اتفاقية الجاتس في منظمة التجارة العالمية: فرص واعدة وتحديات ماثلة.
بالرغم من قتامة المشهد السوداني و بالرغم من التحديات نحسب أن الأمل لا زال قائما لأحداث اختراق الوصول إلى الحل السياسي الشامل يستند إلى أجندة وطنية بحتة ويلبي تطلعات الشعب السوداني في السلام و بناء دولة تليق بعظمته وطي صفحة عقود من النزاعات المسلحة والانتقال إلى مرحلة اعادة الاعمار والبناء .
وللحيلولة دون حدوث انتكاسة في ذلك المسار ينبغي بالتوازي تعزيز اي اتفاق قادم باصلاح ادارة الاقتصاد و استئناف جهود دمج السودان في النظام التجاري الدولي المتعدد الأطراف ،ليس فقط من اجل الاستفادة من التدابير والفرص الدولية المتاحة لمساعدة البلدان الأقل نموا، بل ايضا لايجاد البيئة المؤسسية والقانونية التي تضمن تقاسم عوائد السلام بين جميع المناطق المكونات الاثنية بصورة عادلة ولوضع السودان علي مسار التنمية والسلام. وفي هذا السياق ومواصلة سلسلة المقالات التي تتناول اهمية تسخير عضوية السودان في منظمة التجارة العالمية لبناء دولة المؤسسات يسلط هذا المقال الضوء على موضوع التجارة في الخدمات في الWTO.
اخذ قطاع الخدمات يجذب اهتمامًا متزايدًا في السنوات الاخيرة حول العالم كونه قطاعًا حيويًا وحاسمًا في تاسيس الاقتصاد القائم علي المعرفة والتقدم العلمي والتكنولوجي. فضلًا عن ذلك يلعب هذا القطاع دورًا متناميًا في كل الانشطة الاقتصادية الاخري، واليوم لا يمكننا الحديث عن سلاسل وامدادات القيمة العالمية دون وجود انشطة خدمية محركة مثل النقل والتامين والبنوك والاتصالات والبحث والتطوير. وبناءًا علي ذلك تم وضع الخدمات علي اجندة المفاوضات الدولية في اطار جولة (الجات) في اوروجواي ١٩٨٦-١٩٩٤ حيث اصبح قطاع الخدمات لاحقًا جزء من الاتفاق التجاري المتعدد الاطراف في اطار الWTO وتم إلحاقه كجزء من اتفاقيات المنظمة تحت مسمي الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (الجاتس).
اهداف وهيكل الجاتس:
لم تكن التجارة في الخدمات قبل جولة اوروجواي خاضعة لأي نظام على المستوى الدولي. وتحت ضغط الدول المتقدمة اتخذت في هذه الجولة الخطوة الرئيسية الأولى اتجاه إخضاع هذا القطاع لضوابط دولية بشكل تدريجي. تعتبر اهداف الجاتس مماثلة لاهداف الجات. حيث انها تهدف نظريًا إلى تعزيز مشاركة الدول النامية في تجارة الخدمات وتسعى اتفاقية إلى تحقيق ذلك من خلال تطبيق أحكام وقواعد الجات على تجارة الخدمات بعد إجراء بعض التعديلات الضرورية التي تأخذ بالاعتبار الخصائص المميزة للتجارة في الخدمات.
وتتالف الجاتس من إطار من المفاهيم العامة والمبادئ والقواعد المطبقة على التدابير التي تؤثر على التجارة في الخدمات. بالإضافة للملاحق التي تحدد المبادئ والقواعد للقطاعات النوعيةالتي تكمل نص الاتفاقية. كما تتالف الاتفاقية من التعهدات النوعية بتحرير التجارة في قطاعات الخدمات الفرعية وهي تعهدات مدرجة في الجداول الوطنية للبلدان الأعضاء.
وقسمت أمانة المنظمة الخدمات إلى 12 قطاعًا هي : الأعمال التجارية،الاتصالات، التشييد والخدمات الهندسية، خدمات التوزيع ،الخدمات التعليمية، الخدمات البيئة، الخدمات المالية، الخدمات الصحية، خدمات السياحة والسفر، الخدمات الترفيهية والثقافية ، خدمات النقل وخدمات اخري ذات الصلة.
وخلافا للتجارة الدولية في السلع التي تتطلب عبورًا ماديا عبر الحدود، يجري تقديم الخدمات على المستوى الدولي وفقًا لنمط او مجموعة انماط من الاشكال الاربعة التالية: انتقال المنتجات الخدمية عبر الحدود. انتقال المستهلكين إلى البلد المستورد. إقامة وجود تجاري في البلد الذي ستقدم فيه الخدمات. او الانتقال المؤقت للأشخاص الطبيعين إلى البلد الآخر من أجل تقديم الخدمات فيه.
الفرص والتحديات للسودان:
وإدراكًا منها باهمية قطاع التجارة الخدمات في تحقيق اهداف التنمية المستدامة للبلدان الأقل نموًا اتخذ جزء من عضوية المنظمة من الدول المتقدمة والنامية عام ٢٠١١ جملة من الاجراءات التي تسهل الدخول التفاضلي لخدمات تلك الفئة من الدول الي أسواقها بالاضافة الي المعاملة الخاصة التي تتمتع بها في اطار الاتفاقية. وللاسف لم تتمكن هذه الدول من استثمارها كما ينبغي ، اما لعدم وجود الامكانات الفنية وضعف قدراتها البشريه والمؤسسية والتكنولوجية او لصعوبة الشروط الملحقة بها.
ومع ذلك سجل عدد من الدول الأفريقية نموًا واضحا في مجالات مختلفة في السنوات الاخيرة. وعلي سبيل المثال الخطوط الأثيوبية وقطاع الاتصالات في مصر والخدمات التعلمية في يوغندا والخدمات المالية في نيجيريا وخدمات المواني في جيبوتي وكينيا.
بالنسبة للسودان فان الانضمام إلى الWTOيعتبر خطوة هامة واستراتيجية لتعزيز التجارة في الخدمات واستغلال الإمكانيات الهائلة التي تتوفر في البلاد في قطاعات مثل التعليم، الصحة، السياحة، النقل والاستشارات القانونية والهندسية فضلًا عن الخدمات المالية . وباعتبار أن السودان مقبل علي لحظة مفصلية لارساء دعائم السلام واعادة الاعمار ورتق النسيج الاجتماعي، فينبغي ان يصاحب ذلك تعظيم الاستفادة من التدابير الجديدة للدعم الدولي في مجال الخدمات مع تغير جذري للعقلية التي تدار بها الاقتصاد.
فضل محي الدين طاهر
eltahirfadil@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم