشكل خاص.
اذن، هل لهذا الوهم الانفرادي أي عواقب؟ نقول اجابةً عن هذا السؤال: يحمل التصغير الانفرادي للهوية الإنسانية، أي اختزال الهوية الإنسانية، في جعبته العديد من العواقب بعيدة التأثير ولها آثار عميقة جداً. فالوهم الذي يتم استجلابه وتحضيره بهدف تقسيم وتشرذم الناس الي أكوام تصنيفية جامدة القوالب متفردة، من السهل استخدامه واستغلاله لصب الزيت في ماعون اثارة النزاع والصراعات بين المجموعات والجماعات.
ونضرب مثالاً مهماً هنا، ونقول، إذا اجتمعت نظريات الاختزال او الاقتصار على الهوية الإسلامية، مع اهمال واغفال باقي الهويات العديدة الأخرى التي يتمتع بها المسلمون -اضافةً لانتمائهم الديني-، يمكن استغلالها لتزويد الأساس المفهومي لصيغة وحشية عنيفة من الجهاد، -ويعتبر هذا المفهوم عبارة عن مصطلح مرن من الإمكان فهمه كحث على العنف والبطش، وممكن أيضاً ان يفهم على أنه جهاد سلمي-. والحل ممكن أن يتبلور في صيغة تعمل على استحضار ثراء الهويات المتعددة للإنسان وعدم الاكتفاء بهويته الدينية فقط.
وكما قلنا آنفاً، لقد مات “قادر ميا”، ضحية، لماذا؟ لأنه مسلم لا أكثر ولا أقل، ولكنه أيضاً غادر الي الدار الآخرة لأنه فقير، فهو عامل بلا عمل ينقب ويبحث عن وظيفة، يائساً بائساً، ومناه كل المني هو الحصول على قليل القليل من المال ليستر أسرته وليفرح أطفاله في أوقات الشدة، وكل أوقاتهم شدة، وشديدة الصعوبة.
ان الانسان الأكثر فقراً في أي مجتمع، هو الأسهل موتاً وتعرضاً للقتل وللاغتيال في أي مشاغبات تحدث، لأنه مضطر للخروج من داره، وأي دار، بلا حماية ولا يوجد هناك من يدافع عنه أو من يحميه، بحثاً عن لقمة يسد بها رمقه ورمق عياله.
وفي الاضطرابات بين المسلمين والهندوس، قتل السفاحون الهندوسيون الفقراء المسلمين المستضعفين في الأرض، بكل يسر وبكل سهولة وبدم بارد. وبالمقابل ذبح السفاحون المسلمون الفقراء الهندوس من دون رأفة ولا أدنى اهتمام ولم يطرف لهم جفن.
والمقاربة هنا تحتار، فبالرغم من أن الهويات الاجتماعية لهاتين الفريقين من الفرائس المتوحشة كانتا مختلفتين تماماً، ولكن، كانت هوياتهم الطبقية كعمال فقراء لا يملكون وسائل اقتصادية ولا يتمتعون ولو بأقل القليل، كانت متشابه ومتماثلة تماماً لدرجة الدهشة.
ولكن لم يكن هناك أي هوية أخرى غير هذه العرقية الدينية أتيح لها أو أعُطيت لها أي قيمة أو أي أهمية في ذلك الزمان، الذي طغت فيه وسادت فيه النظرة الاستقطابية المركزة على تصنيف انفرادي وهمي. انه وهم الواقع الصدامي المتفرد الذي اختزل الكائنات البشرية تماماً، وحرم الأبطال من نعمة حرية التفكير.
لقد أشار الامبراطور الهندي جلال الدين أكبر الي القضية الرئيسية، منذ زمان بعيد بشفافية عظيمة، وذلك في ملاحظاته حول العقل والدين في الأعوام 1590م. لقد كان جلال الدين، المغولي الكبير، مسلماً ورحل عن دار الفناء وهو مسلم، ولكنه ألح على أن الدين لا يمكن أن يحظى بالأولوية على العقل، لأن الانسان عليه أن يقبل أو عليه أن يرفض عند الضرورة، دينه الموروث من خلال العقل أو عن طريقه.
وعندما وجد المعارضة والهجوم من قبل التقليديين، الذين انحازوا لمصلحة الدين الغريزي، قام “أكبر” وقال لصديقه وقائده العسكري الذي كان محل ثقته، “أبا الفضل” (الذي كان دارساً مهولاً في السنسكريتية، وايضاً الفارسية والعربية، وكانت له العديد من الخبرة بالديانات المتباينة، ومن بينها الإسلام والهندوسية):
((ان سعي العقل ورفض التقليدية واضح وضوحاً يجعله فوق الحاجة الي الجدل. فاذا كانت التقليدية ملائمة، لما كان أمام الأنبياء الا اتباع السابقين (ولما أتوا برسالات جديدة))).
….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم