تُعدّ مسألة الهوية والتنوع في السودان إحدى الإشكاليات العميقة التي أثرت على مسار الدولة والمجتمع منذ الاستقلال. فقد تبنت النخب الحاكمة تصورًا أحاديًا للهوية يقوم على نموذج “السوداني العربي المسلم”، مع تهميش مُمَنهَج للهويات الأخرى، سواء أكانت لغوية، دينية، أو ثقافية. هذه الواحدية الثقافية لم تكن مجرد تصور نظري، بل شكلت بنية فكرية ومؤسسية أثّرت في توزيع السلطة والثروة، وأنتجت أزمات مستمرة في المواطنة والانتماء.
ويمكن رصد الجذور التاريخية للواحدية الثقافية
- الإرث الاستعماري وبناء الدولة الحديثة: ورثت الدولة السودانية الحديثة بنية مركزية تركها الاستعمار البريطاني-المصري، حيث صُممت العاصمة الخرطوم كمركز للسلطة والثقافة على حساب الأقاليم. لم ترافق عملية بناء الدولة مشروعًا جامعًا يعترف بتعددية المجتمع السوداني، بل تم تبني تصور “وحدة وهمية” قوامها العروبة والإسلام النيلي.
- الدولة الوطنية وتكريس التماثل: منذ الاستقلال عام 1956، تبنت النخب السياسية، خاصة المنحدرة من وسط السودان والتي تتبنى الجذور العربية، خطابًا ثقافيًا يربط بين الانتماء الوطني والهوية العربية-الإسلامية. وقد انعكس ذلك في الدستور، والمناهج التعليمية، وأجهزة الإعلام، وممارسات الدولة عمومًا، مما أدى إلى تهميش سكان الجنوب، وجبال النوبة، ودارفور، والشرق، والمجموعات النوبية. واعتمدت الممارسات للواحدية على مؤسسات متنوعة
- في التعليم والإعلام: اقتصرت المناهج الدراسية على تاريخ العرب والإسلام، مع إهمال شبه كامل لتاريخ الشعوب السودانية المتنوعة. فرضت اللغة العربية كلغة وحيدة، رغم وجود عشرات اللغات المحلية التي تُستخدم في الحياة اليومية. كما تم تغييب الرموز الثقافية غير العربية عن الإعلام الرسمي، مما أنتج فجوة معرفية وثقافية.
- في التشريعات والقانون: قوانين مستوحاة من الفقه الإسلامي السني طُبقت على مجتمعات غير مسلمة، كما حدث في عهد النميري عند تطبيق “قوانين الشريعة” عام 1983. القوانين الأخلاقية استندت إلى منظومة قيم ثقافية محددة، مما قيد الحريات الفردية وخاصة في الأزياء، الفن، والمعتقدات.
- في توزيع السلطة والثروة: سيطرة نخب النيليين على أجهزة الدولة والجيش وتركز الاستثمار والخدمات والبنية التحتية في الوسط على حساب الأطراف، ما عمّق الإحساس بالظلم والتهميش.
ثالثًا: المواطنة في ظل الواحدية الثقافية: تراجعت قيمة المواطنة المتساوية في السودان لصالح “المطابقة الثقافية”، حيث جرى التعامل مع غير العرب أو غير المسلمين كمواطنين من الدرجة الثانية. وقد تجلى ذلك في: نقص فرص التوظيف والتمثيل السياسي لأبناء الهويات المهمشة؛ فرض سياسات الاستيعاب الثقافي بالقوة الناعمة (المدرسة، الإعلام) أو الصلبة (القمع، الحرب)؛ انتشار خطابات تحقيرية عنصرية ضد الإثنيات غير العربية (مثل الزنوجة، “العبيد”، إلخ).
رابعًا: أثر الواحدية الثقافية على حقوق الإنسان: تقليص حرية الاعتقاد والتعبير، خاصة للمسيحيين وأصحاب الديانات التقليدية. اضطهاد لغات كاملة (كاللغة النوبية) ومنع استخدامها في المدارس أو الإعلام وتمييز في قوانين الأحوال الشخصية والمساواة الجندرية، ما أثّر على حقوق المرأة والفئات المهمشة.
خامسًا: مقاومة الواحدية ومحاولات التحول:
- ثقافيًا: ظهرت حركات أدبية وفنية تمجد التنوع، وتصاعدت المطالب بإعادة كتابة التاريخ الوطني بشكل شامل.
- سياسيًا: رفعت الحركات المسلحة (SPLM، حركة العدل والمساواة، حركة تحرير السودان…) شعارات ضد الإقصاء الثقافي والسياسي. اتفاق نيفاشا 2005 نص على التعدد الثقافي، لكنه ظل قيد التجريب والتنفيذ المحدود.
سادسًا: بعد الثورة — إمكانات بناء وطن تعددي: شكلت ثورة ديسمبر 2018 فرصة تاريخية لإعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس المواطنة المتساوية، والتنوع الثقافي. إلا أن الحرب التي اندلعت لاحقًا (2023–2025) أعادت تأزيم المشهد، وأحيت خطابات الإقصاء والهيمنة من جديد.
تؤكد تجربة السودان أن الواحدية الثقافية ليست فقط إخفاقًا أخلاقيًا، بل كارثة سياسية تفتح أبواب الحرب والانقسام. لا يمكن بناء وطن موحد إلا بالاعتراف الكامل بالتعدد، وضمان مساواة جميع المواطنين أمام القانون دون اعتبار لأصولهم الثقافية أو الدينية.
إن مشروع “الوطن الكبير” لا يتحقق إلا عبر دستور تعددي، ومناهج تعليمية شاملة، وتمثيل عادل لكل المكونات في السلطة والثروة.
نواصل عن سياسات معالجة الواحدية الثقافية في السودان: نحو تأسيس دولة التعدد والمواطنة المتساوية
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم