الولد الذي جعلنا لا ندفع نقوداً … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


لا أعرف إن كان هناك من نوه بالابن الذي قاد الشرطة إلى الشبكة الإرهابية التي اختطفته. فبعد مساومة من الأب اتفقت الشبكة على تسليمه الابن (الموصوف في الصحيفة ب"الطفل") لقاء 150 ألف جنيه يضعها في مقابر بري مرصوداً بالشرطة. وعاد الأب إلى البيت ليجد ابنه وقد "اختلس" فاتورة مياه من منزل الخاطفين قادت الشرطة إليهم. فوجدتهم و"كمية من الأسلحة والذخائر المتطورة وعدد من الشارت والبزات العسكرية وكاميرات تصوير حديثة واسطوانات مدمجة منها أفلام فاضحة". يخرج علينا هذا الصبي الناضج حاضر البديهة الشديد اللضيض من ضوضاء انفلات جأش القيادة في السودان قاطبة وعثراتها الكبرى. ولم أقرأ لخالد فتحي ، محرر الجريمة المميز بهذه الجريدة، إشارة إلى مكر هذا الابن المعجزة أو إشادة. لم ترع لا الشرطة ولا وزارة التربية ولا مدرسة الصبي مناسبة تربوية تقدم فيها هذا الابن الشجاع الدبير إلى جيله والسودانيين عامة. وتعريف الشجاعة هي رباطة الجاش في موقف الخوف.
 
قرأت من جهة أخرى عن الشرطة الشعبية في مناسبة احتفالها بعيدها الثامن عشر بكسلا. وخرجت بانطباع أن دورها النظامي غامض. ويؤسفني أن لم اتفق مع تعريف وزير الداخلية لوظيفتها. وربما خذله الناقل. فقال إن هدفها الإستراتيجي ليس حماية الأفراد بل "حماية الأعراض والأموال والعقول من المخدرات والمسكرات". ولا أدري كيف تحمي الأعراض والأموال والعقول وهي مجردة من الأفراد كمالكين لمال وعرض وعقل. وسمى مدير الشرطة الشعبية ذلك "التأمين الذاتي".وإن السودان غير مسبوق في هذا النهج الذي يكون به الشرطي شرطياً وعاملاً في عمله الشخصي.
 
باختصار هي شرطة تريد للمواطن أن يكون طرفاً في أمن نفسه بنفسه. ولا أعرف مثل الابن الذي شرحنا حكايته أعلاه من كان طرفاً نشطاً في تأمين نفسه. وهو لم يكلفنا قرشاً لتدريبه ضمن ال4 ألف الذين خرجتهم الشرطة الشعبية هذا العام ولا ينتظر قريباً أن يكون من بين ال17 ألف الذين تزوجوا على ذمتها لأعوام. لقد مكننا من العصابة "بلوشي".  ولو كانت الشرطة تريد للمواطن أن يعنى بالأمن فعليها أن تقف على مصادر ذكاوة الولد الذي جعلنا لا ندفع نقوداً كما في عنوان قصة لفتحي غانم..فلربما لم نحتج لشرطة شعبية أصلاً بل لتربية أمنية وطنية شجاعة. وقد أخافني فعلاً خطة الشرطة الشعبية أن أن يكون لها فرعاً في كل حي وقرية. وهذا أمن مخيف.
 
نأمل أن تكون حادثة الفديو مرآة للشرطة ترى فيها نفسها وتهتم بصورتها بين الناس. ففظاظة الشرطة مشهودة. وسميتها يوماً "عقلية فتيح العقليين" التي انسحبت جماعات منها من العيش بين الناس في الأحياء إلى ثكنات توحدت بها زمالة السلاح والجيرة. فما أكثر حالات "النظاميين" الذين يستسهلون اللعب بالأسلحة التي بيدهم لإرهاب المدنيين. فمنذ أيام سقط 7 أطفال فاقدي الوعي لأن "نظامياً" ألقى بقنبلة مسيلة للدموع. كما أنه ومنذ شهر فقط شكلت وزارة الداخلية مجلس تحقيق مع القوة التي اشتبكت مع مواطني قرية العلياب وأغلظوا. بل أصبحت لا تجد الشرطة حيث ينبغي. فقد كشف هجوم العدل والمساواة على قافلة تجارية في طريقها للفاشر أن حرسها كان قبائلياً من الزيادية.
 
وشرط هذه المراجعة أن تتم بإشراف الولاة. ونأمل ألا يخذلونا كما فعل عبد الرحمن الخضر في مؤتمر الصحفي عن حادثة الفتاة. فكنت ناشدته أن يتولى المسألة التي هو فيها صاحب الاختصاص الأول. فصدمنا بما ذكرني بنادرة أحمد حسب الباري والعربجي. وتلك قصة أخرى
IbrahimA@missouri.edu
 

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً