كتبت عن النخبة السودانية في كتبي وكتاباتي وشرحت كيف نمت وترعرعت وتفرعنت وتحولت عبر العهود، وطال بي العهد في الدنيا الفانية وحتى عاصرت كيف تفككت هذه النخبة وانطلقت كعادتها نحو مصالحها الذاتية وتناست الوطن. ادى هذآ إلى غربتها من شعبها، رغم تشدقها بالجماهير وكثير من السفاسف. وبمتابعات قليلة نسبيا للشأن السوداني ومايحدث في النخبة من تمزقات وصراعات ومواقف عجيبة، وجدت نفسي
مدفوعاً ان أعود للبحث عن معطيات لتفسير مفاهيم تناولت مواقف هذه النخبة المندثرة، جزئيا بفعل الزمن والموت ولكن الأكثر بفعل فقدان الصلاحية. ووجدت نفسي أعود لكتابات بيحول العنف الرمزي (Symbolic اViolence) ومناقشات حوله في مناسبتين في كمبالا.
وهو مفهوم قدّمه ويعني أشكال السيطرة والإخضاع التي تُمارَس بطرق غير مباشرة وغير مادية، بحيث تبدو وكأنها طبيعية أو مشروعة، بينما هي في الحقيقة تفرض قيمًا ومعايير تخدم مصالح فئة مهيمنة على حساب فئات أخرى. الفكرة الأساسية أن العنف الرمزي لا يحتاج إلى قوة مادية أو عنف جسدي، بل يتم عبر اللغة، الثقافة، التربية، الإعلام، الدين، أو حتى الذوق العام. وغالبًا يمارَس دون وعي من الطرفين: الفاعل والمفعول به. واهم ملامحه: خفاؤه: لا يُقدَّم على أنه عنف، بل كأمر طبيعي أو “منطقي”؛ التطبيع: الضحايا أنفسهم قد يقبلونه ويعيدون إنتاجه؛ الهيمنة الثقافية: فرض لغة، لهجة، ذوق، قيم، أو رؤية للعالم تعتبر “أرقى” أو “أصح”؛ الإقناع بدل الإكراه: الطرف المهيمن لا يفرض بالقوة، بل بالإقناع المستمر بأن هذا هو الوضع الصحيح.
عبر هذا المفهوم سوف اتناول قضايا النخبة من المفهوم المتعدد الطبقات الذي قدمه ومن تبيان علاقة بناء النخبة عبر المرتزقة (يعني بهم المثقفين الذين يمارسون العنف الرمزي لبناء غطاء ايديولوجي لصالح النخبة) وكلاب الحراس الجدد ( ويعني بهم الصحفيين الذين يقدمون مبررات هذا العنف الرمزي)
رفض بورديو النظرية الماركسية المبسطة التي ترى الصراع فقط كصراع طبقات اقتصادية وعنده، الطبقات ليست مجرد انقسام بين مالكي رأس المال والعمال لكن قسّم الرأسمال (Capital) إلى أربعة أنواع أساسية، كل واحد منها يُستخدم كأداة سلطة وهيمنة، ويمكن تحويله من شكل لآخر: الرأسمال الاقتصادي (Economic Capital) وهو المال والممتلكات والأصول المادية ويمنح صاحبه قدرة مباشرة على السيطرة أو الاستثمار أو شراء النفوذ. الرأسمال الثقافي (Cultural Capital) وهي المعارف والمهارات والمؤهلات التعليمية، وأيضًا الذوق الفني والقدرة اللغوية وهو الذي يحدد مكانة الفرد الاجتماعية ويسهّل الوصول إلى مواقع النفوذ؛ الرأسمال الاجتماعي (Social Capital) وهي شبكة العلاقات والروابط التي يمكن للفرد استغلالها وبناء العلاقات التي تمنح فرصًا ومعلومات وحماية. الرأسمال الرمزي (Symbolic Capital) وتحدد المكانة والهيبة والاعتراف الاجتماعي وتعطي شرعية وقبولًا اجتماعيًا للسلطة، حتى بدون قوة مادية ويمكن استخدامه لفرض القيم والمعايير على الآخرين دون عنف مباشر.
مفهوم الـ Habitus (الهابيتوس) وتعني التطبع وهو مفهوم محوري عند بورديو، ويعني منظومة من الميول والسلوكيات والأنماط الإدراكية التي يكتسبها الفرد من بيئته الاجتماعية منذ الطفولة، والتي توجه أفعاله وخياراته بشكل لا واعٍ. ويفسر لماذا أبناء الطبقة الثرية غالبًا ما يبقون في مواقع القوة ولماذا أبناء الطبقات المهمشة يواجهون صعوبة في اختراق النخبة، حتى لو حصلوا على فرص تعليمية وهو أشبه بـ”برمجة اجتماعية داخلية” تتشكل عبر التربية والثقافة، وتعيد إنتاج الفوارق الطبقية جيلاً بعد جيل.
ويرى بوردو ان الرأسمال الرمزي وتحويله إلى خدمة السلطة ويرى أن المثقف أو الصحفي يملك ما يسميه الرأسمال الرمزي (المكانة، الاعتراف، المصداقية). وحين يستخدم هذا الرأسمال للدفاع عن السلطة بدل نقدها، يصبح أقرب إلى مرتزق رمزي. أي أنه يبيع “مخزونه المعرفي والرمزي” مقابل المال، النفوذ، أو القرب من مراكز القوة. يمكن تفصيل أفكاره في هذا المجال كالآتي: المثقف بين الاستقلال والارتهان وبورديو يرى أنّ المثقفين يمكن أن يكونوا حراسًا للهيمنة أو فاعلين للتحرر. وفي كتابه الهيمنة الذكورية وكتابات أخرى، يوضح أن “الحقل الثقافي” ليس مستقلًا بالكامل، بل مرتبط بالسياسة والاقتصاد. المثقفون الذين يتخلون عن استقلاليتهم يتحولون إلى ما يشبه “المرتزقة”، يبيعون رأسمالهم الرمزي لصالح السلطة السياسية أو الاقتصادية. طرح بوردو المثقف النقدي مقابل المرتزقة واسماه المثقف النقدي الجمعي، الذي لا يبيع نفسه للنخب، بل يضع معارفه في خدمة المجتمعات وحركات التحررولذلك دعا في أواخر حياته إلى تشكيل “عصبة المثقفين النقديين”، لمواجهة الاحتكار الإعلامي والسياسي للمعرفة والخطاب.
وفي كتابه التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول (1996) تحدث بورديو بوضوح عن دور الإعلاميين باعتبارهم “كلاب الحراسة الجدد” للسلطة ويرى أن القنوات التلفزيونية والصحافة الكبرى تنتج أوهامًا جماعية وتعمل على إعادة إنتاج النظام القائم. الإعلاميون هنا ليسوا “سلطة رابعة” مستقلة، بل مجرد “وكلاء” يشتغلون على إنتاج القبول الجماهيري بما يخدم مصالح النخب السياسية والاقتصادية. وعن كلاب الحراسة الجدد” بيّن أن الصحفيين المعاصرين لا يكتفون بنقل الأخبار، بل يقومون بـ: حجب النقاشات الحقيقية وفرض أجندة محددة تخدم أصحاب المال والسلطة ونزع الشرعية عن الأصوات المعارضة من خلال التهميش أو التشويه. بهذا المعنى، الإعلاميون والنخب الثقافية المندمجة مع السوق والسلطة هم “كلاب الحراسة الجدد” الذين يحرسون “بوابة الهيمنة الرمزية”.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم