انقلاب العطا… تهديدُ النَخْبِ الأخير

نزار عثمان السمندل
بارتخاء رجل يجلس في سهرة تُداري فوضى الليل، لا بصرامة قائم على جيشٍ تتساقط أطرافه، أطلق ياسر العطا جملته كمن يرمي «نكتة» ثقيلة على المائدة: سينقلب على أي حكومة مدنية تأتي عبر صناديق الاقتراع، حتى لو خرج من الخدمة.
هذه الجملة العابثة كان يفترض أن تقيم الدنيا، لكنها مرّت كأنها مجرّد ضوضاء إضافية في بلد يعتاد الكارثة قبل أن يفهمها. عمّقت الكلمات، بلا قصد، حجم الاستخفاف الذي ينهش الحياة السياسية في السودان، وكشفت عن عقل يرى السلطة مزاجاً ليلياً، والبلاد صفحة تُمحى بجرة لسان.
لم تكن نبرته نبرة مسؤول يعرف وزن الكلمة، بل نبرة رجل يرى السلطة مزاجاً يُرتّب في الليل، ويرى البلاد صفحة تُمحى بجرة لسان.
في دولة تحترم قوانينها، كان هذا الكلام وحده كافياً لإيقاف المتحدث فوراً، وتجريده من رتبته، ووضعه أمام قضاء ينظر إلى سيادة الشعب بوصفها خطاً أحمر. أما في السودان، فتتحول كلمات كهذه إلى خبر يومي آخر في سيل الفوضى، إلى جملة تُقرأ ثم تُطوى، كأن الانقلاب خيار سياسي يُقدَّم للناس كما تُقدَّم الوعود بتحسين الكهرباء والمياه.
القوانين السودانية واضحة كحدّ السكين، لكن من يبالي؟ أي تهديد بتغيير السلطة بالقوة هو جريمة كبرى، يكفي الإعلان عنها لاستكمال الركن المادي. ومع ذلك، يقف المشهد العام كأنه في حضرة مزحة ثقيلة. يتحدث العطا عن الانقلاب كما يتحدث عن يوم عادي في مكتبه، بلا خشية من محاسبة، ولا احترام لدماء شعبٍ اكتوى لعقود من حكم العسكر. كأن البلاد وديعة في جيبه، أو كأن المستقبل صفحة فارغة ينتظر أن يكتبها وحده.
هذا المستوى من الاستهتار ليس جديداً. منذ 1956، ظل السودان رهينة ضباط ينظرون إلى الدولة كغنيمة، وإلى الديمقراطية كحلم مستحيل أو خطر يجب تطويقه. خمس انقلابات أطاحت بها المؤسسة العسكرية بحكومات مدنية، كان آخرها انقلاب 2021 الذي مزّق ما تبقى من الخريطة السياسية ودفع البلاد إلى حافة الانهيار. ومع كل انقلاب، كان السودان تخسر جزءاً من مستقبله وثقته بنفسه.
اليوم، لا يخفي العطا شيئاً. يعلن أن الجيش ليس جيشاً لكل السودانيين، بل كياناً مشتبكاً مع السياسة حتى العظم. هذه ليست رسالة، إنها إنذار مفتوح. خطاب كهذا لا يستهدف المدنيين فحسب، هو يستهدف فكرة الدولة الحديثة أيضاً: دولة تقوم على حق الشعب في اختيار من يحكمه، لا على نزوة ضابط يرفع صوته في ليلة غضب.
حين يتوعد قائد عسكري سلطةً مدنية قد تأتي بإرادة الناس، فهو ينزع عن الجيش بيده صفة المؤسسة القومية، ويعيد تعريفه كطرف سياسي لا كحَكَم، كسلاح لا كحماية. الجيش الذي يُفترض أن يحمي الوطن تحوّل، عبر خطاب بعض قادته، إلى حزب مسلح، يوزّع الاتهامات، ويقسم المواطنين إلى موالين وخونة.
التهديد الذي أطلقه العطا ليس مجرد تصريح؛ هو مشهد يعكس حجم التشوه في فهم السلطة. مشهد يقول إن الحرب الدائرة لم تُشعلها الأسلحة وحدها، بل أشعلها عقل استبدادي يرى في الثورة خطراً، وفي المدنية خصماً، وفي خيارات الناس عبئاً لا يطاق.
السودان أمام مشهد لا منطقة رمادية فيه: إما مؤسسات تُحاسِب من يتجرأ على تهديد إرادة الشعب، أو فوضى تُشرعن للجنرال أن يقرر مصير البلاد في كلمة عابرة. إمّا دولة تعود إلى نفسها، أو وطن يبقى معلّقاً في دوامة لا تترك لأحد سوى الإرهاق والانكسار.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إيران في ساعة الخلافة… ثقل الإرث وقلق المستقبل

نزار عثمان السمندل صباح السبت الثامن والعشرين من فبراير 2026 لا يشبه ما سبقه في …