اولاد دفعة (12): اتركوها وتوكلوا من فضلكم .. بقلم: عثمان يوسف خليل
28 مايو, 2016
منشورات غير مصنفة
25 زيارة
o.yousif@icloud.com
عندما تولي الخليفة ابوبكر الصديق الخلافة كلف الفاروق عمر بن الخطاب قاضيا علي المدينة فمكث عمر عاما لم يفتح محكمة ولم يختصم اليه اثنان وعندها ذهب عمر الي الخليفة ابوبكر وطلب اعفائه من القضاء فقال له ابوبكر:امن مشقة القضاء يا عمر تطلب الإعفاء ؟قال عمر:لا يا خليفة رسول الله ولكن لا حاجة لي عند قوم مؤمنين عرف كل منهم ماله وما عليه فلم يطلب اكثر منه صحيح انها دولة العدالة بعد رسول العدالة ولكن ضمائر الرجال..
احسب ان الحال في دولة السودان الكبير قبل مايو69 ويونيو 89 كان اقرب لتلك الحال ،حيث يعرف فيها كل انسان واجبه وما له وما عليه..تكرم المرأة ويعز الضيف ويسند الضعيف ويجد الغريب المأوى وتصل اللقمة الى كل فم جائع او شبعان ولم نعرف الفرق ًضبين مسلم ومسيحي…البيوت من طين والسباليق من الزنك والصفيح والنفير ياتيك وأمكن بماعونه ان سالت ام لم تسال..وكنا ننام مكان نلعب لا عنف نخاف ولا يتسرب الهم لقلوب ابائنا..طربنا لابي داؤد ورقصنا التوست مع شرحبيل وتمايلنا لابراهيم عوض..وكنا نشرب الشاي والقهوة صباح ومساء وعندنا تلات وجبات..واكلنا العنكوليب والتبش بالملح والشطة مع الليمون..واكرمنا الجار فامناه وامنا..وسافرنا باللواري..وكان عندنا اكبر مشروع لزراعة القطن طيب التيلة.. وكان لنا بنك وطني يحدد لنا قيمة عملتنا..وميناء يعد واحد من عرائس الموانئ في البحرالاحمر تحج اليه السفن من كل بقاع الدنيا ومنه تمخر سفنا كانت تملا موانئ العالم من خيراتن من فول سوداني وسمسم وصمغ عربي وفوق هذا وذاك على جوفها تمتلأ بالقطن السوداني طويل التيلة ولكن وا حسرتاه فقد بيعت الخطوط البحرية وقبلها النقل النهري .. وحينها كنّا نملك واسطول من الطائرات وخطوط جرية وطيارين ومضيفين ومضيفات زي القمر وكان لنا مطار تتمناه اى من دول المنطقة.ويصبح الان يبدو كالمخزن..وقطارات تستطيع ان تظبط وقتك على مواعيد قيامها وغدوها وورشة لصيانة هذه القطارات في مدينة انشات خصيصا لهذا الغرض وفيها نظام عمالي غاية في الدقة والنظام وان تمردت هذه المدينة وقف ناس الحكم في الخرطوم على ارجلهم .. وفي الخرطوم محطة قطار يذهب اليها القوم للترفيه ويسعدوا للقاء الاحباب القادمين والمسافرين..وصالات واندية وسوق عربي وافرنجي وليل خرطومي برئ لا يعرف مطاردات ولا خوف وجامعة تهفو لها النفوس وإذاعة ترفع الخلق وترقص علي أغنياتها العروس ويسهر الناس معها ويحزنون حين يعلن المذيع نهاية الإرسال وكنا عندما نسافر شمالا لام الدنيا يسالوننا عن امواس ناست والشاي ومعاك صرف يازول والكركدي ومعجون سيجنال والتسالي..ونخلف كراع علي كراع في ارقي شوارع لندن وبيروت والقاهرة مرفوعي الرأس ونحن سواح..ونقرأ ونكتب في كبريات الصحف والدوريات العربية ونناقش وننقد والثقة ديدننا..لا دين يفرقنا ولا سياسة ولا سجون لاختلاف الرأي ولم نعرف ان هناك سجناء سياسيين او صحف تصادر او راي يحجر عليه نختلف ونكورك حتى تنقرش حلوقنا ونذهب الي اتني او كوكا كبانا وكان شي لم يكن ..
وياتي يوم تتغير احوالنا لا يعرف الجار جاره ولا يابه الاخ باخيه..وتاتي البنت في ليل بهيم وهي تحمل اكياس الباسطة ولفافات الطعمية والمشويات وتحمل في احشائها ما يعلم به الا الله لينتهي ما باحشائها الي قارعة الطريق ويذهب الناتج الي مكان اسمه المايقوما.. ولا واحد بيسال من اين لك هذا..وعرفنا العمارات والفلل الشاهقة..والسيارات الفارهة..وزواج المتعة خماس وسداس.. وانقلبت علينا الموازين فيسرق الضعيف وتمتلأ الصحف المدعومة باخباره..ويسرق الشريف(حلوة شريف وسراق دي) ويقال له فهلوي وذكي وشاطر..نهبت الخزائن وافسدت المدائن واشبعنا بهاتف التكبير (هي لله) وهي لغير الله.. وهي للجاه..
قتل الأبرياء باسم الدين..مورست الفاحشة باسم الدين.. شرد الناس من قراهم باسم الدين..وتورمت كروش من عرق الغبش باسم الدين..وسحلت نساء وجلدت حرائر ابرياء باسم الدين..شحت الانفس وهرمت العقول ..وأصبح المواطن يكلم نفسه ويهيم كالمخبول..ويساق شباب قر للموت كالعجول.. ولا ينفع القول الحق لديكم ..ولكنا باسم الدين والدين الحق نقول اتركوها واتركونا خلونا نرجع نلملم ما تبقي من وطن كبييير كان اسمه السودان .