(2)
د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
“قادر ميا” الدارفوري:
يحدثنا أسال منزول (2006)، قائلاً، مثل العديد من البلدان الأفريقية، يواجه السودان أنواعاً مختلفة من الصراعات على الموارد والنزاعات المزعجة حول سبل البقاء.
وعادة ما يتم التعبير عن مثل هذه الصراعات في المنافسة الشديدة بين القطاعات المختلفة، والاقتتال القبلي والحرب الأهلية التي استمرت لفترة طويلة ولفترات أطول. وقد أزعجت الصراعات في السودان العديد من المناطق، أي الجنوب ودارفور وكردفان وأجزاء في شرق وفي جنوب شرق البلاد.
وللحصول على فهم واضح للصراعات القائمة على الموارد، من الضروري للغاية التأكيد على حقيقة أن الصراع ظاهرة إنسانية وحقيقة من حقائق الحياة البشرية اليومية.
ومن الضروري، أيضاً، فهم السياق الاجتماعي والاقتصادي الذي تحدث فيه الصراعات. ونظراً لطبيعة الصراع الذي طال أمده على الموارد في السودان، وبسبب فشل الآليات الحديثة وأيضاً التقليدية في حل النزاعات، اتخذ الصراع على الموارد في السودان شكلاً قبيحاً من أشكال وسياسات الهوية التي تمزق البلاد وتقلق العباد وتشتت فكرهم وأفكارهم.
وقد أدى الفشل في معالجة المظالم الناجمة عن ندرة الموارد بشكل مناسب إلى تفاقم الصراع والتحول السلبي للهويات إلى معارضات ثنائية من نوع العرب والأفريقانية أو الزنوج أو الزنج، والمسيحيين من جانب والمسلمين من الجانب الآخر، والشمال والجنوب، وما إلى ذلك.
وتمثل دارفور أفضل حالة من حالات الإهمال وعدم المبالاة وغض الطرف. والصراع الذي طال أمده على الموارد، والذي اتخذ شكلاً من أشكال الصراع حول الهوية، وقاد وأدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان وتاريخ البشرية قاطبة.
ويعاني السودان، خلال الخمسة عشر عاماً السالفات وأكثر، من مشاكل حادة، كان لها آثارها السلبية على كافة مناحي الحياة (اقتصادياً، واجتماعياً، وبيئياً). وتتمثل هذه المشاكل في الأمن الغذائي، وفي تفشي المجاعة، والنزوح، وزيادة الفقر، وتدهور الظروف المعيشية، والمشاكل البيئية. والتدهور والجفاف والنمو السكاني السريع والحرب الأهلية والإفراط في استغلال الموارد الطبيعية.
لكن الصراع على الموارد الطبيعية يعتبر هو الأهم على الإطلاق لما له من آثار سلبية مباشرة على أجزاء كثيرة من السودان، خاصة المناطق الريفية حيث تعتمد سبل العيش فيها على الموارد الطبيعية والأرض والمياه بشكل خاص.
تقليدياً، تمثلت الصراعات القائمة على الموارد في السودان في المنافسة القديمة التقليدية بين المزارعين والرعاة على موارد الأراضي والمياه. وكان الصراع على استخدام هذه الموارد هو السمة السائدة في العلاقة بين المزارعين وبين أولئك الرعاة؛ بين المزارعين والمزارعين أنفسهم وبين الرعاة والرعاة ذاتهم.
وبقدر ما يرتبط سبب العديد من الصراعات التي نراها اليوم في السودان بالوصول إلى الموارد واستخدامها، فمن الأهمية بمكان أن يكون لدينا فهم لكيفية التعامل مع الوصول إلى الموارد الطبيعية واستخدامها وإدارتها على المستوى المحلي والمجتمع الاجتماعي أو الهياكل الاجتماعية التي تم تضمينها فيها.
وبما أن الصراعات هي أيضاً نتاج للهويات العرقية والقبلية، والاختلافات الثقافية المتجذرة في المجتمعات المتنوعة والمختلفة (Assal et al, 2004; Manger, 2005)، فبمجرد اندلاع الصراعات، فإنها تميل إلى تفسيرها أيضاً بمصطلحات قبلية وأخرى إثنية ويمكن أيضاً ربطها بأنواع أخرى من الصراعات، مما يؤدي إلى حالات التصعيد. ومن ثم، لا بد من التعامل مع تحول الصراعات على الموارد الطبيعية إلى صراعات على الهوية. إن فهم الصراعات القائمة على الموارد في السودان يتطلب أيضاً إيلاء المزيد من الاهتمام للدولة والإطار المؤسسي الذي تدور فيه الصراعات.
وتشمل الصراعات القائمة على الموارد أنواعاً مختلفة من الصراعات التي تتجاوز مجموعة متنوعة من الحدود (العرقية والإقليمية والوطنية). وبالتالي تمثل هذه الصراعات ظواهر معقدة تتغير حدودها وتمتد إلى ما هو أبعد من مناطق محددة. ولكن ولأغراض التبسيط والوضوح، سنركز في هذا القسم على النزاعات بين المزارعين والرعاة، والمشاكل المتعلقة بالملكية والوصول إلى الأراضي.
تاريخياً، نشأت الصراعات بين الشعوب المستقرة والبدو (والبدو دائماً من الفئات غير المستقرة) بسبب التنافس على مناطق الرعي واستخدام الأراضي واستغلالها. وتتسبب حركات هجرة البدو خلال موسم الأمطار في إتلاف المحاصيل وتؤدي في النهاية إلى صراعات مفتوحة بين المزارعين والرعاة.
وتعتمد شدة هذه الصراعات، من بين أمور أخرى، على مدى الضرر الذي يلحق بالمحاصيل. وحيثما لا يكون الأمر يتعلق بالقتل، فمن الممكن احتواء مثل هذه الصراعات، وعادة لا تؤدي إلى مواجهات واسعة النطاق بين البدو والسكان المستقرين.
وقد أدى التوسع في مشاريع الزراعة الآلية في جنوب كردفان وشرق السودان وجبال النوبة إلى إغلاق طرق الهجرة التقليدية التي يستخدمها البدو أثناء تنقلاتهم بين المراعي الشمالية وتلك الجنوبية. علاوة على ذلك، فإن ميل البدو إلى تجميع معدلات مخزونهم يضع ضغطاً على موارد المراعي الطبيعية، وفي هذه الظروف، يمكن للقطعان التي لا تحظى بالعناية الجيدة أن تلحق الضرر بالمحاصيل بسهولة (هالاند، 1990). كما يعد الوصول إلى الموارد المائية خلال موسم الجفاف أحد العوامل المسببة للصراعات.
وتعد مسألة ملكية الأراضي أو تخصيصها عاملاً رئيسياً آخر للصراعات، ولم يتم التعامل معها بوضوح من قبل الحكومات الوطنية اللاحقة بعد الاستقلال في عام 1956م.
ففي دارفور، على سبيل المثال، يوجد نظام للملكية الحرة يُعرف باسم الحاكورة (المعنى الحرفي للكلمة: السياج)، وهي قطعة أرض يمنحها سلاطين الفور لأتباعهم المخلصين (عادة مجموعة قبلية) والتي يحصل حامل اللقب عليها على حق الملكية. وهو سند ملكي مكتوب ومختوم يدل على الملكية الدائمة. وعلى الرغم من احتلال البريطانيين لسلطنة الفور وإخضاعها في 1916م، إلا أن هذه الصكوك لا تزال بمثابة وثائق قانونية مقبولة اجتماعياً وأمام المحكمة مقبولة ويعمل بها.
وملكية الحاكورة تعني أن المالك لديه حق حصري على قطعة معينة من الأرض، سواء كان يستخدمها بالفعل أم لا يستعملها. ويشير هذا الشرط أيضاً إلى أنه يمكن للمالك رفض الوصول إلى أي شخص إذا اختار ذلك. ومن ثم هناك تناقض بين نظام ملكية الأرض واحتياجات المستخدمين المختلفين.
وما فعلته بريطانيا، والحكومات الوطنية اللاحقة أيضاً، بشأن هذا الوضع كان بشكل أو بآخر إضفاء الطابع الرسمي على هذه الألقاب؛ بدرجات متفاوتة، لكنها لم تغير الوضع الراهن بشكل جذري. وكان قانون الأراضي لعام 1970م، المذكور أعلاه، استثناءً. ولكن، في الواقع وواقعياً، لم تفعل هذه الحكومات سوى القليل لتغيير الوضع السائد.
كما أن تعيين دار معينة لقبيلة أو لمجموعة عرقية (أوطان تقليدية) يتناقض أيضاً مع الأنماط البدوية لاستخدام الأراضي واستغلالها. وتجدر الإشارة إلى أن توزيع المجموعات العرقية لا يتم التحكم فيه من خلال مناطق طبيعية موضوعية وثابتة، ولكن من خلال توزيع المنافذ البيئية المحددة التي تستطيع المجموعة، بتنظيمها الاقتصادي والسياسي الخاص، استغلالها.
ومن الناحية النظرية، كل مجموعة عرقية أو قبيلة في السودان لها وطنها أو لها دارها الخاصة، لكن المجموعات العرقية عملياً لا تتوافق مع نقاط ثابتة أو جوهرية في الخريطة. وتمثل المجموعات البدوية حالة يكون فيها تثبيت مجموعة في مكان معين بمثابة وصفة للصراع. ويشكل هذا الانفصال العملي بين المجموعات العرقية والأرض عاملاً مهماً في الصراع، حيث أن ملاك الأراضي يعتبرون البدو دخلاء أو متسللين.
دور الدولة وصراع الهوية:
إن اشتداد الصراعات على الموارد في أنظمة الإنتاج التقليدية ليس في الواقع ظاهرة معزولة. إنها تسير جنباً إلى جنب مع أنواع أخرى من الصراعات ذات الطبيعة الكلية، والتي استمرت لفترة طويلة. وقد ساهمت التغييرات المتكررة في السياسات الاقتصادية منذ السبعينيات من عمر القرن السابق في تصعيد الصراعات على الموارد في البلاد السودانية الممزقة.
لكن تفضيل القطاع الزراعي الحديث على أنظمة الإنتاج التقليدية كان أحد أوجه القصور الرئيسية في السياسات. على الرغم من أن المناطق في شرق السودان أصبحت بمثابة منجم تجاري لنخبة التجار الذين حصلوا على مشاريع زراعية كبيرة، إلا أن المزارعين والرعاة يواجهون مشكلة تناقص الأراضي باستمرار.
وعلى الرغم من أن المشاريع المروية مملوكة للدولة، إلا أن المشاريع المميكنة أو الآلية هي مشاريع خاصة مملوكة لأفراد يحصلون على امتيازات (قروض بشروط سداد ميسرة، ومدخلات زراعية، وضرائب منخفضة، وما إلى ذلك).
وكان أن أدت سياسات الائتمان السهلة إلى توسع مترامي الأطراف في المشاريع الزراعية الآلية، وبحلول نهاية الثمانينيات، أفادت التقارير أن المناطق غير المخططة التي تم تخصيصها للزراعة الآلية كانت أكبر بكثير مما سمحت به الحكومة.
وهذا القطاع، بالإضافة إلى التعدي على الأراضي التي يستخدمها المزارعون والرعاة، أيضاً يستنزف القطاع التقليدي من قوته البشرية. وبخسارة أراضيهم أمام هذه المشاريع المتوسعة، ينتهي الأمر بالمنتجين الريفيين كعمال مأجورين في هذه المشاريع أو كطبقة حضرية فقيرة.
ومنذ بدايات عقد التسعينيات من القرن المنصرم وما بعدها، تخلت الحكومة عن مركزية الدولة واختارت سياسات أو سياسة الخصخصة، حيث فُتح الباب أمام المستثمرين الأجانب في قطاعات الزراعة والنفط والتجارة، وأصبح الأجانب هم المفضلون لدي الحكومة.
ومرة أخرى، مثل سياسات عقدي الستينيات والسبعينيات التي فضلت الأغنياء والأثرياء، فإن سياسات الخصخصة لا تفيد صغار المنتجين وهم لا ينتفعون منها، ويشعر العديد من المجموعات التي تأثرت سبل عيشها بهذه السياسات بالتهميش.
في السودان، غالباً ما تكون مشاعر التهميش والمشاعر الإقليمية مغلفة بطيات وأحاسيس ومشاعر عرقية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى الاستقطاب في البلاد ويعمل على تمزيقها وعلى هتك بكارة وحدتها.
إن الاختلافات بين المناطق، سواء من حيث الموارد أو التنمية، أصبحت الأساس لأعضاء النخبة الساخطين للتعبير عن ضغائنهم وأحقادهم ومصالحهم الخاصة. وهذا يؤدي إلى الوعي بالهوية وبوهم الهوية، الذي من المرجح أن يشكل مستقبل البلاد، وما هو المستقبل؟ وأين هو المستقبل؟ ومع التغير في ملامح الصراعات القائمة على الموارد، فإن عملية التنشيط العرقي والقبلي جارية في السودان على قدم وساق، ولا يوجد رجل رشيد!
إن العرقية، وهي التنظيم الاجتماعي للاختلاف الثقافي (بارث، 1969)، تتصاعد بطريقة مثيرة للقلق في السودان. لقد تغيرت الديناميكيات السلمية للهوية العرقية وعمليات صيانة الحدود (هالاند، 1969؛ عبد الجليل، 1985).
إن ما نشهده في الوقت الحاضر هو نسخة عنيفة من سياسات الهوية واختلافاتها وعداءاتها، والتي نتجت عن الصراع على الموارد، ولكنها تشكل أيضاً عاملاً أساسياً في تصعيد مثل هذه الصراعات المتخلفة غير المبررة ولكنها مبررة.
….. نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم