انهيار حقبةُ الطمعِ والغدرِ والأكاذيب

النور حمد
تجربةٌ استحققناها جميعنا
تجربةُ الحرب الكارثية، شديدة القسوة، التي نمر بها الآن في السودان، أحسبها، رغم قسوتها، واحدةٌ من التجارب النادرة النافعة، لما لها من عظيم الفائدة، فيما يتعلق بالتَّعَلُّم. وقديمًا قال المتصوف الحكيم، ابن عطاء الله السكندري: “من لم يَسِرْ إلى اللهِ بلطائفِ الإحسانِ، قِيدَ إليه بسلاسلِ الامتحان”. وقد ورد من أقوال العارفين أيضًا: “إنَّ كلَّ تجربةٍ لا تُوْرِثُ حكمةً تكرِّر نفسَها”. فبمثلما زلزلتها لنا فإنها أيضًا قد زلزلت الطغاة الذين ما فتئوا يتحكَّمون فينا. ولقد استحق كلانا هذه الزلزلة. ولأن العقل البشري، لدى غالبية الناس، لم يكتسب، حتى الآن، ما يكفي من الحكمة، ولم يعرف بعد كيف يتحلَّى بالحياد العقلي، ولا زالت أكثريتنا تعفي ذاتها من أي جريرةٍ نرتكبها، وننحي باللائمة فيها على الآخرين، فنحن جميعًا في غيابة جبٍّ واحدة. وليتنا تدبَّرنا خاتمة الآية القرآنية القائلة: “وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْقِلُون”، ومثيلاتها الأخريات اللواتي ورد فيهن أن أكثر الناس لا يعقلون، ولا يعلمون، ولا يشكرون.
الشاهد في كل ما تقدم، ليس هناك سودانيُّ؛ رجلاً كان أم امرأةً، أم طفلاً، لم تمسسه هذه الحرب بضُرٍّ ما، بدرجةٍ ما. فقد شمل ضُرُّها الغنيَ والفقيرَ، والعالمَ والجاهلَ، والبرَّ والفاجر. وفي هذا مدعاة للتأمل والتدبر. لقد ساوت هذه الحرب بيننا في الضُّر تمهيدًا لكي نتساوى في السلامة. وساوت بقدر ما بيننا بما فقدنا فيها، في الفقر، بكي نعرف كيف نتساوى في الغنى. لقد رفع الأستاذ محمود محمد طه في خمسينات القرن الماضي، شعاره القائل: “ساووا السودانيين في الفقر، إلى أن يتساووا في الغنى”. لكن، لم يسمع ذلك النداء النبيل أحدٌ ممن بيدهم مقاليد الأمور آنذاك. فالذي برز في حيِّز الواقع العملي، حينها، ما روته الآية الكريمة: “وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ”. وسارت نخبنا السياسية، والدينية، والعسكرية، والمهنية، والتجارية، والثقافية، في وجهة خصِّ أنفسهم، دون سواد قومهم بالنعم حارمين إياهم منها. وهكذا أصبحت خرطومنا الجنة التي أقسم أصحاب الشأن فيها لبعضهم: “أنْ لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ”. فحُقَّ علينا كلنا، بما اقترفت أيدينا، على تفاوتٍ بيننا، قول الله تعالى: “فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ * فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ”. ورغم ذلك، لا يزال كثيرون منا في ضلالاتهم يعمهون.
لا يزال بيننا وبين تعلُّمِ الدرسِ أمدٌ
في العادة لا تُستبان العبرةُ في التو والحين، وإنما بعد حين. وسبب البطء في أخذ العبرة هو تخلُّفُ العقولِ وظلامُ النفوس. فهاتان العلَّتان تطمسان حاسة العدل وتمنعان الحياد، وتُعليان حظوظ النفوس، وتخلدان بالناس إلى الأرض. وقد تقود مجافاة الحياد لدى بعض الناس إلى إنكار ما ارتكبوه من جرم، وإلى الإنحاء باللائمة فيه على خصومهم. وما أكثر ما رأينا من الأمثلة في هذا الصدد مما جرى في هذه الحرب الكارثية التي اكتظ فيها الفضاء بأكاذيب وأضاليل استخبارات الجيش وأبواق الإخوان المسلمين التي صنعت سردية كاذبة لهذه الحرب، رغم علمها بحقيقتها. وقد اجتذبت هذه القوى الطاغوتية بأباطيلها أعدادًا غفيرةً من الناس، حاصدةً بذلك ما زرعته من عملها الدؤوب في صناعة الجهل. فانساق كثيرون وراء هؤلاء المُضلِّين كالعميان، مُسلمين لهم مستقبلهم مرة أخرى. لكنهم سوف يعلمون وينجون. وقد بدأت، بالفعل، بوادر الخروج من دائرة عمى الجهل في الاتضاح. ولن يمضي وقتٌ طويلٌ حتى ينماز حق الشعب السوداني من باطل الإخوان المسلمين وجيشهم، الذي لم ينشط قط إلا في خدمة الشر.
خططوا لمعركة الخرطوم قبل سنوات
لقد خطط الإخوان المسلمون وجيشهم لهذه الحرب قبل حوالي 5 سنواتٍ. ومن علامات ذلك، وضعهم، عقب فض الاعتصام في يونيو 2019، حاوياتٍ رمليةٍ ضخمةٍ، على طول الجانبين الجنوبي والغربي من مباني القيادة العامة. وشرعوا بعدها مباشرة في تشييد سورٍ خرسانيٍّ مكان حاويات الرمل بارتفاع أربعة أمتارٍ، اكتمل بناؤه في 10 أبريل 2023؛ أي، قبل 5 أيامٍ من إشعالهم الحرب. وقد كانوا طيلة هذه الفترة يقومون بأعمال التشوين المتعلقة بتكديس الأسلحة والذخائر ومختلف المؤن داخل مباني القيادة العامة للجيش استعدادًا للمعركة. وحين اكتمل كل ذلك، أشعلوا الحرب في 15 أبريل 2023. وكانوا قبل إشعالهم الحرب قد سلَّموا قاعدة مروي الجوية برمتها لسلاح الطيران لكي يكون قريبًا من الخرطوم حين يستدعونه للمشاركة في المعركة. وقبل بداية الحرب بأيام، رفضوا التوقيع على الاتفاق الإطاري لكي يضعوا قوات الدعم السريع، التي كانت قد أعلنت قبولها به، في معسكر قوى الحرية والتغيير (قحت)، التي انقلبوا على حكومتها. أيضًا رفعوا من حدة التوتر والتحرش بقوات الدعم السريع إلى الحد الذي جعلها تأتي بعرباتٍ مدرعة من أقصى غرب البلاد إلى الخرطوم تحوُّطًا لما أحست به من استهدافٍ مبيَّتٍ تجاهها. وأيضًا، لم يقم الجيش باعتراض تلك العربات وهي متجهة إلى الخرطوم، ليصبح من الممكن القول إن قوات الدعم السريع أتت بتلك العربات المدرعة لكي تنفذ انقلابا أعدته. ويبدو أن غرضًا آخر كان هناك، وهو أن تتجمع أعتى أسلحة قوات الدعم السريع، في الخرطوم ليتم سحقها جملة واحدة، فلا تبقى منها وحداتٌ قوية يمكن أن تصبح نواةً لمتاعبٍ جديدةٍ، خاصةً في غرب السودان.
الباز وضياء الدين بوقا البرهان
أيضًا، حين تحركت قوات الدعم السريع لكي تعسكر حول قاعدة مروي الجوية المحتلَّة مصريًا، لتمنع اشتراكها في المعركة المعدة لسحقها، لم يعترض جيش الإخوان المسلمين تلك القوات حتى وصلت مروي. وفي11 أبريل، أي قبل إشعال كتائب الإخوان المسلمين والجيش الحرب بأربعة أيام، كتب صحفي المؤتمر الوطني، عادل الباز مقالاً حول موافقة قائد الدعم السريع على الاتفاق الإطاري، مشيرًا فيه إلى قائد الدعم السريع حميدتي بقوله: “مَنْ مِن العباقرة نصحه بأن يمشي لحتفه بظلفه؟”!. وكتب في نهاية مقاله ذاك، مخاطبًا قيادات الحرية والتغيير قائلا: “إلى السادة المنتظرين في محطة القطارات المتجه لكراسي السلطة ألا يحلموا بغدٍ سعيد، وسيكون الرئيس البرهان الذي يحفر بـ (الإبرة) قد دفن الإطاري (بقريدر)، وبذلك يكون فعلاً جنرال ماهر”. وهكذا كشف الباز أنه على علمٍ تامٍّ بخطة الحرب المدبَّرة لسحق قوات الدعم السريع. ويتضح علم عادل الباز بتوقيت الحرب وحتميتها في هذه الجملة: “وسيكون الرئيس البرهان الذي يحفر بـ (الإبرة) قد دفن الإطاري (بقريدر)”. ومن يقرأ مقال الباز بتمعنٍ يجد أن الباز كان يلعب بعقل القارئ على حبلين: فهو من جهةٍ يتمظهر بأنه يأمل بأن يتراجع حميدتي عن قبول الاتفاق الإطاري، وتصبح قوى الحرية والتغيير بلا ظهير عسكري. وبهذا تخرج ومعها اتفاقها الإطاري تمامًا ونهائيًا من معادلة الحكم. أما في حالة إصرار حميدتي على الوقوف مع الاتفاق الإطاري، وهذا ما حدث بالفعل، فخطة إشعال الحرب لسحق قواته كانت أصلاً جاهزة. ويقيني أن خطة سحق قواته كان سيجري تنفيذها في كل الأحوال. فقد عمل الجيش والإخوان المسلمون، بوسائل عديدة، في سوق الأمور في الوجهة التي تقود إلى تنفيذها.
أما صحفي المؤتمر الوطني الآخر، ضياء الدين بلال، فقد كشف في سذاجةٍ لافتةٍ علمه بالحرب المدبَّرة، حين ذكر في تسجيلٍ له على منصة يوتويب أنه قابل الفريق البرهان وتحدث معه عن ما أسماه تحركات الدعم السريع وذهاب عبد الرحيم دقلوا إلى شندي. وقال إن كل المعطيات في تلك الأيام، تشير إلى أن هناك مواجهةً عسكرية قادمة، بل قال عنها إنها “حتمية”. فكيف يا ترى عرف أنها “حتمية”؟! وقال ضياء الدين إنه سأل البرهان عما يتوقعه في حالة حدوث تلك المواجهة “الحامية”؟ بعد طرحه هذا السؤال قال ضياء الدين عن البرهان: صمت الرجل لفترة وقد تغيَّرت ملامحه بعض الشيء، ثم رد بقوله: “إذ حدثت المواجهة العسكرية في الخرطوم فالخسائر حتكون كبيرة شديد، والناس ديل حينهبوا وحيدخلوا البيوت وحيسرقوا وحيعملوا زعزعة أمنية كبيرة، لكن في الآخر ما حيسيطروا وجينهزموا”. وذكر ضياء الدين أنه سمع حديث البرهان هذا ومعه عددٌ من زملائه. فكيف يا ترى عرف البرهان مقدما: “الناس ديل حينهبوا وحيدخلوا البيوت وحيسرقوا وحيعملوا زعزعة أمنية كبيرة”، ما لم يكن البرهان وأجهزته هم الذين خططوا لكي تحدث كل تلك التُّفلُّتات والسيولة الأمنية؟ ولقد رأينا كيف كانوا يخلقون التَّفلُّتات والسيولة الأمنية منذ اندلاع الثورة، وحتى يوم إشعالهم فتيل الحرب. ولابد هنا من التذكير أنهم قد أطلقوا سراح أكثر من 20 ألف سجين مع بداية الحرب. وفي نفس الوقت، اختفى جهاز الشرطة بالكامل من كل الأقسام في العاصمة، وكأن الأرض قد ابتلعته. فلنتمعَّن، ونحن مصطحبين معنا تلك التجارب، قول البرهان: “إذ حدثت المواجهة العسكرية في الخرطوم فالخسائر حتكون كبيرة شديدة”. ألا تدل هذه الجملة على أن البرهان قد اختار طريق الحرب داخل الخرطوم رغم علمه الكامل بالخسائر الكبيرة والدمار الذي سوف تحدثه؟ فتحصين البرهان لمباني القيادة بالحائط الخرساني هو أكبر دليل على تخطيطه للحرب. ويجب ألا ننسى أن القصد الأساسي من الحرب، إلى جانب سحق قوات الدعم السريع هو زعزعة الناس ونسف استقرارهم وإجبارهم على قبول عودة الإخوان المسلمين للسلطة. وما من شك أن طرفًا من ذلك الغرض قد تحقق لهم، ولكنه بل شك تحقُّقٌ مؤقت.
كل هذا التاريخ من المؤامرات المتسلسلة مرصودٌ بدقة. فنحن نعيش في عصر رقمي كل علومة فيه في متناول اليد. ولسوف يجري جمع كل ذلك التاريخ من المؤامرات والخيانات بدقة متناهية. وسوف يجري نسف كل الأضاليل التي اكتنفت سردية هذه الحرب. لقد أشعلوا هذه الحرب ظنًا منهم أنها لن تستمر أكثر من ساعاتٍ أو أيام، يتحقق لهم بعدها غرضهم المتمثل في العودة إلى السلطة. لكن الله أفلت زمامها من أيديهم، ليخرجوا عبرها عما قريبٍ من السلطة، ومن مسلسل الإضرار الطويل بالبلاد وبالعباد. “وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”.

elnourh@gmail.com

عن د. النور حمد

د. النور حمد

شاهد أيضاً

جرعة التضليل الأخيرة (9)

النور حمدأكذوبة “جيشٌ واحد شعبٌ واحد”إن أكثر الشعارات تضليلاً لهو شعار “جيشٌ واحدٌ شعبٌ واحد”، …