الاوليغارشية مصطلح يطلق علي حكم الأقلية؛ وفيه تكون السلطة المطلقة بيد النخبة الاقتصادية، ولأن السيطرة علي الموارد الاقتصادية و المالية وحده لا يعني بالضرورة احتكار السلطة، فإن المصطلح يستخدم تحديداً ليصف العلاقة بين السلطة السياسية الحاكمة و الطبقة الرأسمالية الفاسدة التي نبتت حول السلطة (كما حدث في روسيا بعد سقوط النظام الشيوعي)، وهي علاقة اعتماد تبادلي تقوم فيها السلطة بتسهيل سيطرة طبقة موالية لها علي المال والأرباح، وبالمقابل تسند تلك الطبقة السلطة السياسية عبر الإعلام والمنصات والمراكز، فهي نخبة أو طبقة تعتمد علي فساد السلطة بصورة رئيسية في تكوين ومراكمة ومضاعفة الأرباح و المنافع، وهي تدير وتحتكم علي مليارات الدولارات وترليونات الروبلات من أموال الروس.. ما مكنها من احتكار النفوذ السياسي كذلك.
وحين شنت روسيا حربها علي جارتها اوكرانيا عرفت الدول الأوروبية و أميركا كيف تقص أجنحة الخطر الروسي؛ فوجهت اول ما وجهت ضربة في مقتل للاوليغارش الروس، و صادرت مليارات الدولارات، نقدا أو اصول كانت متواجدة ببنوك غربية أو علي التراب والمياه الأوروبية (مئات اليخوت الفاخرة).
كانت أوروبا تعلم أن دعم الاوليغارش لبوتين سيمكنه من حسم الحرب وتحقيق أهدافه منها سريعاً، وربما التوسع ومهاجمة بلدان أوروبية أخري لتغيير أنظمتها وفرض حكومات موالية له (بولندا وجمهوريات البلطيق..الخ)، هذا إذا ظن الاوليغارش أن في الحرب مكاسب لهم، أما وقد تعرضوا للملاحقات في أوروبا ومناطق أخري (جنات وملاذات ضريبية وغيرها)، فقد اقتنع الاوليغارش الروس أن الحرب ليست في صالحهم، لذا ابتعدوا عن السلطة بقدر استطاعتهم..
وتماماً كأوليغارشية نظام فلاديمير بوتين نشأت اوليغارشية في السودان تحت رعاية سلطة عمر البشير.. وهي طبقة من الأفراد اغتنوا من المال العام عبر تسهيلات بنكية وعقود وعطاءات وامتيازات حصلوا عليها بسبب انتمائهم وولاءهم لتنظيم الحركة الإسلامية الحاكم.. والمفارقة أن اوليغارشية البشير ضمت في السابق رجال أعمال اجانب (فلسطينيين واتراك وغيرهم كثير الرابط بينهم جميعاً أنهم اخوان أو يدير أن أموال الإخوان والشبكات الإسلامية المقربة منهم)؛ و روس كذلك -اعضاء في دوائر الاوليغارش المقربة من الكرملين؛ من بينهم أو علي رأسهم مؤسس شركة فاغنر (يفغيني بريفوجين) و روس آخرين نشطوا في مجال تجارة السلاح والمرتزقة وتعدين وتهريب الذهب!
ولقد ورثت سلطة البرهان تلك الطبقة أو ورثت تلك الطبقة النظام الذي تأسس بعد البشير ‘لا فرق’.
من يحكم السودان منذ ١٩٨٩م هم اوليغارشية (أقلية تحتكر المال و الموارد الاقتصادية و بأساليب فاسدة)، و ليسو جماعة أيديولوجية أو مذهبية كما يدعون؛ كما أنهم ليسو مجموعة عرقية كما يصورهم خصومهم ‘او يصورون أنفسهم بعد أن انكشف زيف قناع الأيديولوجيا و المذهب’..
وكما كان إخوة البشير علي رأس وفي قلب طبقة اوليغارشية الإنقاذ، فإن اخ البرهان يوجد الأن علي رأس طبقة الاوليغارشية الخالفة.. و برغم أن (حسن عبدالرحمن البرهان) من القضاة الذين إحالتهم الإنقاذ للصالح العام؛ إلا أنه سرعان ما عرف من أين تؤكل الكتف؛ وتحالف مع نخبة الفساد التي تشكلت حول نظام الإخوان الانقلابي، فإمتلاك (المحامي حسن البرهان) شبكة علاقات -فاسدة- قديمة مكنته من إدارة عمل الاوليغارشية بكفاءة؛ إذ عرف عنه سابقاً أنه محامي القطط السمان (عبدالغفار الشريف و محمدحسن سيد -مقاول عمارات الشرطة التي انهارت) وقد حصل من عمله ذاك علي أتعاب بملايين الدولارات.
أن طبقة اوليغارشية البشير والتي ورثها البرهان تنشط اليوم في دعم حرب (الكرامة) التي تذيق السودانيين الأمرين من موت وتشريد، كما دعمت حروب النظام السابق و روجت لأجندته الحربية في الجنوب وجنوب كردفان والنيل الازرق؛ وتحصل بالمقابل علي عمولات مليارية (بالدولار) من صفقات تسليح و وقود و سلع استهلاكية وخلاف ذلك (ومن بيع المساعدات الإنسانية).. وتملك اصول أرصدة مليارية بتركيا وماليزيا ومصر وغيرها كثير من الأقطار…
أن ما تنعم به طبقة اوليغارش الفساد في عهد البرهان من امتيازات وتسهيلات فاق ماحصلت عليه في عهد البشير! ففي السابق كانت تلك الطبقة تتعرض للنقد و(الرصد)؛ ما دفع البشير مرات عديدة لمحاولة تحجيمها وتقليص أثرها (مفوضية ابوقناية للفساد و حملة صلاح قوش ضد القطط السمان)، أما في عهد الحرب هذه؛ فإن نقد طبقة الاوليغارش الفاسدة يعتبر جريمة حرب ضد الدولة، وخيانة عظمي، و(تعاون) مع المليشيا المتمردة والمحاربة، ومساس وطعن في شخص القائد العام ..الخ؛ وقد تم تحديث قانون النشر والنشر الالكتروني ليعاقب علي تلك التهم بالاعدام!!
لذا فهي تنشط بأريحية لم تحظي بها طبقة الاوليغارشية الروسية نفسها! ووصل بها الأمر لأن تدفع بأحد رموزها (مصلح نصار) الي منصب مستشار رئيس الوزراء!! و(مصلح/الفاسد) ليس وحده فمعظم وزراء و كبار مسؤولي النظام هم من أركان طبقة الاوليغارشية.. وهنا يكمن أحد الفروق بين اوليغارشية بوتين الروسية و اوليغارشية البرهان (البشير سابقاً) فالاوليغارشية الروسية داعمة للسلطة و مستفيدة منها أما هنا فالاوليغارشية هي السلطة نفسها.
وحيث أن اوليغارشية الفساد التي تحولت لاوليغارشية حرب تنشط بحرية فإن محاولات وقف الحرب ستراوح مكانها ولن تقود الي شئ..
لقد اخطأت القوي المدنية بإهمال هذا الملف الحساس، و علي الرغم من الإعلان عن عودة لجنة إزالة التمكين لمزاولة عملها (من خارج السلطة والبلد) فإن من المستبعد أن يكون لعملها تأثير كبير، إذ أنها فشلت في السابق في رصد اوليغارشية البشير بشكل حاسم أو كافي، كما أنها تحاشت المس برموز الفساد المقربة من (المكون العسكري) -سواء ايام كان علي رأس لجنة التفكيك الفريق ياسر العطا أو بعد أن استقال- بما فيهم أفراد من ذلك المكون نفسه إذ أن أغلبهم أو كلهم ينشطون في العمل التجاري أو تعدين الذهب!
اللهم إلا إذا غيرت لجنة التمكين استراتيجية عملها في الرصد والتحقيق وفي التعاون مع العالم وخصوصاً أميركا و اوروبا لملاحقة أرصدة وأصول اوليغارشية البرهان ومصادرتها أو علي الأقل ايقاع الحجز القانوني عليها.
كما أن هناك حقيقة يجب عدم إغفالها؛ وهي أن اوليغارشية البشير-البرهان قد انقسم منها بعد حرب ابريل جناح يوالي الدعم السريع بقيادة حميدتي، وهذا الجناح كذلك يجب رصده وملاحقته وملاحقة أصوله وارصدته.
عبدالباسط حمزة.. رمية من غير رامٍ
ضابط الأمن الذي تحول الي رجل اعمال و أُعتُبِر أحد أكابر اوليغارشية البشير هو عبدالباسط حمزة والذي (لحسن الحظ) طلبته الإدارة الأميركية (إذ يعد أحد صناديق اسرار أسامة بن لادن في السودان) وتم ترحيله من القاهرة الي أميركا بعد شهور من اندلاع الحرب، يعد الرجل الوحيد من اوليغارشية الحرب الذي تمت ملاحقته وإيقافه، فكانت تلك بمثابة رمية بلا رامي!
أما قائمة اوليغارشية البرهان-البشير فتحتاج الي مقال منفصل ليتم احصاءها وحصر أسماؤها فقط.. أما إذا أردنا إيراد اسماء علي سبيل المثال فيمكننا؛ إضافة للأسماء التي وردت في المقال؛ ذكر الآتين: (علي كرتي – صلاح قوش- ازهري المبارك- عادل اويل- فضل محمدخير- محمد عثمان؛ الشهير بمولانا – ايمن مبارك ابوجيبين- هشام السوباط – عمر النمير، توفي مؤخراً- مبارك اردول- احمد العليقي- محمد احمد البرجوب- جمال الوالي، عبدالعزيز عثمان؛ وهو شريك عبدالباسط حمزة- عبدالله خلف الله- ميرغني ادريس- جبريل ابراهيم.. ) من قائمة تضم من مئتان الي ثلاثمائة شخص هم أبرز الأسماء والشخصيات من طبقة الاوليغارشية.
وصلاح عبدالله محمد (قوش)!
صدر ضد صلاح قوش حكم من محكمة إماراتية بالسجن المؤبد، بعد أن اتهمه النائب العام فيها بالتجارة غير المشروعة في السلاح وتوريده للجيش السوداني..
ورغم أن النائب العام و القضاء الاماراتي يعرف عنوان إقامة (قوش) إلا أنه لم (ولن) يطلب من الدولة (حيث يقيم) تسليمه أو توقيفه؛ تعتقدون لماذا؟؟!!!
ببساطة لأن الإمارات (حليفة الدعم السريع و عدوة الإخوان كما يشاع) لا تريد أن تحرج (مصر – حليفة الجيش و الإخوان، وحليفتها في نفس الوقت)!!
الإمارات لا يهمها ولا يعنيها في شئ ايقاف الحرب، بل هي من المخططين لها والمحرضين عليها، وتمثل مع الدولة الحليفة (حيث يقيم قوش) قطبي المحرك الإقليمي للحرب.. وهدف الحرب كما قلنا مراراً هو ضرب قدرة الشعب السوداني علي الانتقال الديمقراطي والمدني ..
وهذا هدف الإمارات ومصر، قبل أن يكون هدف البرهان واخوان السودان.
ان حصر تعاملات طبقة الاوليغارشية المشبوهة وأصولها وارصدتها تمهيداً لملاحقتها قضائياً خارج السودان يحتاج الي جهد كبير ومنسق تقوم به فرق محاسبية وقانونية ودبلوماسية.. وحينها فقط يمكننا الحديث عن جهد لوقف الحرب.
إذ أن مساعي وقف الحرب في ظل نشاط اوليغارشية البرهان سيكون بمثابة حرث في البحر، أو كما يحدث الآن.
- ابونوره اوهاج
