انطباعات عن ملخص كتيب «السلطة وتنازع الولاء في السودان»

السلطة وتنازع الولاء في السودان
amjadnl@yahoo.com

انطباعات عن ملخص كتيب «السلطة وتنازع الولاء في السودان» للدكتور جعفر محمد علي بخيت تقديم و تحليل بروفيسور أحمد إبراهيم أبو شوك

بقلم: د. أمجد إبراهيم سلمان

تعرفتُ على اسم الدكتور جعفر محمد علي بخيت مبكراً ، لا عبر كتابٍ فقط ، بل عبر حواراتٍ ثرّة كانت تُدار في ملتقى الدكتور طارق الهد الثقافي الشهري و عنوانه (حديث الخميس) ؛ ذلك الملتقى الذي كان محفلاً فكرياً رفيعاً تلتقي فيه قامات سودانية معرفية رفيعة مثل بروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك ، سعادة السفير إبراهيم السوري ، سعادة السفير أسامة نقد الله ، د. محمد عبد العليم ، د. حمد عبدالهادي، الأستاذ محمد الأمين كاكوم ، الدكتور أبو الحسن مصطفى ، د. عبد الله الفكي د. أبوبكر إمام و الأستاذ هاشم ميرغني و الباشمهندس أبوعاقلة سليمان و وغيرهم من المهنيين و روّاد الفِكر الرصين والثقافة في قطر.

في هذا المنتدى كانت هناك مساجلات عذبة عن شعر التيجاني يوسف بشير ، وعن تجربة الدكتور جعفر علي بخيت في الحكم المحلي ، وعن تحولات الدولة السودانية ، وعن قامات ثقافية وسياسية سودانية متفردة ، كما كان الراهن السياسي حاضراً بقوة في تلك الأمسيات. غير أن جائحة كورونا ألقت بكلكلها على ذلك الملتقى، فأضعفته وأضعفت – بقدرة قادر – فرص عودته حتى بعد انجلائها ، وبقي أثره في الذاكرة، كما بقيت الأسئلة التي كان يثيرها معلّقة في فضاء التفكير اللا محدود.

في هذا السياق اكتب انطباعاتي عن كتاب «السلطة وتنازع الولاء في السودان»، الذي يضم ست مقالات نشرها الدكتور جعفر علي بخيت في مجلة الخرطوم بين ديسمبر 1968 ويونيو 1969، وقد أعيد نشرها ضمن سلسلة الدراسات التاريخية والحضارية (العدد 54)، بتقديم وتحليل للبروفيسور أحمد إبراهيم أبوشوك في العام 2008 .

في واقع الأمر أرسل لي البروف الكتيب الرقمي الساعة الواحدة من صباح اليوم الأحد الأول من مارس 2026 فقرأته في نَفَسٍ واحدٍ لترابط أجزاؤه و لشغفي لقراءة عمق هذا المفكر الإداري الجهبذ ، و الذي أعتقد أنه وضع يده على موضع الداء في الإدارة العامة لشؤون السودان.. و تكمن أهمية هذه المقالات أن خمسة منها كتبت قبل إنقلاب مايو 1969 و السادس و الأخير كُتب في يونيو من العام 1969 أي بعد انقلاب أو ثورة مايو بشهر ما يعني أن المقالات كتبت في فترة كان الدكتور جعفر علي بخيت بعيداً عن السلطة التنفيذية للجنرال نميري و التي انضم اليها لاحقا. و من نافلة القول أن الكتيب تم إعادة نشره من قبل دار آيثيريا – مشكورة- كنسخة إلكترونية مجانية يوم 22 فبراير 2026 كي يكون متاحاً للجميع خاصة السياسيين ، بينما تتقلب سفينة الوطن في بحر متلاطم الأمواج من عدم الاستقرار السياسي و الإجتماعي يوشك أن يزيل السودان ككيان سياسي من الوجود.

هذا الكتاب ليس تأريخاً سياسياً بالمعنى التقليدي، بل هو محاولة تفسير عميق لأزمة الدولة السودانية بعد الاستقلال، عبر سؤال مركزي: لماذا عجزت السلطة الوطنية عن إنتاج ولاء جامع يحل محل الولاءات القطاعية الضيقة؟

الفكرة المحورية: السلطة كشمس والولاءات ككواكب ينطلق جعفر بخيت من استعارة ذكية: يشبّه السلطة المركزية بالشمس، ويشبّه القوى القطاعية – الطائفية، القبلية، الإقليمية، النخبوية – بالكواكب التي تدور حولها.
في عهد الاستعمار، كانت هناك سلطة مركزية قوية، ذات جاذبية عالية، تمارس دور “نقطة الارتكاز” التي تضبط المدارات المختلفة، وتخلق توازناً بين القوى المتباينة، حتى وإن كانت سلطة أجنبية.

أما بعد الاستقلال، فقد انهارت شمس المركز دون أن تولد شمس بديلة بالقوة ذاتها، فتحررت “الكواكب” من مدارها، وبدأت كل قوة قطاعية تدور حول ذاتها، بل وتحاول أن تجعل من نفسها مركزاً جاذباً، فوقع التنازع، واضطرب المدار، واختلّ التوازن.

بهذا التحليل، يرفض بخيت التفسير السطحي الذي يعزو الفوضى إلى “عدم أهلية” الشعوب، كما يرفض التبرير الاستعماري الذي يرى أن الحكم فن لا يتقنه إلا المستعمر. إن المشكلة – في نظره – ليست في الاستقلال ذاته، بل في العجز عن ملء الفراغ القيمي والمؤسسي الذي خلّفه انهيار السلطة المركزية السابقة.

المقال الأول: الاستقلال بوصفه هدمًا بلا بناء مكتمل
في المقال الأول، يعيد بخيت تعريف الاستقلال. فهو لا يعني فقط انتقال السيادة من أيدٍ أجنبية إلى أيدٍ وطنية، بل يعني أيضاً انهيار منظومة قيم كانت تنظّم الحياة العامة.

لكن السياسة – كما يقول – ليست هدمًا فقط، بل بناء. وإذا لم تُستبدل القيم القديمة بقيم عامة جامعة، فإن المجال السياسي يتحول إلى ساحة ولاءات متوازية لا يربط بينها رابط.
وهنا تظهر أزمة السودان: تعدد ولاءات (قبيلة، طائفة، إقليم، حزب، أيديولوجيا) دون ولاء مركزي طاغٍ ينسق بينها.

إن السلطة الوطنية بعد 1956 لم تستطع أن تخلق “قيمة عامة” تحل محل القيم الاستعمارية المنظمة للحياة الإدارية والسياسية، فصار كل قطاع يتمترس خلف ذاته، ويدور حول مركزه الخاص، لا حول الدولة.

المقال الثاني: فراغ المركز وصعود القوى القطاعية
يحلل بخيت في مقاله الثاني أثر الاستقلال المباشر في اختلال ميزان القوى.

السلطة الاستعمارية – رغم طابعها الأجنبي – كانت تمثل مركز ثقل يجمع حوله الصفوة، ويربط المصالح المتفرقة بمصالح الدولة.

لكن الحركة الوطنية لم تكن – في نظره – إسفنجية بما يكفي لامتصاص كل التنوع السوداني. لم تمتلك أيديولوجيا جامعة، ولا زعيماً كارزمياً يوحد المختلفين، ولا برنامجاً مؤسسياً عميقاً يعيد تشكيل الدولة.

فحدث الآتي:
انهارت السلطة القديمة.
صعدت قوة قطاعية لتحل محلها.
شعرت بقية القوى بالإقصاء.
دخل الجميع في سباق نحو مركز السلطة. ومن هنا أصبح “مركز الدولة” ذاته موضع تنازع، لا موضع إجماع.

المقال الثالث: بين الخيار العسكري والمصالحة الديمقراطية يصل بخيت إلى مفترق طرق حاسم: كيف يُخلق الولاء العام؟

يرى أن أمام السودان طريقين:
القهر الرادع: سلطة قوية طاغية تفرض الولاء بالقوة.

لكنه يستبعد هذا الخيار عملياً، لأن المجتمع السوداني – بطبيعته وتكوينه – لا يحتمل سلطة مستدامة بهذا الطابع، كما أثبتت التجربة العسكرية الأولى (1958–1964).

المصالحة السياسية الشاملة:
أي خلق حد أدنى من التوافق، بحيث تغنم الأطراف المتنازعة جميعاً من النظام الجديد، ويصبح الولاء المزدوج ممكناً:
ولاء قطاعي للقبيلة أو الطائفة أو الحزب.
وولاء عام للدولة والمصالح المشتركة.
لكن هذا يتطلب – كما يؤكد – وجود قوة منظمة عازمة في مركز الدولة، تضمن انسجام الولاءين، وتمنع تغوّل أحدهما على الآخر.

المقال الرابع: أزمة الرؤية الاستراتيجية ينتقل بخيت إلى نقد أعمق: غياب الرؤية الاستراتيجية.

فالدولة – في نظره – لم تحدد بوضوح:
ما هو مشروعها الوطني؟
ما هي غاياتها الكبرى؟
كيف تُوزع السلطة والثروة؟
ومن دون مشروع جامع، يتحول التنافس إلى صراع صفري، وتصبح السياسة إدارة أزمات لا بناء دولة.)

المقال الخامس: تدهور الخدمة المدنية
من أخطر ما أشار إليه بخيت مبكراً – وكأنه يقرأ ما سيأتي بعد عقود – تسييس الخدمة المدنية.

فالخدمة المدنية في العهد الاستعماري كانت – رغم كل التحفظات – تمثل جهازاً مهنياً منضبطاً. أما بعد الاستقلال، فقد أصبحت عرضة للتجاذب الحزبي والولاءات الضيقة، ففقدت حيادها، وضعفت قدرتها على أن تكون أداة تنفيذ مستقلة للرؤية العامة. وبذلك تآكل أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة.

المقال السادس: التغيير والتحديث – الحكم الشعبي واللامركزية

لا يكتفي بخيت بالتشخيص، بل يقدم ملامح مشروع إصلاحي يقوم على:
لامركزية تنموية حقيقية.
توسيع قاعدة المشاركة الشعبية.
نقل بعض السلطات إلى مستويات محلية.

إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم. وهو هنا لا يدعو إلى تفكيك الدولة، بل إلى إعادة توزيع السلطة داخلها بما يعزز الولاء العام، لا يقوضه.
قيمة الكتاب اليوم.

عندما نقرأ هذه المقالات – المكتوبة قبل أكثر من نصف قرن – ندرك مدى استشرافها.

لقد تحدث بخيت عن:
ضعف المركز.
صعود الولاءات الصغرى.
اختلال التوازن بين السلطة والمجتمع.
غياب الرؤية الجامعة.
وهي ذات الأسئلة التي ما زالت تعصف بالسودان حتى اليوم.

هذا الكتاب ليس مجرد تحليل تاريخي، بل مرآة عاكسة لأزمة بنيوية ممتدة. وهو يضعنا أمام حقيقة مؤلمة: أن معركة الدولة ليست فقط معركة سلطة، بل معركة ولاء.

فالولاء العام لا يُخلق بالشعارات، ولا بالانقلابات، ولا بالتحالفات المؤقتة، بل يُبنى عبر مشروع وطني جامع، عادل، يوازن بين الخصوصيات والكلّيات.

خاتمة من قبل برفييسور
«السلطة وتنازع الولاء في السودان» كتاب صغير في حجمه، عميق في أثره، جريء في أسئلته.

قرأ جعفر محمد علي بخيت الدولة السودانية من داخلها: أكاديمياً، وإدارياً، ووزيراً، ومفكراً. ولم يكن ناقداً من الخارج، بل مصلحاً يحاول أن ينبه إلى موضع الخلل قبل أن يستفحل.

من الإضافات الثرة في هذا الكتاب المقاربة الحاذقة التي قدمها بروفيسور أحمد أبوشوك بين رؤى جعفر علي بخيت و رؤية محاضير محمد و التي وثقها لأبناء بلاده في عدة مجلدات ، و قد استعرض بروفيسور أبوشوك الإشكالات البنيوية للدولة الماليزية التي ذكرها د. محاضير محمد و الأهداف الكبرى التي أفلح أن يجمع حولها كل مكونات الشعب الماليزي ما خلق لكل تلك المكونات مصلحة مباشرة في فلسفة الرؤية الاستراتيجية للتغيير والتي أدت إلى التحول الكبير الذي شهدته ماليزيا ، مما جعل تجربتها تجربة يحتذى بها عالميا و تتسابق عدة دول للتعلم منها و تطبيقها محلياً.

وإذا كانت أمسيات ملتقى د. طارق الهد قد توقفت، فإن مثل هذه الكتب تظل ملتقىً فكرياً مفتوحاً ، نستأنف عبره الحوار، ونستعيد الأسئلة ، ونفتش عن مدار جديد لشمسٍ لم تكتمل بعد في سماء السودان. و في هذا المقام لا يسعنا إلا شكر حرمه الفاضلة السيدة سارة العربي و مساعدتها الودودة السيدة الأريترية أببا اللائي جعلن ختام كل ملتقى شهري وليمة تحفل بكل تشتهيه الأنفس من مأكل و مشرب و صدق من قال إن خلف كل رجل عظيم إمرأة. فلله درك حبيبنا الدكتور الأريب و المترجم الضليع طارق الهد .

د. أمجد إبراهيم سلمان
الأول من مارس 2026

amjadnl@yahoo.com

عن د. أمجد إبراهيم سلمان

د. أمجد إبراهيم سلمان

شاهد أيضاً

ليلة سحور المهندسين السودانيين في قطر .. يا سر الليالي

بسم الله الرحمّن الرحيم بقلم د. أمجد إبراهيم سلمان السحور السنوي للمهندسين مناسبة إجتماعية اكتسبت …