الوعي الوطني ، والبعد الاجتماعي الغائب في التاريخ السوداني الحديث
رواية 48 لمحمد المصطفى موسى
عزالدين ميرغني
zamanaldonia@gmail.com
أكتب رواية تعرف جيداً موضوعها
أرنيست هيمنجواي
صدرت هذه الرواية في لندن ، عن دار ( زراف للنشر ) حديثاً في العام 2026 للدكتور محمد المصطفى موسى ( يعمل طبيباً في بريطانيا ) . وهو أول عملروائي له . فقد أصدر قبلها مجموعتين قصصيتين وكتاب عن المهدية . وامتازتنصوصه القصصية بالنفس السردي العميق ، وقد ظهر ذلك في هذه الرواية (48)، وقد اطلعت عليها ، وهي مخطوطة قبل النشر .
وعنوان الرواية لا شك بأنه عنوان تاريخي مضيء ( العام 48 ) , وهو ذو محمولورسالة تاريخية ، أي أن دلالته محمولة ومضمنة في العنوان كعقد بين الروايةوالقارئ. وهو عنوان مريح في المضمون ، لأنه يقرب المسافة الجمالية بينه وبينالقارئ. ويضيق أفق التوقع عنده فلا يزداد عليه . وهو إشارة لمضمون الروايةومحمولها التاريخي منذ عتبتها الأولى. وهي من العناوين التي تشير إلى النص ،والنص نفسه يشير إلى العنوان . وبهذا يؤكد مصداقيته عند قراءة النصومصداقية النص المشار إليه. وهذا هو ما يطلق عليه النقد الحديث ، ( مصداقيةالكتابة ) . كما جاء في كتاب ( عتبات النص في الرواية العربية ) ، للدكتور عزوز عليإسماعيل. حيث يطلق عليه ( تقنية الإحالة في العنوان ) ، فالعنوان يحيل اليالنص، والنص يحيل الي العنوان .
وعنوان هذه الرواية ، 48 , هو ( أيقونة بصرية تاريخية ) ، هذه الأيقونة تبقى فيذاكرة القارئ حتى نهاية الرواية . لأن كل أحداثها تدور في هذا العام . هو عنوانذاكرة كولونيالية مضت . أما الإهداء كعتبة ثانية في الرواية ، فهو لروح الروائيوالقاص الراحل ( صديق الحلو ) ، ورغم أن الإهداء هو لفرد معين ، ولكنه ليسفرداً عادياً أو مجهولاً، وإنما لقاص وروائي، دخل التاريخ الادبي السوداني بأعمالهالمنشورة منذ زمن بعيد . وهو نوع من الوفاء لأخوة الابداع وزمالة الكتابة .
في هذه الرواية تتنازع البطولة فيها عدة ثيمات، وهي متروكة في تقييمهاللقارئ. فهل هي للحدث ، أم لشخصية واحدة معينة ، أم لأسرة معينة ، وهليمكن أن تكون للمكان الذي تجري فيه الاحداث؟ أم للزمان الذي حدثت فيه .. العام 1948؟ .و تجد أن البطولة موزعة بعدالة واتقان بين كل هذه الثيمات : بطولة شخصيات وطنية ، ومكان خلقها واحتضنها ودافع عنها ، وزمان كانت فيهالكولونيالية في قمة سطوتها وجبروتها. فهي بذلك ذات بنية قوية من ثلاثأضلاع، المكان والزمان والشخصية ، مما جعلها رواية متوازنة متماسكة ، ومقنعة، ومشبعة أيضا
وإذا كان العنوان ، يحيل الي النص، ذو التاريخ الذي ينتسب الي الماضي، فمعنىذلك بأنها رواية لها علاقة بالتاريخ ، الذي استلهمته ووظفته جيداً. ولم يوظفهاالتاريخ ، فهي رواية التخييل داخل التاريخ وليست نقل أحداثه الموثقة وهذه منوظيفة المؤرخ وليست وظيفة الروائي.
وظف الكاتب الراوي العليم ، والذي يعرف الماضي جيدا ً( الراوي الإله ) ، كمتحكمفي السرد ، وقابض على حبله بقوة وثقة معرفية كبيرة، فالعهدة هنا تركها الكاتبعلى عهدة هذا الراوي العليم . لان هذه الأحداث التاريخية الاجتماعية لا توجد فيكتب التاريخ. ومن أسباب ذلك أن البطولة متعددة ، ولا يمكن أن يرويها شخصواحد باسمه فقط لأنه لا يعرف ما حدث لغيره . وهذا الراوي- بذكاء منالكاتب-أعطى الفرصة للكثير من الشخصيات أن تعبر عن نفسها . إذن هي ( روايةبوليفونية ) ، متعددة الشخصيات ،وهي شخصيات مختلفة في ثقافتها وتعليمهارغم المكان الواحد الذي يجمعها . فأعطاها الحق في أن تتداعى وتتذكر، خاصةالشخصيات الغريبة عن المكان والتي تحمي تاريخها بنفسها. وقد تقوم بإرسالرسائل لغيرها وتتواصل معها وكلها تقنيات في خدمة النص الروائي. ( سردتناوبي بين الراوي العليم وبعض شخصيات الرواية الأخرى ) ، مثل شخصيةاليهودي الذي جاء إلى السودان هارباً من لبنان باسم وهوية مستعارة ، ليخدماغراضه .
والرواية فيها غوص عميق بشخصية رافائيل اليهودي ، والصراع الخفي بينطائفتين من اليهود موجود في إسرائيل حتى الآن( الأشكيناز والسفارديم ) ، وهوصراع أظهرته هذه الرواية بتجربة متفردة في الرواية العربية . وتقنية الراويالعليم هذه ، قد أدخلت الرواية أيضا في مصطلح الرواية الحديثة بجدارة ،modern novel لأنها قد وظفت التاريخ الاجتماعي للمكان الأمدرماني، لخدمةمضمونها ، وقد جاءت الحداثة فيها من قوة إقناعها، وهي مسلحة بخيال الكاتبوثقته فيما يرويه ، وكل ذلك بقوالب الفن الروائي الحديث ( الفلمنة، والمسرحة، والسلسلة ) . و يجري كل ذلك بعيداً عن نمطية الكتابة التاريخية الأكاديمية، أوالرواية التاريخية الكلاسيكية ، تلك التي يقيدها الواقع التاريخي بحقائقه المدونةفي الكتب .
وهذه الرواية 48 , ليست بالضرورة أن تكون شخصياتها حقيقية ، ولكنها شخصيات واقعية يمكن أن يحدث منها ما حدث إن كان منها ، أو من غيرها . وحتى ولو كانت حقيقية ، فمن الذي كتب عنها قبل ذلك غير هذه الرواية ؟ وإذااضفنا ما قدمه الراوي العليم لهذه الرواية، فهي إضافات فنية مهمة ، فقدأظهرت مقدرة الكاتب في البحث والتقصي في دروب التاريخ الخفية ، و أظهرت أيضاً ثقافته التاريخية بجدارة في كل ما ذكره الراوي وهو الشخصية الخفيةللكاتب ، من معلومات تاريخية صحيحة ، ومن معرفة ودراية بالمكان وثقافته ،فهو ابن المكان أيضا، وهذا ما يدحض نظرية موت المؤلف التي انتهت بزمانها. فالكاتب هو الذي يعرف المكان أكثر من غيره ويعرف شخوصه ، دواخلهاونفسياتها. وقد عبر عنها بلغة رائعة ومحفزة بتشبيهاتها النابعة من المكان؛ثقافته وبيئته كأنما في هذه الرواية بضاعته قد ردت إليه.
وهذه اللغة أتاحت للكاتب أن تظهر بصمته الاسلوبية الخاصة ، والمميزة، وأصبحبذلك ذو توقيع خاص في كتابة الرواية منذ أول رواية يكتبها . أتاحت له ذلكالرواية أكثر من القصة القصيرة ذات الطاقة المحدودة . وهي بمثابة بيانهالإبداعي الأول والذي اجتاز امتحان العبور فيه بجدارة وتفوق . أتاحت له الروايةبلسان راويه العليم، أن يظهر ثقافته ومعرفته بالتاريخ الإجتماعي السودانيوالإنجليزي ، ذكر في تفاصيله السردية الدقيقة ، نوع الازياء السودانية في ذلكالوقت ، ( جلباب على الله ، الملفحة، والشال، والكريزة ) ، وحتى ازياء المرأةالأوربية بالتفصيل، والمائدة السودانية، والمشروبات الرائجة في السوق فيالأربعينات مثل الكيتي كولا، وعرقي العيش والبلح ) . ومقاهي ام درمان العريقة ،وشوارعها، وأزقتها ،وحتى أسماء لاعبي فرقها الرياضية مما جعلها رواية معرفةأيضا. وهي تؤكد مقولة الكاتبة ( فيرجينيا وولف ) :
“ضع في الرواية الكثير من ثقافتك ومعرفتك في الموضوع الذي تكتب فيه”.
وقد استشهد فيها بالكثير من الأمثال السودانية، وأقوال التوراة والتلمود، وأغانيالحقيبة، والأمثال السودانية بدون تقريرية فجة ومجانية. ومعرفته المكانيةتتجلى أوضح في مسرح الأحداث، وهو ( سوق العيش ) ، كيف تدار فيه الأمور، وتقوم فيه المضاربات، ويحصل فيه التنافس والنزاع خاصة بين عقلية التاجراليهودي الخبيثة ، وعقلية التاجر السوداني الصادقة والبريئة. وقد صورتشخصية التاجر اليهودي تصويراً دقيقاً ورائعاً . وكيف كان يقوم بتخريب الاقتصادالسوداني ومحاربة رأس المال الوطني بتشجيع من المستعمر ومعرفته .
وبطولة المكان تأتي من تكاتفه ووقوف أبنائه مع بعضهم وقت الحاجة والعوز. مجتمع خال من العنصرية والجهوية، والطبقية، بل للمرأة دورها الكبير حتى ولوكانت ست أنداية، مثل شخصية ( ماتريد ) ، تلك الهجين الرائع بين ام زانداويةوأب اغريقي ، والتي كان يستشهد بها شعراء الحقيبة( خلقوها زي ما تريد ) . والكاتب لم ينحاز لجهة فكرية واحدة فالكل شارك في مناهضة الاستعمار بدءً منصاحبات الانادي، وحتى زعماء الطوائف الدينية ، وأهل السياسة من اليمينواليسار . وحتى أهل المكان من المسيحيين شاركوا في هذه الهبة الوطنية ضدالغازي المستعمر . وقد تمثل ذلك الاندياح في المكان بحي ( المسالمة ) ، والذييقول عنه التاجر اليهودي رافائيل البعلبكي، ( عشر سنوات مضت، منذ أناستهواني ذلك المكان ، والذي تتقاطع فيه، دروب المسيحيين، والمسلمين، واليهود ، دون أن يسأل أحدهم عن الآخر ) .
لقد أتاحت وظيفة الراوي العليم للكاتب ، أن تظهر بصمته الاسلوبية الخاصة ،موظفا ما يسمى بالانزياح اللغوي ، والذي يطلق عليه النقد الفرنسي مصطلحinfraction، وهي إزاحة اللغة من وظيفتها التواصلية العادية، الي شعريتهاالعالية ، وهي ما يسمى بلغة الكتب وليست لغة الكلام العادي .والذي تركه احياناللحوار بين شخصياته كلغة المكان اليومية . وقد كانت بها الكثير من الغنائيةالرومانسية والراوي يتغزل في المكان فيقول :
( هناك بأطراف حي القماير، التف الظلام، على جغرافيا الأمكنة، ليسبل سترهالازلي على تفاصيل الاشياء ) .
تمتاز الرواية بكثرة التفاصيل الدقيقة ، وقد أدت مهمتها بنجاح ، مما جعلالأحداث مترابطة، ومتلاحمة، ومتراكمة. وهذا الثالوث هو الذي دفع الأحداثلتسير الي الأمام دون توقف أو لجلجة لغوية . وهو ما أتاح للكاتب أن يعطيها منفكره وثقافته، وروحه الكثير حتى خرجت رواية خصبة في تفاصيلها وأحداثهاومقصدها. فخرجت رواية من نمطية الحكي التاريخي الممل، والبعد المنسيوالغائب في التاريخ ، وهو كتابة البعد العاطفي والوجداني والبعد الوطني للانسانالسوداني العادي وليس السياسي المحترف للوطنية والمخلص للفكر الذيينتمي إليه أكثر من الوطن الذي يعيش فيه .
إنها رواية الثالوث المقدس في الرواية الحديثة ، ( الإنسان والزمان والمكان ) .
zamanaldonia@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم