تحية واجبة لشعب مدينة الفاشر وجيشها ومستنفريها والمشتركة ومقاومتها الشعبية في الدفاع عن مدينة السلطان.
عاصرت النخبة السودانية، كغيري من جيلي، مدة عمري وشاركت في اطرافها كمهني ومثقف ومواطن وتناولتها بتوسع في كتبي خاصة في الرؤية السودانية والتنوع في السودان وفي عدد من المقالات والدراسات. أعود من جديد لمعالجة مفصلة في عدد من المقالات اولاً: لتقديم تلخيص غير مخل بنشوء النخبة السودانية القديمة (من التركية مرورا بالمهدية والاستعمار ومابعد الاستقلال وحتى حرب ٢٠٢٣)، وبعدها دور المثقف في بناء وتشييد وتحطم هذه النخبة ودورهم في امكانية بناء نخبة جديدة.
سوف نتطرق بعدها لتفكيك دور المثقف حسب مفاهيم بيير بورديو (بيير بورديو (Pierre Bourdieu) هو عالم اجتماع وفيلسوف فرنسي (1930–2002)، يُعتبر أحد أهم المفكرين في علم الاجتماع المعاصر، خاصة في دراسة السلطة، الطبقات، الثقافة، والتعليم. فكره كان دائمًا ناقدًا للبنى الاجتماعية التي تُعيد إنتاج التفاوتات، ولآليات الهيمنة الخفية التي تعمل من وراء ستار) وتناول اهم أفكاره حول منظور الطبقات الجديد والمثقف المرتزق وكلاب الحراسة الجدد؛ وبعدها عن عوامل تفكك النخبة القديمة بعجزها تقديم مشروع وطني (ما اسميته الرؤية الوطنية السودانية في كتابين ولماذا هذا العجز في كتاب قادم عن عوامل عدم الاتفاق وتحقيق هذه الرؤية) واخيراً مابعد حرب ٢٠٢٣ والسيناريوهات المطروحة. قدمت في هذه المقالات ابرز الذين عالجوا اجزاء من هذه القضايا.
لأنني اكتب ربما للنخبة الجديدة ككلمات اخيرة من مثقف عضوي ليس مجرد “جزء” من النخبة، بل كاحد المساهمين في المصانع الرمزية التي تُنتج النخبة وتمنحها الشرعية في السودان وكانوا أحيانًا صانعين للنخبة الجديدة، وأحيانًا أدوات لإعادة تدوير النخبة القديمة. أزمة السودان حسب جوهر صراعنا الطويل ، كانت هي أزمة نخبة ومثقفين لم ينجحوا في التحول إلى “مثقفين عضويين” مرتبطين بعمق بالمجتمع.
تعرف النخبة (Elite)كافضل التعريفات وكمفهوم ظهر بوضوح مع فيلفريدو باريتو (Pareto) وغايتانو موسكا (Mosca) في أواخر القرن التاسع عشر وعنوا بها المجموعة الصغيرة ذات النفوذ والقدرة على التأثير في القرارات المصيرية، سواء بالمال أو الثقافة أو السياسة أو الدين، واضاف لها بورديو انها تختلف عن “الطبقة” لأنها ليست مرتبطة بالضرورة بالمكانة الاقتصادية فقط، بل بقدرة السيطرة الرمزية والسياسية والتي عرفها بورديو كمن يحتكر الرأسمال الرمزي (المعرفة، التعليم، الشرعية الثقافية) ويعيد إنتاجه لخدمة السلطة أو لمواجهتها.
نشات النخبة السودانية الحديثة في ظل الاستعمار التركي–المصري (1821–1885)، حيث ظهرت طبقة من المتعلمين المرتبطين بجهاز الدولة والإدارة. وخلال الثورة المهدية (1885–1898) تَشكلت نخبة دينية–عسكرية بقيادة المهدي والخليفة عبد الله. وأثناء الحكم الثنائي (1898–1956) تأسست نخبة جديدة عبر التعليم الحديث (كلية غوردون التذكارية، البعثات إلى مصر وبريطانيا). هؤلاء مثّلوا أساس الحركة الوطنية لاحقًا وتداخلت معها عدد من النخب الفرعية ويمكن النظر لتفاصيل النخب من النخبة الثقافية والتي تشكلت من الشعراء، الكُتاب، والصحفيين (مثل معاوية محمد نور، حمزة الملك طمبل، التجاني يوسف بشير) الذين حاولوا إعادة صياغة الهوية السودانية بين العروبة والأفريقانية ولعبت الصحف والأندية الأدبية دورًا محوريًا في بلورة خطاب “السودانوية”. النخبة السياسية انقسمت تاريخيًا إلى تيارين رئيسيين: النخبة الطائفية–الدينية (حزب الأمة – الأنصار، الحزب الاتحادي – الختمية) والنخبة الحديثة/الأيدولوجية (الشيوعيون، الإسلاميون، القوميون العرب). النخبة الاجتماعية معظم النخبة الأولى خرجت من أوساط الأسر المدينية المتعلمة (أمدرمان، الخرطوم، مدني، عطبرة) ولاحقًا، مع توسع التعليم في الستينات، بدأت تظهر نخبة جديدة من الأقاليم (دارفور، كردفان، الشرق، الجنوب)، لكنّها عانت من التهميش السياسي والاقتصادي. ومنذ انقلاب عبود (1958) وحتى اليوم، ارتبطت النخبة السياسية بالجيش وضباط الجيش المتعلمون صاروا جزءًا من النخبة الحاكمة، بينما عجزت النخبة المدنية عن المحافظة على مشروعها الديمقراطي. هذا خلق ما يسميه حيدر إبراهيم “تحالف العسكر والطائفية” كمصدر للأزمات المستمرة.
النخبة السودانية وُلدت في سياق استعماري، ثم انقسمت بين الطائفية والدولة الحديثة، وبين الهوية العربية والأفريقية. لكنها عانت دومًا من “أزمة التوافق الوطني”، وهو ما جعلها في نظر منصور خالد “نخبة فاشلة” لم تنجح في تأسيس دولة متوازنة ولا مشروعًا جامعًا وفي رأي عمرو محمد عباس انها نخبة تنتج الفشل ولم تستطع التوصل لرؤية وطنية جامعة.
مراجع سودانية
حيدر إبراهيم علي – أزمة النخبة السودانية: جدلية الثقافة والسياسة (الخرطوم، 1996).
منصور خالد – النخبة السودانية وإدمان الفشل (بيروت: دار النهار، 2003).
عبد الله علي إبراهيم – الثقافة والديمقراطية في السودان (1996).
محمد أبو القاسم حاج حمد – السودان: المأزق التاريخي وآفاق المستقبل (1991).
عمرو محمد عباس؛ الرؤية السودانية انتاج الفشل (٢٠١٣)
مراجع عربية وأجنبية
- علي مزروعي – النخبة في أفريقيا: تكوينها ودورها السياسي (1971).
- بيير بورديو – التمييز: نقد اجتماعي للحكم (1979).
3. Gaetano Mosca – The Ruling Class (1939).
4. Pareto, Vilfredo – The Rise and Fall of Elites (1935).
5. Douglas H. Johnson – The Root Causes of Sudan’s Civil Wars (2003).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم