لقد شهدت الأعوام الأخيرة تشييد شبكة طرق شملت في منظومتها العديد من الكباري والجسور التي تعبر الأنهار مما سهل على المواطنين عمليات العبور عن طريق المعديات و(البناطين) والعبارات مع ممتلكاتهم، وساعدت على تسهيل عملية عبور المواشي وحركة البضائع وتنقلها بين القري والمدن والأرياف التي تقع على جانبي الأنهار والأودية. وقبل ظهور تلك الشبكة من الجسور والكباري كانت المناطق التي تعمل فيها المعديات واحيانا المراكب تشهد الكثير من المآسي لا سيما في مواسم هطول الامطار واشتداد الرياح، وقد فقدت كثير من الأرواح البشرية في تلك الحوادث التي كانت تغطي مساحة واسعة من خارطة البلاد وبخاصة في المناطق التي يعبر فيها النيل والأنهار المناطق السكنية حيث كانت القبائل ولا تزال تسكن بين ضفتي تلك الأنهار ولا وسيلة للتواصل والانتقال سوى تلك المراكب غير المأمونة والتي تنعدم فيها نواحي السلامة، وكانت تلك الحوادث تتكرر دون الاعتبار من دروس الماضي والحوادث التي سبقتها لأن الناس مغلوبة على امرها. ولم تخلو أي من تلك المناطق من حوادث غرق المراكب الذي كان امرا عاديا وبخاصة في المناسبات حيث كان لابد للأهل من التواصل عبر تلك النقاط.
ولكن بفضل الله ثم تلك المنظومة الواسعة من الجسور والكباري التي انتشرت من العاصمة الخرطوم شمالا نوجنويا وشرقا فقد انحسرت موجة حوادث ومآسي الغرق (الجماعي) واختفت البناطين وحلت محلها الجسور التي اضفت لمسة فنية وجمالية (سياحية) على تلك المناطق فضلا عن الجوانب الاقتصادية الهامة التي حققتها. ولم تسلم الخرطوم نفسها من تلك الحوادث حيث لم تكن ببعيدة عنها فقد تأثرت جزيرة توتي (في قلب الخرطوم) بأضرار جسيمة في الأرواح في عهد (اللاجسور)، وقد ابتلع النيل عدد غير قليل من أبناء وسكان وزائري الجزيرة قبل ان يمتد الجسر الحالي باسطا يد السلامة التي أمنت الارواح ودفعت عنهم ذلك الضرر.
في خريف هذا العام والأمطار والسيول الغزيرة التي تعرضت لها ولايات السودان، بما فيها ولاية الخرطوم، سقطت وانهارت أو تضررت الآلاف من البيوت، وبالطبع فان تلك البيوت التي جرفتها السيول مشيدة من مواد غير قابلة للصمود امام تلك الامطار وهي كما نسميها مبنية من الطين (الجالوص)، حيث يسميها البعض بيوت (البسكويت) التي تكون آيلة للسقوط اثرهطول الامطار الغزيرة. وقد طافت كاميرات القنوات الفضائية وعكست حالة تلك البيوت التي تضررت وهي اصلا لا تقوى على الصمود او تحمل هطول تلك الامطار الغزيرة. اذن الحل يكمن في العمل على تحسين مواد البناء وتغيير النمط السائد من (طين) الى مواد ثابتة مقاومة يمكنها تحمل الظروف المناخية الصعبة. ويجب ان يكون البديل ذا جدوى اقتصادية وبتكلفة يمكن ان تكون في متناول العديد من أؤلئك السكان. وهنا نوجه السؤال والأمر الى ذوي الاختصاص من مهندسين ومخترعين في هذا المجال لعمل دراسات (معهد ابحاث البناء، جامعة الخرطوم) تهدف الى اكتشاف واستكشاف مواد بناء (صامدة) قليلة التكلفة (شعبية) تكون بديلا لتشييد بيوت تصمد في وجه تلك الظروف المناخية القاسية، ودون شك فاني اؤكد ان هناك العديد من الدراسات التي اجريت في هذا المجال ولكن المشكلة هي ان دراساتنا (تطبق) في ملفات و (دوسيهات) لا ترى النور مطلقا بعد تقديمها والاستفادة منها أكاديميا وتظل قابعة في تلك الأضابير والأرفف دون ادنى فكرة لتطبيقها وتنفيذها على ارض الواقع.
وقد كنت شاهدا على تجربة فريدة في مجال تيسير وتسهيل عملية تشييد منازل (شعبية) يمكنها الصمود في وجه تلك الظروف المناخية الصعبة عندما كنت أعمل في صحيفة الصحافة ، حوالى عام 1978 عندما وجهت لي الدعوة (وزميلتي الصحفية من صيحفة الأيام الأستاذه فادية عمر) من وزارة الاسكان للوقوف على تجربة الوزارة الرائدة (التي اشرف عليها الدكتور عوض{لا أذكر كامل الاسم} من نفس الوزارة) لتشييد مساكن شعبية من مواد اقتصادية (رخيصة)، حيث تم تشييد حوالى 1500 بيت شعبي من ما يعرف بالطوب (الأسفادوبي) والكلمة ذات مقطعين مشتقة من (أسفا) وهي تعني مادة الأسفلت و (دوبي) وتعني الطين. وكانت التجربة برعاية وزارة الاسكان. ويتم تصنيع ذلك الطوب (العجيب) من الطين العادي مخلوطا بالزيت الراجع (وليس هناك ما هو ارخص من هاتين المادتين)، ومن خواص الطوب هذا قوة تحمله وصلابته، وقوته وصموده، فضلا عن خاصية كونه طارد للماء نظرا لما يحتويه من مادة الاسفلت، وبالتالي فان هطول الأمطار المتواصل الذي يذيب الطوب الطيني (البسكويتي) العادي لا يؤثر علىه. وقد وجدت هذه الفكرة حظا كبيرا من القبول والاستحسان وقد عكسنا التجربة على صفحات الجرائد آنذاك وتناولتها في استطلاعات متعددة من جميع جوانبها بشكل أشادت به الوزارة وعلى رأسها الوزير نفسه .ولكن للأسف لا ندري لماذا لم تعمم الفكرة في مدن أخرى وفي مناطق أخرى هي في امس الحاجة اليها.
عليه، يجب علينا ان نعمل على وقف ذلك (النزف) السنوي وتلك المآسي والكوارث التي تصاحب موسم الأمطار سنويا وتنتهي مأساة بيوت الطين كما انتهت وبحمد الله مآسي المراكب والغرق في الأنهار والنيل. وفي مؤسساتنا التعليمية (مراكز البحوث) والجامعات و الدوائر المختصة العديد من الحلول (الناجعة) لحل العديد من مشاكلنا (المزمنة) وبالأحرى نعمل على (تفعيل) وتطبيق تلك المشاريع (على أرض الواقع)، التي يقدمها طلابنا أو المختصون والمخترعون من أبناء الوطن الحادبين على المصلحة العامة. والله اعلم وبالله التوفيق.
aliahmayd@yahoo.com
/////////
شاهد أيضاً
السودان بين حروب الموارد وأقنعة الهوية -قراءة لكتاب
زهير عثمانzuhair.osman@aol.comقراءة في كتاب د. محمد سليمان محمد على ضوء الحرب الجاريةفي خضمّ الحرب المدمّرة …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم