طاهر عمر
taheromer86@yahoo.com
بين الحقبتين إنتهاء عالم قديم لا يمكن إعادة إكتشافه و لا يمكن ترميمه و عالم جديد يسلك طريقه. العالم القديم تهاوى و زالت ركائزه و تلاشى سحره و غطاءه النسيان و العالم الجديد يشق طريقه إلا أنه يسير على الشك و لا يطمئن الى اليقين. هذا العالم الجديد الذي فك إرتباطه بالعالم القديم بداء مع ظهور الثورة الصناعية 1776 و تزامن معه إنجاز ادم اسمث لكتابه ثروة الأمم و كذلك إعلان إستقلال أمريكا.
منذ ذلك الزمن البعيد قبل قرنيين و نصف بداءت عوالم مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و أصبحت موجات التحولات الهائلة التي تغشى العالم بأثره و كذلك التحولات الهائلة في المفاهيم فيما يخص تفسير و تفكيك ظاهرة المجتمع البشري و كيف أصبحت فكرة العيش المشترك و فكرة المسؤولية الإجتماعية نحو الفرد تحت مجهر التفكير.
بعد مرور ستة عقود على بداية الثورة الصناعية غشيت المجتمعات تغيرات هائلة ظهرت في أدب شارلز ديكنز و خاصة في إبداعه في قصة مدينتين و اوليفر تويست أما في فرنسا فقد ظهرت كتابات توكفيل و مفهوم معادلة الحرية و العدالة و كيف أصبح يفكر في مفهوم قيم الجمهورية و لاحظ كيف حققت أمريكا ديمقراطيتها و كيف عجزت أوروبا في أن تلحق بها فيما يتعلق بتحقيق الديمقراطية و قيم الجمهورية.
في زمن توكفيل كان الكاثوليك في فرنسا يظنون بأنهم بالكاثولوكية يمكنهم نقل فكرة الديمقراطية و كان توكفيل يقولها لهم واضحة لا يمكنكم تحقيق تحول ديمقراطي بالكاثوليكية لأننا في زمن قد أصبح الدين أفق الرجاء للفرد و شأن فردي و قد أصبحت الديمقراطية و قيم الجمهورية بديل للفكر الديني لأننا في زمن عقلانية الفرد نتاج إبداع العقل البشري.
و بالمناسبة أن مفهوم الديمقراطية و قيم الجمهورية بأنها قد أصبحت بديلا للفكر الديني هذا بعد ما زال عصي على إدراك النخب السودانية و إلا كيف تفسر كتابات الدكتور ابراهيم البدوي وزير الإقتصاد السابق؟ و كيف تفسر إنبهاره بفكر الإمام الصادق المهدي كرجل دين يريد أن يعيدها مهدية عديل؟
الغريب تأتي كتابات الدكتور ابراهيم البدوي و هو لا يخفي إنتماءه لحزب الأمة كحزب ديني يقوم كل فكره على يقين و ثوقيات و حتميات الصادق المهدي الأقرب لرجل الدين من السياسي المعاصر.
و من هنا نقول لدكتور ابراهيم البدوي أن يقينيات و وثوقيات و حتميات الصادق المهدي و أتباعه لا تنتج غير فكر رغبوي خالي من العقلانية و نقول للدكتور ابراهيم البدوي أن هذا الفكر الرغبوي الذي عاشه الإمام الصادق المهدي خلال ستة عقود هو سبب فشله بألا يطلع قوز أخضر.
لأنه لم يدرك و أقصد الإمام الصادق المهدي بأن مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و هي مجتمعات الشك و مجتمعات مسيرة الشك و ليس مجتمعات اليقين لذلك قد إصطدمت سفينة يقين الصادق المهدي بجبال الشك و لم يستطيع الإسهام في تحوّل ديمقراطي في السودان كنتاج فكر عقلاني و علماني و لا يعادي روح عالمنا المعاصر كما عادى الصادق المهدي كرجل دين هذا العالم الحديث العلماني الرافض للاهوت الصادق المهدي.
و بالتالي يمكننا القول أن الصادق المهدي فشل بفكره اللاهوتي الديني الرغبوي كما فشل الكاثوليك في زمن توكفيل بتحقيق ديمقراطية في فرنسا. و ليس الصادق المهدي وحده الفاشل بل المرشد الكيزاني أي الترابي و أتباعه و كذلك أتباع الختم و أضف إليهم أتباع النسخة المتكلسة من الشيوعية السودانية و جميعهم أتباع فكر رغبوي نتاج اليقينيات و الحتميات و الوثوقيات.
المشكلة ليست في فشل الصادق المهدي و الترابي و الختم المشكلة في عقل أتباعهم الذي أصبح أفق عقل النخب السودانية و عجزه في عدم إدراك أن الديمقراطية هي بديل للفكر الديني من كل شاكلة و لون.
و بالمناسبة إلتصاق عقل النخب السودانية الفاشلة بوحل الفكر الديني لأنه ظل على الدوام تابع لثقافة عربية إسلامية تقليدية و هي من أشرس الثقافات التقليدية معاداة للحداثة.
لذلك يمكنك ملاحظة عجز أتباع الختم و أتباع حزب الأمة في إنجاز تحول ديمقراطي و هم أقرب لفكر الكيزان لأن منبع فكرهم هو نفسه وحل الفكر الديني في وقت أن التحول الديمقراطي في السودان يحتاج لفكر جديد يتجاوز فكر المرشد و أتباعه و فكر الإمام و أتباعه و فكر الختم و أتباعه و كل فكر يقوم على الوثوقيات و اليقينيات و الحتميات كفكر أتباع النسخة المتكلسة من الشيوعية السودانية كدين بشري.
من الملاحظات التي لاحظها ماكس فيبر بأن الرأسمالية عقلانية و إستدلى على عقلانيتها بأنها لم تظهر في المجتمعات التقليدية كمجتمعنا السوداني التقليدي و عقلانية الرأسمالية و نمط إنتاجها يسير على فكرة الناخب الرشيد و المستهلك الرشيد المحمي بقيم الجمهورية و قيم الديمقراطية و هي بديل للفكر الديني و فشل التحول الديمقراطي في السودان سببه الأحزاب الدينية لأنه يستحيل أن تكون هناك ديمقراطية بجانب الدين و وحل فكره.
و أيضا من الملاحظات الهامة عندنا في السودان أن الإهتمام بأدب الفكر الليبرالي ضعيف جدا وسط النخب السودانية و نقدهم للرأسمالية يختلف عن نقدها من قبل من هم من مجتمعات قد ورثت فكر عقل الأنوار أو حتى من مفكريين في العالم العربي عندما تقارنهم بالنخب السودانية تجدهم متقدميين عنهم بمراحل فيما يتعلق بوضوح الروية و نضوج الهدف.
مثلا لك أن تقارن فكر عالم الإجتماع العراقي فالح عبد الجبار بفكر الدكتور ابراهيم البدوي ستجد البون شاسع بين فالح عبد الجبار و فهمه لكيفية التحول الديمقراطية في العالم الثالث و عند ابراهيم البدوي الذي ما زال يتخفى خلف جلباب الصادق المهدي و عمامته و هو أقرب لرجل الدين من السياسي المتسلح بروح العصر .
و كذلك يمكنك أن تلاحظ عجز النخب السودانية في أنها قد عجزت أن تقدم مفكر واضح في نزعته الإنسانية و متجاوز للإسلاميات الكلاسيكية التي تقوم على التقديس و التبجيل و الإيمان التقليدي كما أنجز محمد أركون نقده للعقل الإسلامي لذلك فإن أغلب النخب السودانية متذبذبة فيما يتعلق بفصل الدين عن الدولة و يمكن إبتزازهم من قبل الكيزان فيما يتعلق بفكرة العلمانية و فصل الدين عن الدولة بشكل واضح و أظن هذا سبب أن مقالات الدكتور ابراهيم البدوي مليئة بالأيات القرانية و أدب الإسلاميات الكلاسيكية التي بها و معها لا يمكننا أن نحقق تحول ديمقراطي.
على العموم السودان الآن في أسواء حقبة و هي تقع بين عالميين عالم قديم لا يمكن أن يعاد إكتشافه أو ترميمة عالم السودان التقليدي المتلاشي و عالم السودان الجديد الذي يتخلق ليولد من جديد و هذه الفترة التي يمر بها السودان تشبه حال أوروبا بين الحربيين العالمتين و فيها سوف يسود الفكر العابر و المؤقت و في أوروبا وصفت حقبة بين عالمين أي نهاية العالم القديم و بداية العالم الجديد بأنها يظهر فيها الفكر العابر و المؤقت و قد جسدته الشيوعية و الفاشية و النازية كنظم شمولية جاءت كفكر عابر و مؤقت كختام لنهاية الليبرالية التقليدية و بداية الليبرالية الحديثة.
كذلك عندنا في السودان مثل كتابات ابراهيم البدوي المليئة بالإسلاميات الكلاسيكية و كذلك كتابات المتذبذبين من السودانيين أي المتحدثين عن العلمانية و الإيمان يمكنك وصفها بأنها أفكار عابرة و مؤقتة إلا أنها للأسف أقرب لعقل القارئ السوداني الذي لم يتعود على كتابات علماء إجتماع يتحدثون عن إنتاج المعنى و كيفية أن تصبح الحرية مطلب جماعي.
و سوف تسود مثل كتابات ابراهيم البدوي كفكر يجسد العابر و المؤقت الى حين ظهور فكر جديد يتجاوز زمن الفكر العابر و المؤقت فكر يصبح مفتتح لأفكار فلسفة التاريخ الحديثة في السودان و للأسف ربما يطول إنتظار ظهور هذا الفكر الجديد و بالتالي سيكون السودان في حالة أرجحة ربما تقاس بزمن أوروبا بين الحربين العالمتين أي فترة إنتظار تمتد لثلاثة عقود.
على العموم بعد نهاية هذه الحقبة التي يسود فيها الفكر العابر و المؤقت سوف يعقبها الفكر الذي ينظم مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية رغم أن السودان الآن لم ينجح في نقل أي تجربة صناعية إلا أننا في زمن مجتمعات ما بعد الثورة الصناعية و فيها تسود العقلانية حيث لم يعد للدين و وحل الفكر الديني أي دور بنيوي في السياسة و لا في الإقتصاد و لا في الإجتماع.
و للأسف في ظل حالة النخب السودانية و خاصة في ظل هذه الحرب العبثية بين جيش الكيزان و صنيعته الدعم السريع يكاد ينعدم إحتمال ظهور شخصية تاريخية قادرة على تجاوز و كسر حلقات العقل الجمعي الكاسد و الشب عن طوقه لأن وجود طبقة وسطى صاعدة و راغبة في مفارقة وحل الفكر الديني يكاد يكون معدوم وسط النخب السودانية الآن.
بل أن أغلب النخب السودانية غارقة في وحل الفكر الديني و عاجزة عن الحديث عن علمانية بلا لكن. لذلك قلنا بأن فترة إنتظار خروج السودان من وحل الفكر الديني تحتاج لثلاثة عقود و هي عمر الديناميكيات الإقتصادية مثلا الكنزية كانت فاعلة لثلاثة عقود و عقبتها النيوليبرالية لثلاثة عقود و الآن العالم ينتظر الحماية الإقتصادية التي تحتاج لثلاثة عقود.
و كذلك نهاية كتابات النخب السودانية المليئة بالإسلاميات الكلاسيكية ستحتاج لثلاثة عقود أي فترة ديناميكية إقتصادية الى حين ظهور أنثروبولوجيا كانط التي تعمل القطيعة مع الفكر اللاهوتي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم