اتصل بي اخي عثمان جميل من الدوحة لكي يبلغني موت الابن عبد الله عبد المنعم عبد الله حسن عقباوي في حادث سير . واحسست بيد تقيض على قلبي وتصورت الم الشقيق عبد المنعم وحرمه وابنة خاله الاخت نجاة عثمان السكي . وتمنين لو انني بجانب عبد المنعم اواسيه واعصر معه الفراش كعادة السودانيين . هكذا كنا في امدرمان عندما يتعلق الامر بزولك وصفيك الذي تربطك به الصداقة . ما يؤلمه يولمك وما يصيبه بصيبك .
حاولت الاتصال تلفونيا بعد ان زودني الاخ عثمان جميل بتلفون عبد المنعم وابنته ريم وعندما استلم عبد المنعم التلفون من ابنته واتاني صوته الذي لم اسمعه منذ الثمانينات كنت انتحب ولم استطع ان اتوقف لفترة . كنت ابكي الشاب عبد الله رحمة الله عليه وابكي نفسي واتذكر اعظم الايام وكيف كانت صلتنا بعبد المنعم تجعلنا نحس اننا جزء من اسرة السوكي وعقباوي . وهؤلاء من اعظم الاسر الامدرمانية . عبد المنعم كان مدخلنا الى الموردة .جمعتنا المدرسة وصرنا اخوة بحق وحقيقة وان كان اقرب وجدانيا للشنقيطي العاقل . ولكن جمعتني به الملاكمة ، السباحة وصيد السمك والتواجد وسط فتوات امدرمان ودخول اماكن لا يقدر عليها الاغلبية . وبالرغم من قوة عبد المنعم واجادته الملاكمة والتي خولته للانضمام لمعسكر الفريق الاولمبي وهو في السادسة عشر . وشارك في مباريات خارج السودان ، الا انه كان مؤدبا مثل كل الاسرة، لا يرفع نظره او يتطاول على من هو اكبر منه . عنفني في احد المرات كما اوردت في كتاب حكاوي امدرمان لانني تطاولت على الاستاذ محمود فلاح لانه تعامل معنا باستخفاف . قطع امامنا الشارع بدون تحية وهومستعجل في طريقه للاذاعة ونحن في طريقنا لنادي التربية البدنية . وكان عبد المنعم يقول لي كيف تتكلم كدة مع زول اكبر منك ؟ تحدثت بعدها لفترة طويلة مع عبد المنعم وتذكرنا قدامى الملاكمين وشلة الموردة حسن النمر واشقاءه عبد السلام ابراهيم بلالايكا وبرقودي ومن عرفوا باولاد مسار . رفيقهم ولاعب الموردة الجاك الماظ او الجاك طرزان والاخ حسن اميقوا ، حسن محمود المغربي شقيق الاعلاميات ليلي المغربي وشقيقتها . ومنزلهم يواجه آل عقباوي في شارع الطاحون القديمة . شلتنا اشتهرت بأكل كميات ضخمة من السمك ، الذي نطبخه امام الطابية او الكميات من الفول او القراصة بالسمن السكر او العسل . كان في امكاننا ان نشارك في مباريات عالمية .
عندما سمعت بعض البنائين يتحدثون باحترام عن العم عبد الله حسن عقباوي كأحسن مقاول واكثرهم امانة وانه لا يغش ابدا ويعطي العمال اكثر من حقهم انتشيت لانني كنت اتواجد كثيرا في منزلهم واحس انني في منزلنا . فتلك بيوت كرم وحنان . عبد المنعم كان يتحصل على ريال من والده للفطور وكانت والدته تعطيه خمسة قروش . وحتى بمقاس طلبة الاحفاد كان هذا مبلغا كبيرا . فالجميع يتحصلوت على 3 قروش او خمسة في احسن الاحوال لان الفطور يكلف قرشين . وعادة الجميع في امدرمان كان المال مال الجميع .
لانني لااشرب الشاي او القهوة فكثيرا ما اشرب الجنزبيل بالعسل . وفي كل مرة اتذكر عبد المنعم لان اول مرة شربت الجنزبيل بالحليب كان في القهوة ، وهو الذي قدمني للجنزبيل الذي لم استسغه في البداية.
عند عودة عبد المنعم للسودان بعد جولة الملاكمة احضر لي قميصا جميلا كنت احبه ، اغرم به الاخ رحمة الذي كان يعمل في بوفيه المدرسة وتنازلت له عنه وبعد التخرج من المدرسة شاهدت القميص المميز في كوستي ورحمة داخله .
في نهاية الثمانينات دخل الشنفيطي مكتب الخطوط الجوية السودانية وكان عبد المنعم في مشادة مع موظف بخصوص الحجز للدوحة الذي كان عصيا . وعندما سأل عبد المنعم عني وعرف انني قد حضرت فرح ، وفي نفس اللحظة اخبره الموظف بأنه قد تحصل له على حجز . فقال عبد المنعم …. اديه لي زول تاني . وكان اللقاء الذي علق بذاكرتنا فلقد ضم بعض اعضاء الشلة , ولسوء الحظ لم تصل صور ذلك اللقاء لعبد المنعم . وكنت قد ارسلتها لعنوانه في الدوحة .
عظمة امدرمان انها تعطي الانسان الكثير من الاهل فكل اهل اصدقاءنا اهلنا . ولقد قال الوالد عبد الله البنا
كل من صادقنا اخونا …. وكل كبير قومه ابونا
عن بعض اساطير امدرمان اكتب لكم . عندما انتقلت شقيقتي الهام بدري الى نمرة اتنين في الخرطوم في البيت الذي اشترته من عصام احمد البشير امام مسجد النور ، كانت قد اكملت اثاث المتزل وتراقب تركيب الستائر . وفجأة شاهدت اختها قداي قرزهبر وهى تشير اليها عبر الشارع . واستغربت كيف عرفت قداي برحولها السريع . وعرفت ان قداي كانت في زيارة الاخ المحامي غازي سليمان ابن العباسية الذي انتقل لنمرة اتنين … وقال لها … اختك الهام رحلت في البيت داك .
كان غيابي لسنين عديدة بسبب وجودي في القائمة السوداء في عهد نميري والتي ساعد الشيوعيون بصياغتها خاصة عندما استلموا الامن بواسطة الاخ سمير جرجس . وبينما انا اقود السيارة سمعت من يصرخ في الطريق العام …. اخوي شوقي شوقي اخوي شوقي … وترجلت . والتفت كل الشارع وكانت قداي تهتز من الفرح ودموعها تجري وكانت تحتضنني وكانها لا تريد ان تفلتني . وكانت قد صارت أقرب الى الامتلاء . وصرت اشيح بوجهى لاخفي دموعي .
في 1964 طرقت قداي باب منزلنا لتطلب شربة ماء وكانت تبدو متعبة . وفتحت لها الهام الصغيرة الباب وطلبت منها الدخول ورحب بها اهل الدار كالعادة القديمة . ولم تخرج من البيت بعدها . كانت قد هاجرت من اديس اببا تحمل طيبة ، عذوبة ولطف الامهرا . وضعت ابنها مالك في منزلنا وكان اخا لابناء اختي . وعندما ذهب ابن اختى ابراهيم الى لندن كان ضيفا على اخيه مالك . ومالك يرسل الهدايا لشقيقتي أمال لانها بمثابة والدته وابناءها اخوته . وكان احمد محمد صالح وقيع الله شقيق ابراهيم يعتبر قداي بمثابة والدته وتعلق بها تعلقا شديدا . و يبدي نحوها دائما الود والاحترام .
انا في تشيكوسلوفاكيةكنت اتذكر قداي كثيرا في بداية ايامي . فبعد ان صححت نطقها لبعض الكلمات قالت لي . محل ما ماشي تقرا ده حتبقي ذي قداي لمن تتكلم . وصدقت النبوءة . وكنت اضحك عل نفسي ولا يزال ابني المتحزلق كاتب السيناريو فقوق نقور يصصح لغتي .
قداي رزقت بأنة جميلة اطلق عليها اسم ناهد والدها ش . د واطلقت عليها قداي اسم ترحاس . وعندما كنت اريد الانطلاق مع بعض الاصدقاء المتعجلين في المساء تذكرت بعض الاغراض التي اودعتها لاختى نضيفة كالعادة خوفا عليها في منزل لا يحصى عدد ساكنيه والمترددين عليه .نضيفة طيب الله ثراها لا يعلى على كلمتها في المنزل . فقالت لى خلى الرجال ديل يلزموا الواطة . انا ما قايمة كان ما كملت تسريح ناهد ولبستها لانها ماشة حفلة . وكانت ناهد في العاشرة . على قدر كبير من الجمال ،الادب والرقة شعرها
مثل شعروالدتها ، طويل ومسترسل . بعد التخرج من الاحفاد عملت ناهد في المعاشات . وكان البعض يحضرون لوالدتي او شقيقاتي ويطلبون منهن التوسط لناهد لمساعدتهم . وكأمدرمانية اصيله كانت تساعد الجميع . ناهد تزوجت واغتربت . ولكنها ستكون دائما اختنا الصغيرة .مالك عاد وقام ببناء منزل لوالدته من طابقين وكما تقول قداي فرحة ….بالسيراميك . واحضر مالك اخوته من اثيوبيا . مالك امدرماني اصيل اتي للدنيا في السردارية امدرمان .
في 1963 اصطدم اعمي برجل بعد العشاء امام دكان اليمني على بن على . وامسك الرجل بكتفي الاعمي وبدأ في هزه وهو يسأل …. انت عميان … عميان انتا ؟ , وكانت مجموعتنا المكون من مجموعة من الطلاب الذين يسكنون معنا والاصدقاء الزائرين . وهب الجميع بغضب واندفاع ، لدرجة اخافت الرجل الذي كان عابرا . وكنا نقول له ايوا عميان ، انت مجنون ؟ كان العميان احد سكان منزلنا لاكثر من عقد من الزمان انه حسين باشا من راجا في غرب بحر الغزال ، وهو من الفرتيت .
حسين عمل كخادم عند اسرة ولكن نظره كان ضعيفا وانتهى بالعمى وقد يكون السبب عمى الانهار او الالتهابات التي تؤدي الى انقلاب رموش العين وخراب العدسات جراء الخدش المتواصل الخ . وكانت والدتي في زيارة الاسرة التي لم تكن مرحبة بوجوده بعد فقدانه لنعمة البصر . واتت به والدتي لمنزلنا وتأقلم بسرعة . وصار يعرف مكان كل قطعة اثاث في المنزل . ويقول … الكرسي ده محلوا البرندة الجابو شنو . الطربيزة دي محلها الصالون . وكان يحب اللبس الجميل ويصرف جل مرتبه في الملابس واحذيته . وكان بنسى الشاي ويطالب نضيفة امبراطورة المنزل بتسخينه عدة مرات . وفي بعض الاحيان تداعبه بسكب قليل من الشاي على يدة الممسكة بالكوب الكبير . ويضحك ويقول لها ده كله بتلقي قدام الله بجازيك.
كانت والدتي مهتمة بالاواني والكبابي وطقوم الشاي الخ . احد التجار كان يعطيها تنزيلات في الاسعار لانها زبونة جيدة اخيرا رفض اعطاء نخفيضات لانها تاجرة مثله . وهي بالرغم من المرسيدس والسواق دلالية والا لما اشترت تلك الكمية الضخمة من الكبابي والصحون . فقالت له …. انا بيتي مليان ناس ، وعندي خدام اعمي مرات بدقش العدة ويكسرها كلها . فضحك الرجل وقال ده كضب نوع براه ، في زول بيشغل خدام اعمي .
من احد طلبات حسين باشا كانت جزمة جميلة تقول ظر ظر . شرحت الامر لبائع احذية في السويد ، فضحك وقال لى ان الجزم الفاخرة لا تصدر صوتا ولكن في امكاني شراء حذاء فاخر ووضعه في الشمس لفترة طويلة ، وقد يحدث صوتا . حسين وجد طريقه الى الاذاعة السودانية في الفرقة الشعبية . وكان يمثل الفرتيت ، ويذهب الى الاذاعة من منزلنا ببساطة . ولكن في يوم من الايام دهسته عربة كاروا يجرها حصان جامح . وهب كل المنزل الى المستشفى . وكان النساء من بيتنا يبكين لحاله. وتألمن عندما قالت سيدة حقيرة … تبكن في شنو ما عبد وخدام . ونحن قد سجلنا غيابا دائما في مدرسة العنصرية والشوفينية . وتعافي حسين وواصل حياته كامدرماني سعيد .
وانا اكتب هذا الكلام اتاني خبر موت امدرماني جميل هو اسامة عثمان صالح سوار الدهب طيب الله ثراه . كان يكبرني قليلا كان شابا مميزا . منزل العم عثمان صالح سوار الذهب يبدو فاخرا بالطرطشة السوداء ، وباب الدار يفتح شمالا ويقابل بوابة مستشفي الدايات الجنوبية . ويتواجد دائما قدر من النساء وهن جلوس في انتظار مواعيد الزيارة او لايصال تحية ،غرض مع احد الداخلين . وباب آل سوار الدهب يستقبل من تريد الشرب او الذهاب الى الحمام ، الوضوء الخ . ولا يتضايق اهل الدار .وكان البعض يستغرب لتحملهم ، الذي استمر لدهور .
بما انه كان يفصلنا الشارع من مستشفى التجاني الماحي فكثير ما كان اهل منزلنا يستقبلون النزلاء واهلهم . نصر الدين جكسا صار اسم احد نزلاء المستشفي . والدتي كانت تقول منذ ان كنا اطفالا افتحوا الباب اخير يجي حرامي يسرق من زول يلقى الباب مقفول . جكسا دخل المنزل ورقد على سرير في غرف الضيوف الخارجية وقال انه في انتظار نصر الدين جكسا . وواصل تواجده بعد ان اعطوه جلابية نظيفة . وبعد ايام افتى مولانا قاضي جنايات امدرمان محمد صالح عبد اللطيف زوج اختى والذي يسكن في الحوش الآخر غرب حوش الدكتور على بدري، انه يجب تبليغ المستشفي كاجراء قانوني لان المستشفي واهله من المؤكد يبحثون عنه . وعندما حضر عتاولة المستشفى لاخذه رفض الذهاب لانه في انتظار نصر الدين جكسا . وعندما اخذوه بالقوة كانت والدتي تبكي وتطالب بتركه .
في احد الايام دعوت على ود بري للفطور وهو من اشداء وركيب في قعهوة مكي في سوق الموية . تعرض لعلقة جامدة من الملاكم ابن ميدان الربيع العباسية خالد ود ابونا شقيق سيد . وفي الفطور لاحظت تحديق على بمحمد صال عبد اللطيف زوج شقيقتي . وبعد السؤال قال …. اخوك ده ما القاضي الاداني 6 شهور . هذه امدرمان . عندما قتل على عليليبة جزار الكيري الدابي امامي في زقاق منزلنا . كان القاضي الذي حكم عليه جاره محمد صالح وعلى عليليبة كان يحضر لنا يوميا اللحم .
ايام المجاعة تكفل الكثير من الناس باطفال آخرين . كلتوم كانت في العاشرة . صدمت عندما شاهدت التلفزيون في منزل عمي وصديقي محمد بدري . وبدأت في التأقلم ولكن اهلها اخذوها خوفا من ان ترفض العيش معهم فيما بعد .
اليوم قالت لي شقيقتي دكتورة لمياء انها تحدثت مع امونة النازحة . وهذه آمنة التي التحقت باسرتنا في ايام المجاعة وهى في العاشرة , بعد سنتين قالت انها طلبت من امي ايجاد عمل لها . فأمسكت والدي بخدها بين اصابعها وقالت لها اصبري ورمي عضمك . عملت فيما بعد مع لمياء لسنين عديدة وهى اليوم ربة منزل . ولكن يداعبونها باسم امونة النازحة .
روى لي الاخ الدكتور محمد محجوب عثمان شقيق عبد الخالق ان صبيا طرق باب البيت الذي كان مواربا في الخمسينات . وعرفوا منه انه اتى مع والدته من كردفان وكانت مريضة . وتوفيت بعد مدة . وكان بقية المرضي واهلهم يشاركونه طعامهم . وبعد دفن والدته ، يريد الرجوع لبلدته . فاعتنوا به وارسلوه لبلدته . وصار سائق لوري وكان يحضر لزيارتهم ومعه بعض خيرات كردفان الغرة الخيرا جوا وبرا .
عندماعانت جدتي من السرطان . كنت احمل جردلا من الثلج وكميات ضخمة من الطعام يوميل للمستشفي وكان الجميع يأكلون سويا . في مداخلة احد ابناء امدرمان . ان والدته شاهدت والدتي في طريقها للمستشفى وهي تحمل خبزا و،، عمود ،، ملئ بالأكل . وبالسؤآل اذا كان لها مريض في المستشقى عرفت ان والدتى كانت تأخذ الطعام لتشارك به مع الآخرين . وقالت …. ما ياها الاسبتالية، ما طوالى فيها عيانين .
وانا في الثالثة عشر شاهدت شابا في الصيف وهو جالس في السردارية امام منزل الخالة قمر الجيل والدماء تسيل من انفه فنظرت اليه وانطلقت راكضا . ورجعت بزجاجة من الماء المثلج وسكبت الماء على رأسه فتوقف النزيف او النزف . فتناول بقية الماء وشربه . فطلبت منه الاستجمام قليلا في البرندة . وبعد ان استعد للذهاب في طريقه للموردة قال لي ان حسب انني ركضت بسبب منظر الدم . وكانوا يقولون له في البلد ان ناس امدرمان خوافين وما منهم خير !!!
في فرنسا لندن السويد وبعض الدول الاوربية كانت والدي طيب الله ثراها تقول لى عندما تشاهد بعض النساء العجائز الذين يجلسن خلف النافذة طيلة اليوم ويبحلقون في المارة …. ما يدوني ليهم اسوقهم معاى امدرمان نونسهم وناكل ونشرب سوا . زوجة شقيقي العميد كانت عندها برامج لتطوير حياة المرأة السودانية قبل ذهابها الى السودان مع ابنها الاول ، وبعد سنة رأيتها في السودان تخسم … عليكي الله ولازم الخ . وعندما سألتها عن خططها القديمة قالت حياة السودانيات رائعة وغنية مليئة بالاجتماعيات. وفي رحلتي الثانية كانت قد تحجبت ولا تصافح . وهي في حالة اندماج .
بسبب لماضة خواجة في لندن كنا نستاجر منه منزلا في حى ميفير الفاخر في وستمنستر، وقمنا بشراء منزل بالقرب من المنزل الذي كنا نستأجره . كانت هنالك متشردة تجلس امام فندق جسترفيلد في شارع منزلنا جسترفيلد . تكفلت اختى نضيفة باطعامها يوميا . وبعد ايام صارت تعرف بعض الكلمات السودانية منها تاني . فبعد الكوب الاول من الشكلاتة بالحليب تسألها نضيفة تاني . وصارت الخواجية قبل اكمال الكوب الاول تقول تاني تاني.
على طلب ادارة الفندق في الحي الفاخر كانوا يأخذون المرأة بعيدا وكانت اختي تأخذ التيرمس والاكل وتبحث عنها الى هايدبارك ويكون ردها ايوه ايوه . نحن نحمل امدرمان معنا دائما .
النساء اللائي يحضرن كمرافقات للمرض او المريضة كن يعانين من ظروف سيئة في مستشفى التجاني الماحي . وكثيرا ما كن يأتين لمنزلنا للراحة الاستحمام وغسيل الثياب الاكل وشراب الجبنة . بعضهن كن من اسر مقتدرة ولكن وقتها لم تكن هنالك اماكن تبيع الاكل . احد السيدات وهى من حلفا صارت صديقة لوالدتي وكانت تصر على بناء فرن للرغيف كما في حلفا وستبنيه بيدها كمساعدة لوالدتي . وكانت والدتى تقول لها … انت خليك في مشكله بتك ربنا يكتب ليها الصحة بعد داك نفكر في الفرن . يقولون ان صداقة المستشفيات لاتدوم لأن الانسان لا يريد ان يتذكر تلك الايام . ولكن بعض زوارنا عادوا للتحية والونسة .
الاخ ،، ف ،، من زملاء براغ كان ممتازا في دروسه تعرض لضرب من الشيك بدون اى سبب وهو سائر في الطريق . وسائت حالته النفسية وانتهى به الامر في المستشي الا انه كان يسكن معنا . كانت نضيفة تعتني به وتصنع له الشكلاتة بالحليب . وعندما لا يسمح له بالخروج كان يصرخ من داخل المستشفي … يا نضيفة شكلاتة شوكلاتة . وكان كل الشارع يسمع ، او يطلب من احد المارة طرق الباب وطلب الشكلاتة . في احد الايام بعد جلسة صفاء مع والدتى طلب منها تزويجه بحنان ابنة بنتها فقالت له والدتي يا ولدي حنان دي عندها ابوها . فقال لها … اذا زوجيني بنتك لمياء . فاعتتذرت له بصغر سنها ورغبتها في الدراسة . لقد كان ذلك زمنا جميلا . مقارنة باليوم تبدو هذه الامور كالاساطير . والجميع كانوا يقدمون ويتحملون اهلهم من الاقاليم . بعض الاسر كانت تجعلنا نحس باننا مقصرون
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم