“ولكن ما الذي سيبقى لعدن إذا ذهب الحزب, سنحرق عدن عن بكرة أبيها إذا لزم الأمر ليبقى الحزب” كلمات قاطعة تستبطن كل مدلولات غيبة الوعي وديماغوجية الأيدولوجية لا تزال ترن في إذني وبقيت حاضرة في وعيّ لثلاثين عاماً منذ أن قرأتها في كتاب “العبور إلى الشاطئ الآخر” الذي روى فيه الخبير الاقتصادي السوداني الراحل الدكتور خوجلي أبوبكر وقائع حرب التصفية الدموية التي جرت فصولها المأساوية في يناير 1986 في العاصمة اليمنية الجنوبية عدن بين الرفاق الأعداء في الحزب الاشتراكي اليمني في صراع عنيف من أجل السيطرة على القيادة والسلطة.
انفجر ذلك الصراع الدموي الشهير عندما استدرج الرئيس اليمني الجنوبي الأسبق علي ناصر رفاقه في قيادة الحزب الاشتراكي الحاكم إلى اجتماع لمناقشة موضوع تنازله عن أحد مناصبه القيادية لسلفه عبد الفتاح إسماعيل الذي عاد وقتها من موسكو بعد منفى طوعي لعدة سنوات, وبدلاً من حضوره للمشاركة أرسل علي ناصر حراسه ليقضوا على عليهم فقتل في ذلك اليوم عبد الفتاح وعلي عنتر وعلي شايع وعدد من قادة الحزب لتشتعل الحرب الدموية بين الرفاق في عدن وتحيلها إلى حجيم.
ووجد الدكتور خوجلي وعدد من زملائه من الخبراء الاقتصاديين في الصندوق الكويتي للتنمية أنفسهم الذين تصادف وجودهم في عدن في مهمة عمل في مرمى نيران المتقاتلين من أنصار الجانبين, وحكى في كتابة “العبور إلى الشاطئ” الآخر التفاصيل المرعبة لتلك الأيام حتى تمكنوا من النجاة, غير أن أكثر ما بقي حيا في ذاكرتي ذلك الحوار الذي دار بينه وبين أحد المتقاتلين الذين تمكنت ميلشيا منهم من احتلال الفندق الذي كان يستضيفهم ليصبح إحدى منصات حرب المدن, وهال الدكتور خوجلي حجم الدمار الذي لحق بعدن جرى هذا الاقتتال الجنوني, فأدار وقد أصبحوا رغماً عن أنفسهم جزءاً من هذا المشهد حوار مع أحد هؤلاء المسلحين المدججين بديماغوجية الأيدولوجية قبل أرتال الأسلحة, “إنكم بهذا الاقتتال بين رفاق الفكرة الواحدة تدمرون عدن” علّق الدكتور أبو بكر, ليعاجله المقاتل المزهو بفكرته برد صاعق “ولكن ماذا سيبقى لعدن إذا ذهب الحزب”, وواصل حديثه منذراً بإيمان لا يخالجه شك “سنحرق عدن عن بكرة أبيها إذا لزم الأمر ليبقى الحزب”.
رحم الله أخي الذي لم تلده أمي, “شهيد السلام” موسى على سليمان, فما أكثر ما كنّا نردد تلك الأيام هذه المقولة المعبرة, على فظاعتها, التي فتحت وعينا مبكراً على خطورة الاستلاب الأيدولوجي للوعي, حين تتحول التنظيمات اليوتيوبية إلى آلة للدمار المنظم في ظل غيبة الوعي وهي تحسب أنها تحسن صنعاً, وتتحول الأفكار, حسنة النية أحياناً, الرافعة لشعار التغيير والنهوض البرّاقة إلى أصنام تعبد تذبح الأوطان على أعتابها صراعاً من أجل السلطة والثروة.
لم يفعل الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح الذي لم يكفه حكم البلاد لأكثر من ثلاثة عقود, أكثر مما فعله ذلك المقاتل الذي لم ير في هلاك عدن شيئاً ذي بال ليبقى حزبه في السلطة, فها هو علي صالح يصر على ممارسة هوايته كما وصف ذات يوم حكم اليمن بأنه مثل الرقص على رؤوس الثعابين, ويتلاعب بمصير بلاده من أجل العودة للحكم ضارباً بعرض الحائط كل ما ذاقته من ويلات, ولسان حاله “سأحرق اليمن بمن فيها لأعود للسلطة”, ليس مهماً إن أخرج كل ثعابين الأرض لتدمر ما تبقى من وطنه.
استدعى هذا المشهد الذي ظل حاضراً في ذهني, حال اليمن اليوم التي طالما كانت تحتكر لها صفة السعادة مقرونة بإسمها, اليمن السعيد, وقد انهارت الدولة مع كل تاريخها التليد في هذا البلد لتحيلها إلى وطن ممزق وشعب منقسم على نفسه, وميلشيات مؤدلجة تستولي على السلطة, لتنضم دولة عربية أخرى إلى صف حالة اللا-دولة, وقد سبقها على الطريق الفوضى الحاصلة في ليبيا, والحرب في سوريا, والتنازع في العراق, وعدم الاستقرار في السودان, وسبقتهم جميعاً إلى سقوط الدولة الصومال, وهلم جرا, فهل هي مصادفة أن الدول العربية وحدها من باتت من تحتكر صفة الدول الفاشلة.
ما يثير القلق حقاً أن الكثيرين وهم يرون تساقط الدول العربية في براثن الفوضى باتوا يسارعون إلى إتهام موجة الربيع ثورات الربيع العربي التي انتظمت العديد من هذه الدول بالتسبب في الزعازع التي تشهدها هذه البلاد, وبل ويذهب البعض إلى تمجيد الأنظمة التي أسقطتها الانتفاضات الشعبية بأنها كانت توفر السلام والأمن والاستقرار, وأن الكفر بتلك النعمة التي كانت تقدمها تلك الأنظمة المستلطة للشعوب المنتفضة كانت عاقبتها هذه الكلفة الغالية الثمن لانفراط عقد السلطة المركزية وتكاثر الجماعات المسلحة المتصارعة على الحكم.
فهل يُعقل حقاً أن يكون طلب الحرية والتوق إليها والعمل من أجل التغيير سبباً في ما نشهده من تفكك هذه الدول, وهل يمكن بأي معيار إيجاد مبررات لاستدامة الأنظمة الديكتاتورية والشمولية القابضة بدعوى أنها ضرورية ولا مناص منها لتحقيق الأمن والاستقرار, وأن سلب الحريات والتنازل عن الكرامة الإنسانية ثمن مناسب للقبول بالخضوع لهذا المنطق المعوج طلباً للنجاة من دفع استحقاقات التحرر من الاستبداد؟.
رحم الله عبد الرحمن الكواكبي, أحد أبرز زعماء الإصلاح في العالم العربي, الذي اهتدى قبل قبل قرن ونيّف إلى التشخيص الصحيح لداء التخلف والانحطاط في هذا الجزء من العالم الذي ظل خارج التاريخ, وسكب عصارة اجتهاده في مؤلفه الشهير “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” الذي نشره في العام 1902, ومن فرط قدرته على استشراف المستقبل فقد أهداه ل”الناشئة العربية العربية المباركة الأبية المعقود الأمة بيمن رواسيهم” صحيح ان الأمر استغرق أكثر من مائة عام ليلتقط الشباب العربي دعوته ليقودوا تفجير ثورات الربيع العربي, ولئن اختطفها اليوم بقايا اليوم بقايا الجيل القديم من الأنظمة المتساقطة, فالغد سينتصر لهم.
يقول الكواكبي إنه في بحثه عن المسألة الاجتماعية في في الشرق عموماً وفي المسلمين خصوصاً, كشان سائر الباحثين الذين ذهب كل منهم مذهباً في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء, فقد “تمحّص عندي أن أصل هذا الدواء هو الاستبداد السياسي, ودواؤه ودفعه بالشورى الدستورية”, لافتاً إلى أنه استق على هذا التشخيص بعد بحث دام ثلاثين عاماً “بحثاً أظنه كاد يشمل كل ما يخطر على البال من سبب يتوهم فيه الباحث عن النظرة الأولى أنه ظفر بأصل الداء أو بأهم أصوله, ولكن لا يلبث ان يكشف له التدقيق أنه لم يظفر بشئ, أو أن ذلك فرع لأصل, أو هو نتيجة لا وسيلة”.
ويضرب الكواكبي مثلاً إن قال البعض أصل الداء التهاون في الدين, لا يلبث أن يقف حائراً عندما يسائل نفسه لماذا تهاون الناس في الدين؟,, وإن قيل الجهل يجد الاختلاف بين العلماء بصورة أشد وأقوى, ويظل يدور في حلقة مفرغة حتى يسلم نفسه إلى القول: هذه إرادة الله, “غير مكترث بمنازعة عقله ودينه له بأن الله حكيم عادل رحيم”.
ولا يطلق الكواكبي تشخيصه لداء الاستبداد بلا تمحيص دقيق في تعريفه, وبيان أسبابه وأعراضه ومظاهره ونذره ودواؤه, وما هي طبائع الاستبداد, وما هو تأثيره على الدين, وعلى العلم, وعلى الاخلاق, لى الترقي, والتربية, على العمران, وكيف يكون التخلص من الاستبداد.
وللكواكبي تعريف لطيف للاستبداد وهو “التصرف في الشؤون المشتركة بمقتضى الهوى” لأن السياسة تعني “إدارة الشؤون المشتركة بمقتصى الحكمة”, وكيف السبيل للحكمة, وقد اختطف بعض الزعماء مصير بلدانهم وجعلوها رهناً لطموحاتهم الساعية لخلد مستحيل في ملك لا يبلى.
بيد أن من بين أهم من تشخيصات الكواكبي ما يرد به على الذين يثيرون اليوم شبهة أن ثورات التحرر هي سبب الفوضى, وأن الأمن والاستقرار معقود بنواصي الأنظمة الشمولية المتسلطة بقوله “فناء دولة الاستبداد لا يصيب المستبدين وحدهم بل يشمل الدمار الأرض والناس والديار, لأن دولة الاستبداد في مراحلها الأخيرة تضرب ضرب عشواء كثور هائج أو مثل فيل ثائر في مصنع فخار, وتحطم نفسها وأهلها وبلدها قبل ان تستلم للزوال”.
ويضيف في معنى لافت “وكأنما يستحق على الناس أن يدفعوا في النهاية ثمن سكوتهم الطويل على الظلم وقبولهم القهر الذل والاستعباد, وعدم تأمّلهم في الآية الكريمة “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة, اعلموا أن الله شديد العقاب”. تلك هي الحقيقة ان الصمت على الاستبداد والاكتفاء بالفرجة على طبائعه وفعائله هي التي تمد من أجله حتى يستفحل الداء, ويصعب علاجه بلا كلفة باهظة.
لقد سكت الناس في العالم العربي طويلاً على الاستبداد وتعايشوا مع أنظمة متسلطة يؤثرون السلامة, ويطمعون في القليل من الأمن الحاضر, ليسثتمروا استثماراً خاسراً في فقدان المستقبل لأجيال, لم يبق من دول العالم التي تعيش متصالحة مع الأنظمة الديكتاتورية إلا دولاً محدودة, فقد نهضت دول شرق آسيا وهي تطور لنفسها أنظمة سياسية ملائمة لمجتمعاتها أطلقت طاقاتها لتنافس في مواقع الريادة الاقتصادية على المستوى العالمي, وتسابقت دول أمريكا اللاتينية مع الزمن وهي تغادر محطة الأنظمة العسكرية الشمولية إلى رحاب التعددية الديمقراطية, وتخلصت شرق أوروبا من ربقة الستار الحديدي, وحتى إفريقيا تشهد العديد من دولها تزايد إندماجها في موجة التحولات الديمقراطية التي تنتظم العالم.
وحدها الدول العربية, إلا من رحم ربي وما أقلها, التي تقدم نموذجاً متفرداً للانتقال الديمقراطي نتاج وعي قيادتها, وتشهد تطوراً حثيثاً بإتجاه ترسيخ الديمقراطية, يقبع غالب العالم العربي في أتون حالة من التماهي مع واقع يائس لا يجعله إلا في ذيل المؤشرات العالمية في التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية.
عن صحيفة إيلاف
6 مارس 2015
tigani60@hotmail.com
//////////
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم