ناجي شريف بابكر
إن الوعي يستوجب أن تُميّز العملية المعرفية ما بين حاجتنا لتفكيك طبيعة الظاهرة وبين الحكم الأخلاقي عليها..
في أحيان كثيرة يقوم الحكم الأخلاقي كعائق في مواجهة سعينا المعرفي لتفكيك ظاهرة ما.. في حين أن الوعي بحقائق الأشياء يساعدنا للتعاطي مع الظواهر بصورة أكثر كفاءة من التعاطي معها ظنيّا ونحن لسنا على دراية كافية بطبيعتها وسلوكياتها.. إن الظنّ لا يُغني عن الحق شيئا.
على سبيل المثال حينما يتعامل باحثون أكاديميون مع معلومات إحصائية محايدة، فإن التجريد والإستنباط المحايد لمساقاتها، قد يؤكد أحيانا وقائع لا تساند أشواقنا او مصالحنا.. مما يجعلنا نكره التعاطي مع تلك النتائج أو نسترسل فيها، ونفضل بدلا عن ذلك أن نبقىها في إطار الكتمان، حتى لا نخسر أو نشكك في فرضيات وأفكار مسبقة انبنت عليها يوما قناعاتنا القائمة وربما أوضاعنا ومصالحنا الإجتماعية. بل أننا لا نتوقف عند الرفض والتشكيك، بل نذهب أبعد من ذلك في إتخاذ مواقف أخلاقية ومعادية في حق أولئك الباحثين تضعهم في خانة الشك، وتبلغ أحيانا حد الدعوة لمطاردتهم قضائيا.. مواقف كتلك نجدها تمنحنا ثقة زائفة وتكسبنا مناعة ذاتية في مواجهة أي منتوجات معرفية تعود إليهم مستقبلا..
صادفني قبل سنوات خلت تقرير نشره التلفزيون الفرنسي، يبدو أنه كان دراسة قام بها ناشطون عن “ظاهرة البِغاء”، تم فيها إستبيان عينات عشوائية من فتيات الليل في باريس، لمعرفة الدوافع التي تجعلهن ينتظرن في الطرقات لأوقات متأخرة وفي ظروف جوية قاسية.. هل كانت الدوافع مادية؟.. وهل يحقق البغاء دخلا أعلى للفتيات مقارنة بالعمل في وظائف هامشية كنادلات أو كعاملات في الفنادق، أو كمتعاونات في الدور المخصصة لرعاية المسنين وفاقدي السند؟.. هل كانت الدوافع جسدية أو ترفيهية للدرجة التي تدفعهن للتضحية.. فهمت من أن هذه الدراسة وربما دراسات أخرى في نفس السياق أسست لتشريعات فرنسية لاحقة شملت إعتمادات لحزم دعم إجتماعي لتلك الشرائح كما جرّمت في نفس الوقت تعاطي الخدمات الجنسية في مقابل المال.. هذه الدراسة قامت لأنها لم تواجه بتفنيد أخلاقي يحكم مسبقا على تلك الشرائح بإعتبارها غارقة في الخطيئة، قامت لأنها تنظر لتلك الشريحة بصورة أكاديمية محايدة تمكنت آخر الأمر من إكتشاف أن معظم النساء المنضوين تحت ذلك النشاط، ضحايا لغفلة إنطلت على السلطات الإجتماعية والمالية في الحكومة الفرنسية، مما راكم أوضاعا إقتصادية معينة أرسلت شريحة لا يستهان بها من فتيات باريس إلى الشوارع.
في وقت سابق في السودان، أدت تصريحات منسوبة لأحد حكام الولايات كشف فيها عن إحصائيات تبدي تفاقما في نسب تفشي الإصابة بالإيدز في مناطق جغرافية بعينها، إلى إحتقان شعبي وشعور بالإهانة تسبب في فقدان الوالي لمنصبه. كما واجه طبيب ناشط في العمل الإجتماعي حملة إعلامية وسياسية عنيفة بسبب إقدامه على إفشاء إحصائيات بدا فيها تنامٍ غير مسبوق لتوافد الأطفال فاقدي السند بالخرطوم.. إن شعورا زائفا بالفضيلة، في مكان تلك الحقائق الموثقة القاسية، بدا وكانه أدعى لرضى مجموعات واسعة من الأهالي.
حينما يقوم خبير إقتصادي بتحليل علمي يعكس المظالم التي تُكرِّسُها علاقات الإنتاج القائمة، أو يكشف التفاوت الكبير في الإقتسام العادل للموارد ما بين أفراد يفترض أنهم بحكم المواطنة، متساوون في الحقوق والواجبات، أو يطرح أرقاما ووقائع في التباين في إعتمادات الموازنة ما بين العاصمة والأقاليم الجغرافية الأخرى وحظوظ هذه وتلك في التنمية المتوازنة.. أن يقوم ذلك الخبير بإبراز الوقائع الإقتصادية التي تبين بعض الخلل في سلوك السلطة السياسية، تجاه تلك الحقوق.. فبدلا من أن نتريث لدراسة الوقائع والأسانيد، فإننا، شفقة بسلامة الوضع القائم، والمكاسب المرتبطة به، نقابل تلك الوقائع والخلاصات بالرفض والتخوين، ونميل لإعتبارها تكهنات تهدف للنيل من الوضع القائم. بينما الحقيقة أن إبراز أوجه القصور في الممارسة الإقتصادية ربما يتيح مزيدا من الزمن لتلافي المزيد من التصدع والإنهيار بسبب تفاقم تلك العلل التي طالما غلفناها بحالة إنكار جمعي.
إن إستمرار تراكم الفوارق في حظوظ الأقاليم المختلفة والمجموعات السكانية من الثروات والدخول التي تتمتع بها بلادنا، وتشجيع إحتكار الموارد والمربعات التعدينية لقلة متنفذة ورأسمالية طفيلية لا تعبأ بمعاناة شعوبها واستحقاقاتها في التعليم والعلاج والتنمية المتوازية والحق في البقاء، يُخلّقُ أوضاعا شائهة وأشدّ إحتقانا ويزيد من إستدعاء وتنامي حالات العنف وانعدام الأمن والسلام الإجتماعي..
علينا أن نعيد التفكير في خططنا المستقبلية والقائمة لضمان سياسات إقتصادية تكون أكثر إنصافا للقطاعات الواسعة من الشعوب السودانية، وأن يعاد تخطيط النفقات العامة بحيث تذهب الأنصبة الأوفر لا لتأمين وتسليح الانظمة الإستبدادية البوليسية المرعوبة من شعوبها، وإنما لترقية معدلات الرفاه الإجتماعي والتنمية العادلة المتوازنة، والتعليم والعلاج، وترقية البنى التحتية ومكافحة الفقر والفاقة لكافة الأقاليم الجغرافية.
إنتهى
E-Mail: nagibabiker@hotmail.com
